قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لا تمثل مجرد أزمة داخلية، بل تعكس انهيار الأحزاب السياسية التقليدية الكبرى في بريطانيا، وهو ما يماثل اتجاهًا شعبويًا أوسع يجتاح الديمقراطيات الغربية المتقدمة نتيجة ركود الأجور وتآكل العقود الاجتماعية التي تركت الناخبين في حالة ضيق عارم من الوضع الراهن.
أضافت الصحيفة أن المشهد الفريد لستارمر وهو يعلن استقالته من أمام مقر الحكومة في "10 داونينج ستريت" يجعله شاغل المنصب السادس الذي يغادر منصبه تحت الضغط خلال العقد الأخير.
ونوهت إلى أن القوى السياسية التي أطاحت به ليست حكرًا على بريطانيا وحده، بل هي أحدث العواصف في إعصار شعبوي يضرب الأحزاب العريقة من واشنطن إلى باريس وبرلين.
تآكل اليمين واليسار التقليدي
أشارت الصحيفة إلى أن هذه الغضبة العارمة تبلورت في معظم الدول الغربية حول شخصيات بارزة تعتمد على الخطاب الحماسي بدلًا من البرامج السياسية الواضحة، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة، ومارين لوبان في فرنسا، وأليس فايدل في ألمانيا، ونايجل فاراج في بريطانيا.
وأوضحت أن هذه القيادات تتشابه في أسلوب تحويل الاستياء العام من قضايا الهجرة وتكلفة المعيشة إلى علامة سياسية قوية، تاركة الأحزاب الحاكمة في حالة ذعر وتخبط.
وفي الشأن البريطاني، ذكرت الصحيفة أن زعيم حزب "إصلاح بريطانيا" الشعبوي، نايجل فاراج، لم يكن بحاجة للفوز بالانتخابات بنفسه للإطاحة بستارمر، بل اكتفى ببث الرعب في نفوس نواب حزب العمال لإجبارهم على التخلص من رئيس وزرائهم.
وبيّنت الصحيفة أن ستارمر الذي تولى منصبه في يوليو 2024 بعد نصر ساحق أنهى 15 عامًا من حكم المحافظين واجه انهيارًا سريعا في شعبيته بسبب قرارات غير مدروسة وخيبة أمل الناخبين الذين باتوا يفضلون وجوهًا جديدة تعد بحلول أكثر بساطة.
مقارنة دولية وأزمة حكم
واستطردت الصحيفة في رصد الظاهرة عالميًا، حيث لفتت إلى الوضع في فرنسا، مؤكدة أن أحزاب اليمين واليسار التقليدية لم تتعافَ منذ صعود إيمانويل ماكرون عام 2017، الذي يحكم حاليًا بدون أغلبية برلمانية وسط تقدم لافت لحزب "التجمع الوطني" اليميني بقيادة لوبان.
كما نبهت إلى الوضع في ألمانيا، حيث تظهر استطلاعات الرأي تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا القومي على الاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشار فريدريش ميرتز.
وعقدت الصحيفة مقارنة بين موقف ستارمر والرئيس الأمريكي جو بايدن، موضحة أن كلاهما واجه السخط ذاته من القواعد الحزبية رغم هزيمتهما لخصوم أثاروا نفور الناخبين سابقًا، نظرًا لتلاشي الثقة في القيادة بشكل سريع ومباشر في الأنظمة البرلمانية التي تسهل عزل القادة مقارنة بالنظام الرئاسي الأمريكي.
"ملك الشمال" والتحدي القادم
واختتمت واشنطن بوست تقريرها بالإشارة إلى أن الخيار الأقرب لخلافة ستارمر هو آندي بيرنهام، رئيس بلدية مانشستر الكبرى والمعروف بـ"ملك الشمال".
ورأت أن بيرنهام يتمتع بمزايا تواصلية وشعبية غابت عن ستارمر "التكنوقراطي"، إلا أنها شددت في الوقت ذاته على أن التحديات البنيوية مثل ضبط الحدود ووقف نزيف الأصوات لصالح الأحزاب الراديكالية كحزب الخضر أو "إصلاح بريطانيا" ستظل قائمة؛ ما يجعل مهمة أي زعيم قادم محفوفة بالخطر في ظل استمرار دوران "ساقية" الاضطراب السياسي العالمي.




