أخبار عاجلة

قراءة هادئة لمبادرة المصير المشترك 2035

قراءة هادئة لمبادرة المصير المشترك 2035
قراءة هادئة لمبادرة المصير المشترك 2035

في عالم السياسة، لا تُقاس قيمة المبادرات بحجم العناوين التي تحملها، ولا بعدد الأسماء التي تُوقع عليها، ولا حتى بنبل المبادئ التي تعلنها؛ فالتاريخ السياسي مليء بالوثائق والبيانات التي صيغت بلغة مثالية، لكنها عبرت الزمن دون أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في الواقع.
إن القيمة الحقيقية لأي مبادرة سياسية تُقاس أولًا بالإجابة على أسئلة أكثر عمقًا: ما المشكلة التي جاءت لحلها؟ وما الفراغ الذي تسعى إلى ملئه؟ وما الأدوات التي تمتلكها لتحويل أفكارها إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟ وهل تمثل استجابة لحاجة تاريخية وسياسية قائمة، أم أنها مجرد محاولة لإعادة صياغة مسارات قائمة تحت عنوان جديد؟ ثم من هم الفاعلون الذين يملكون الشرعية السياسية أو المجتمعية لقيادة هذا المسار؟
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة الهادئة لمبادرة "المصير المشترك 2035”، بعد أن تم الإعلان عن عقد السياسي الدكتور أيمن نور الذي غادر مصر متجهًا إلى المنفى الاختياري في لبنان عام 2013م، ثم استقر في تركيا، وتنقل في عدة دول أوروبية، لقاءً رسميًا صباح يوم الإثنين 8 يونيو 2026م، مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي السيد برونو فوشز، تم خلاله تسليمه مشروع مبادرة "المصير المشترك 2035" التي وقعت عليها مجموعة من الأحزاب والقوى والرموز العربية.
والمعروف أن الدكتور أيمن نور، قد أتهم في قضية تزوير توكيلات حزب الغد في2005م، حيث قضت محكمة جنايات القاهرة بمعاقبته بالسجن لمدة 5 سنوات، وأيدت محكمة النقض الحكم في مايو 2006م ليصبح نهائيًا وباتًا، ثم قضى نحو 3 سنوات في السجن قبل أن يُفرج عنه صحيًا في عام 2009م.
وفي إبريل عام 2017م، قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بسجنه غيابيًا لمدة 5 سنوات مع الشغل، بالإضافة إلى غرامة مالية، حيث وُجهت إليه تهم التحريض ضد الدولة وإذاعة أخبار وشائعات كاذبة تهدف إلى تكدير السلم العام والإضرار بمصالح البلاد، ونتيجة لهذا الحكم، وُضع على قوائم "ترقب الوصول" بمنافذ ومطارات مصر، وفي عام 2023م، أدرجت محكمة جنايات القاهرة اسم أيمن نور على قوائم الكيانات والأشخاص الإرهابية في القضية رقم 590 لسنة 2021 حصر أمن الدولة العليا، ونص القرار على الإدراج لمدة 5 سنوات، ثم رفضت محكمة النقض في عام 2024م الطعن المقدم منه وآخرون وأيدت الحكم الصادر من محكمة الجنايات.
وهذه القراءة لمبادرة "المصير المشترك 2035” التي أُطلقت بوصفها مشروعًا لحوار عربي أوروبي جديد وشراكة متوسطية بين قوى وشخصيات تصف نفسها بالديمقراطية والليبرالية، لا تنطلق من موقف عدائي تجاه فكرة الحوار بين الشعوب، ولا من رفض مسبق للأسماء المشاركة فيها، فالحوار بين الحضارات، والتعاون بين ضفتي المتوسط، وتعزيز قيم السلام والتنمية، كلها أهداف نبيلة لا يمكن الاعتراض عليها من حيث المبدأ.
لكن احترام الأهداف المعلنة لا يعفي أي مشروع سياسي من النقد والمراجعة، بل إن المبادرات التي تطرح نفسها باعتبارها تصورات لمستقبل المنطقة تصبح أكثر احتياجًا للفحص العلمي والتحليل الموضوعي؛ لأن السياسة لا تُبنى على النوايا الحسنة وحدها، وإنما على تشخيص دقيق للأزمات، وفهم لموازين القوى، وقدرة حقيقية على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التأثير.
وكان بيان المبادرة قد دعا إلى تدشين مسار "المصير المشترك 2035" من العاصمة الفرنسية باريس، لبلورة أفق متوسطي جديد يمتد على مدار العقد المقبل، بهدف تطوير العلاقات العربية الأوروبية ونقلها من الأطر الحكومية التقليدية إلى آفاق أوسع من الدبلوماسية الشعبية والشراكة المدنية، كما شملت محاور المبادرة  إنشاء منتدى سنوي دائم للحوار الديمقراطي العربي الأوروبي، وإطلاق برنامج موسع لدعم ريادة أعمال الشباب في دول الجنوب كبديل تنموي للهجرة غير النظامية، فضلًا عن تأسيس مرصد أوروبي متوسطي مستقل لتوثيق أوضاع الحريات وسيادة القانون، وإطلاق برامج تعاون ثقافي وأكاديمي لمواجهة الصور النمطية وخطاب الكراهية.
كما شدد الموقعون على أن السلام العادل القائم على احترام القانون الدولي ومبادئ الشرعية يمثل مصلحة مشتركة، معلنين دعمهم الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في الحرية والكرامة وتقرير المصير، وسيادة لبنان ووحدته ومؤسساته الوطنية، إلى جانب المطالبة بوقف الحرب المدمرة في السودان والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، واستكمال مسار سياسي شامل يضمن استقرار سوريا ووحدة أراضيها وبناء نظام ديمقراطي يصون الحقوق والحريات.
ولهذا فإن السؤال الأول الذي يجب أن يسبق النظر إلى مبادرة "المصير المشترك 2035" هو: هل توجد بالفعل فجوة في العلاقات العربية الأوروبية تستدعي إنشاء مسار جديد للحوار؟ وهل تعاني هذه العلاقات من غياب التواصل حتى نحتاج إلى منصة إضافية، أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في اختلاف المصالح والسياسات والمواقف، لا في غياب قنوات الاتصال؟
إن أي تقييم موضوعي للعلاقات العربية الأوروبية يكشف أن هذه العلاقة ليست أرضًا بكرًا تنتظر من يكتشفها، وليست مجالًا مغلقًا يحتاج إلى فتح أبوابه، فهناك علاقات دبلوماسية راسخة بين الدول العربية والدول الأوروبية، واتفاقيات شراكة اقتصادية وسياسية، وحوارات مؤسسية مستمرة، وبرامج للتعاون الثقافي والأكاديمي والأمني، وتعاون بين منظمات العمل المدني غير الحكومية، بالإضافة إلى أطر متعددة تجمع أوروبا بدول جنوب المتوسط.
فالعالم العربي لا يعاني نقصًا في المؤتمرات والمنتديات وموائد الحوار مع أوروبا، والعلاقات العربية الأوروبية ستظل مهمة بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، لكن تطوير هذه العلاقات لا يكون فقط بإطلاق مبادرات جديدة، وإنما بإنتاج رؤية واقعية تعالج القضايا الجوهرية التي تعيق الشراكة المتوازنة بين الطرفين، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب الحوار، بل غياب القدرة على تحويل الحوار إلى سياسات تحقق نتائج ملموسة.
وهنا تظهر أول إشكالية جوهرية في المبادرة: هل تقدم إطارًا تنفيذيًا جديدًا يعالج قصورًا محددًا في هذه العلاقات؟ أم أنها تعيد إنتاج عناوين مطروحة منذ عقود تحت مسميات مختلفة؟ فالتجديد في السياسة لا يكون بابتكار اسم جديد لمسار قائم، وإنما بتقديم تشخيص مختلف للمشكلة، وآليات جديدة للحل، وقدرة حقيقية على التأثير.
إن النقد هنا لا يتعلق بحسن نوايا أصحاب المبادرة، ولا بحقهم الكامل في الاجتماع والتعبير عن رؤيتهم، وإنما يتعلق بالسؤال الأهم في علم السياسة: هل المبادرة ضرورة موضوعية فرضتها ظروف الواقع، أم أنها محاولة لصناعة إطار سياسي جديد دون وجود حاجة ملحة تبرر نشأته؟
وإذا تجاوزنا سؤال الحاجة إلى المبادرة، يظهر سؤال آخر لا يقل أهمية: من الذي يملك حق التحدث باسم "القوى الديمقراطية العربية"؟ فالديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد توصيف يختاره الإنسان لنفسه، وإنما هي منظومة من الممارسة السياسية والقبول الشعبي، ولا خلاف على حق أي مجموعة من السياسيين والمثقفين والناشطين في الاجتماع وصياغة رؤى مشتركة، لكن الإشكال يبدأ عندما يتم تقديم هذه المجموعة باعتبارها ممثلًا لتيار ديمقراطي عربي واسع دون وجود تفويض انتخابي أو إطار مؤسسي جامع يمنحها هذه الصفة، فالعالم العربي، بكل تعقيداته السياسية والفكرية والاجتماعية، لا يمكن اختزاله في مجموعة من الأسماء مهما كانت مكانتها أو تاريخها.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تمثل هذه المبادرة تيارًا عربيًا ديمقراطيًا واسعًا، أم أنها تعبر عن تحالف سياسي وفكري محدود يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره الممثل الأوسع لهذا التيار؟
أحد أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها أيضا، هو التركيبة الفكرية والسياسية غير المتجانسة للموقعين على المبادرة، حيث ضمت قائمة الموقعين على البيان المشترك – على سبيل المثال لا الحصر – رموز سياسية وحقوقية وثقافية وغيرها من مختلف الدول العربية، من بينهم الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، والمنسق العام للتحرك الدكتور أيمن نور، ونائبة رئيس حزب الأمة القومي ووزيرة خارجية السودان السابقة مريم الصادق المهدي، ونائب رئيس العراق الأسبق طارق الهاشمي، وتوكل كرمان الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، والسياسي والأكاديمي المصري حسام بدراوي، والأديب والمفكر عمار علي حسن، والكاتب قطب العربي، ورئيس حزب الخضر المصري محمد عوض، ورفيق عبد السلام وزير خارجية تونس الأسبق،إلى جانب رئيس الحكومة السورية المؤقتة الأسبق أحمد طعمه، والأمين العام للمؤتمر الدائم للفدرالية في لبنان ألفرد الرياشي، ووزير الإعلام المصري الأسبق صلاح عبد المقصود، بالإضافة إلى وزراء سابقين وأكاديميين وممثلين عن قوى وأحزاب ليبرالية وديمقراطية من تونس ومصر وليبيا والجزائر والأردن. 
ومن النقاط التي تستحق وقفة تحليلية خاصة، التصريح الذي أدلى به الدكتور أيمن نور في حواره الأخير حول المبادرة، والذي أكد فيه أن "المصير المشترك 2035" لا تحمل أي أيديولوجية محددة، وأنها منصة مفتوحة تضم اتجاهات متعددة يجمعها الإيمان بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ومن الناحية النظرية، قد يبدو هذا الطرح متسقًا مع فكرة التعددية السياسية والانفتاح على مختلف التيارات، غير أنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا فكريًا وسياسيًا مشروعًا: كيف يمكن الحديث عن غياب أي هوية أيديولوجية للمبادرة، في حين تضم بين موقعيها شخصيات تنتمي أو ارتبطت تاريخيًا بتيارات ذات مرجعيات أيديولوجية واضحة، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المحظور!
فقد تثير مشاركة بعض الشخصيات المنضمة لهذه المبادرة أسئلة مشروعة مرتبطة بتاريخها وتجاربها السياسية السابقة، ومن بين هذه الشخصيات وزير الإعلام المصري الأسبق في فترة حكم الإخوان لمصر صلاح عبد المقصود، الذي ارتبط اسمه خلال فترة توليه المنصب بعدد من المواقف والتصريحات المثيرة للجدل في المجال العام، فمن يشارك في مبادرة تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا للديمقراطية والارتقاء بالمجال العام، يصبح تاريخه السياسي وأداؤه السابق جزءًا مشروعًا من النقاش والتقييم.
فكيف يمكن تصنيف الواقعة المثيرة من قبل وزير الإعلام المصري الأسبق صلاح عبد المقصود، الذي كان يتحدث عن حرية الصحافة والإعلام في المؤتمر الدولي الأول لإعلام الأزهر، والذي أقيم في فترة حكم الإخوان، عندما سألته صحافية مصرية مقاطعة: "هي فين حرية الإعلام دي؟"، فما كان منه إلا أنه أجابها ساخرًا: "ابقي تعالي أقولك فين"، ثم خاطب وزير الإعلام بعض الحاضرين بقوله: "ابقوا قولوا لها فين حرية الصحافة".
الرد الذي يحمل تلميحًا جنسيًا واضحًا في اللهجة العامية المصرية أصاب المتابعين بغضب شديد، وهو ما اعتبروه تحرشًا لفظيًا من قبل الوزير، أعاد للأذهان وقتها واقعته قبل أشهر مع المذيعة السورية، زينة يازجي، حينما قال لها في مقابلة تلفزيونية: "بس الأسئلة متكنش ساخنة زيك". ولكن المذيعة تجاهلت تعليقه، واستمرت في الحوار وكأن شيئًا لم يكن.
وقتها شنّ عدد كبير من النشطاء هجوما حادًا على وزير الإعلام المصري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين بإقالته بسبب رده على الصحافية، وتداول النشطاء العديد من التغريدات الغاضبة من الوزير، والتي كان من بينها تغريدة للأديب علاء الأسواني، قال فيها: "السخرية البذيئة التي وجهها وزير الإعلام إلى صحافية وتلميحاته الخارجة من قبل مع مذيعة، تدل على أنه لا يعرف الفرق بين كلام المسؤول وكلام الحواري"، كما أشار وقتها الخبير الإعلامي، ياسر عبدالعزيز، أنه لا يمكن النظر إلى سلوك عبدالمقصود وكذلك قيادات الإخوان بمعزل عن الخواء السياسي والثقافي للطبقة الحاكمة الجديدة، معتبرا أن الشعارات الأخلاقية والروحية لدى تيار الإسلام السياسي يتم استخدامها فقط للتغرير بالبسطاء وحصد المكاسب السياسية.
ثم أتحدث أيضا عن رفيق عبد السلام، الذي صعد سياسيا عام 2011م، مع راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية الإخوانية، وهو زوج ابنته أيضا، وكان بمثابة حامل أختام التمويلات المشوهة للإخوان، ويعتبر رفيق عبد السلام الصندوق الأسود في مملكة "المال والإرهاب" بتونس، وهو عضو مكتب النهضة السياسي، ووزير خارجية تونس في حكومة الترويكا الأولى من 2012 إلى 2014م، وهو  يمثل أحد أكثر كوادر التنظيم الإخواني نفوذا، وذراعه التي تحرك علاقاته الخارجية وتشرف على تحصيل تمويلاته المشبوهة، عبر شبكة علاقات خارجية في بريطانيا وتركيا ودول أوربية، ويقيم حاليا متنقلا بين لندن وإسطنبول.
وأوضحت بعض المصادر المنشورة، أن رفيق عبد السلام كان المشرف على دخول تمويلات فاسدة ضخمة لإمداد جماعات الإسلام السياسي، وتوسيع حضورها خارج تونس قبل سقوط نظام زين العابدين بن علي، ثمّ أشرف على بسط هيمنتها حين تولّى حقيبة الخارجية في حكومة حمادي الجبالي، وكان له دور مؤثر في تشبيك العلاقات وبناء النفوذ عبر التسرب إلى المجالس المتشدّدة والدوائر السياسية المعتمة التي تنشط ضمن لوبيات دولية مجهولة الموارد، انتهت به إلى موقع بارز صلب في التنظيم الإخواني بتونس. 
ولا يمكن تجاهل الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، والذي رغم كونه يُصنف سياسيًا كقومي ديمقراطي ومدافع عن حقوق الإنسان، ويتبنى توجهًا ليبراليًا ديمقراطيًا وليس إسلاميًا، لكنه على الرغم من اختلاف أيديولوجيته عنهم، فقد تقاطع مساره السياسي بشكل وثيق مع حركة النهضة (فرع الإخوان في تونس) منذ ما بعد الثورة، حيث شغل منصب رئيس الجمهورية (2011-2014م) في إطار "الترويكا" التي قادتها الحركة، وهو حاليا بحافظ على تحالفه مع الإسلاميين في جبهة الخلاص الوطني المعارضة، مما جعله في نظر خصومه السياسيين داعمًا وواجهة للحركة.
وهنا تبرز إشكالية فكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد الإعلان أن المبادرة لا تنتمي إلى أيديولوجية محددة، فكيف يمكن لبعض الشخصيات، التي تُعرف بانتمائها أو ارتباطها السياسي والفكري بتنظيم أو تيارات تدور في فلكه، أن تكون جزءًا من مبادرة تُعلن أن مرجعيتها هي السلام العادل القائم على احترام القانون الدولي، والدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ودعم سيادة الدولة اللبنانية، والسعي إلى إنهاء الحرب في السودان، دون أن يكون لهذا الانتماء أو هذا الإرث الفكري أي تأثير على صياغة المواقف والرؤى؟
إن السؤال هنا ليس عن حق هذه الشخصيات في المشاركة، فهذا حق سياسي وفكري يمكن النقاش حوله في أي فضاء عام، وإنما يتعلق بطبيعة العمل السياسي ذاته؛ فالأيديولوجيا ليست معطفًا يمكن خلعه عند الدخول إلى قاعة اجتماع، ثم ارتداؤه عند الخروج منها. إنها منظومة من التصورات والقيم والأولويات التي تؤثر، بدرجات مختلفة، في طريقة فهم القضايا الكبرى وتحديد المواقف منها.
ومن هنا يبرز تساؤل جوهري جديد: هل يمكن لأي إطار سياسي يضم عناصر تنتمي إلى تيار أيديولوجي واضح، أو تتحالف معه، أن يزعم أنه منفصل تمامًا عن تأثير هذا التيار؟ وهل يمكن لأي مشروع سياسي يشارك فيه أفراد من خلفيات أيديولوجية متباينة أن يتجاوز هذه الاختلافات دون إعلان صريح عن المرجعية المشتركة والحدود الفاصلة بين ما هو محل اتفاق وما يبقى مجالًا للخلاف؟
إن نجاح أي تحالف سياسي واسع لا يتحقق بمجرد جمع أسماء مختلفة تحت عنوان كبير، وإنما بالشفافية الفكرية؛ أي أن يعرف الرأي العام ما الذي يجمع هذه الأطراف، وما هي القضايا التي تمثل أرضية مشتركة، وما إذا كانت هناك مراجعات حقيقية للمواقف السابقة تسمح بإنشاء مشروع جديد بالفعل، لا مجرد تجمع مؤقت تحت عناوين عامة.
وأعود هنا إلى إشكالية أخرى لا تقل أهمية، أثيرت خلال الحوار الذي أجراه الدكتور أيمن نور حول المبادرة في قناة بي بي سي، حين طُرح عليه سؤال منطقي: لماذا تنطلق مبادرة تحمل عنوان "المصير المشترك 2035"، وتُقدم نفسها باعتبارها صوتًا لقوى وشخصيات ديمقراطية عربية، من العاصمة الفرنسية باريس وليس من إحدى العواصم العربية؟
جاءت الإجابة بأن الأفكار لا ترتبط بموقع جغرافي، وأن القيمة الحقيقية لأي فكرة لا تتحدد بالمكان الذي تُولد فيه، ومن الناحية الفلسفية المجردة، لا خلاف على صحة هذه المقولة؛ فالأفكار قد تولد في أي مكان، غير أن السياسة لا تُدار بالفلسفة المجردة وحدها، وإنما أيضًا بالرموز، والدلالات، والرسائل التي تحملها الاختيارات.
فحين تختار مجموعة من الشخصيات العربية إطلاق مبادرة تتناول مستقبل المنطقة العربية، والديمقراطية فيها، والعلاقة مع أوروبا، من عاصمة أوروبية وتحت رعاية أو في إطار مؤسسات سياسية أوروبية، فإن السؤال المشروع لا يتعلق بجغرافيا المكان، وإنما بالرسالة السياسية التي يبعث بها هذا الاختيار.
كان الأولى، من الناحية الرمزية والسياسية، أن تُطلق مبادرة بهذا العنوان من عاصمة عربية، لتعلن أن العرب قادرون على إنتاج رؤاهم السياسية من داخل فضائهم الحضاري، وأن الحوار مع أوروبا ينبغي أن يكون حوارًا بين شريكين متكافئين، لا أن يبدأ دائمًا من إحدى الساحات الغربية التي تُمنح فيها المبادرات العربية شرعيتها أو زخمها الإعلامي.
إن الإشكالية هنا أعمق من مجرد اختيار باريس؛ فهي ترتبط بظاهرة تكررت في العقود الأخيرة، وهي انتقال جزء من النخب السياسية العربية إلى العواصم الغربية لتداول القضايا العربية الكبرى، وكأن المنطقة التي يُراد إصلاحها لم تعد تمتلك القدرة أو الثقة في أن تكون ساحة إنتاج أفكارها ومشروعاتها.
ولا يعني ذلك رفض التواصل مع أوروبا أو التقليل من أهمية الحوار مع المؤسسات الأوروبية، فالعلاقات العربية الأوروبية ضرورة تاريخية بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة، لكن الفرق كبير بين أن يذهب العرب إلى أوروبا شركاء يحملون مشروعًا نشأ من واقعهم وبيئتهم، وبين أن تتحول العواصم الغربية إلى المنصة الطبيعية التي تُعلن منها المشروعات التي تدّعي الحديث باسم العالم العربي.
ولذلك يبقى السؤال قائمًا: إذا كانت المبادرة تسعى إلى بناء مستقبل عربي أوروبي أكثر توازنًا، فلماذا لم تبدأ أولى رسائل هذا التوازن من اختيار المكان الذي تنطلق منه؟ ولماذا لم تحمل إحدى العواصم العربية حدث الإعلان عن مشروع يُفترض أنه يعبر عن آمال الشعوب العربية وتطلعاتها؟ 
وربما تكون الإجابة الحقيقية على هذا السؤال، كاشفةً لواحدة من أهم الإشكاليات التي تواجهها المبادرة، فاختيار المكان ليس مجرد تفصيل تنظيمي، بل يحمل دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها، ودون الخوض في الأسباب المعروفة التي جعلت العديد من العواصم العربية لا تكون حاضنة طبيعية لهذه الأسماء والتوجهات، فإن السؤال يظل قائمًا: هل كان اللجوء إلى الساحة الأوروبية اختيارًا حرًا أم نتيجة لغياب القبول العربي الرسمي بهذه التركيبة السياسية؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن إطلاق المبادرة من أوروبا قد يُقرأ سياسيًا باعتباره محاولة للبحث عن شرعية أو دعم خارجي يمكن من خلاله ممارسة نوع من الضغط المعنوي والسياسي على الأنظمة العربية من أجل التعامل مع المبادرة والاعتراف بها كشريك في الحوار حول قضايا المنطقة.
وهنا يصبح منطقيا أن المبادرة التي تعلن أنها تسعى إلى بناء شراكة متوازنة بين ضفتي المتوسط، كان الأولى بها أن تنطلق من أرضها الطبيعية داخل العالم العربي، وأن تنجح أولًا في بناء مساحة من القبول والتفاعل مع المجتمعات والمؤسسات العربية التي تدّعي الحديث عن مستقبلها، فأي مشروع سياسي يسعى إلى التأثير في الواقع العربي لا يمكن أن يتجاوز سؤال الشرعية والقدرة على العمل داخل المجال العربي نفسه، لأن الاعتراف الخارجي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يكون بديلًا عن القبول الداخلي، ولا يمكن لعاصمة أوروبية أن تمنح مبادرة ما الوزن السياسي الذي لم تستطع اكتسابه داخل بيئتها الأصلية.
أما الإشكالية الثانية التي كشفت عنها المقابلة الإعلامية، فتتعلق بسؤال التمويل؛ وهو سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الفكرة نفسها، لأن أي مشروع سياسي أو مدني لا يُقاس فقط بسلامة أهدافه، وإنما أيضًا بوضوح آليات تنفيذه واستدامته.
فعندما سألت مذيعة بي بي سي نسمة السعيد، مقدمة برنامج "بتوقيت مصر" الدكتور أيمن نور عن مصادر تمويل مبادرة "المصير المشترك 2035"، جاءت الإجابة بأن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى تمويل، وأن المشاركين يتحملون نفقات السفر والإقامة في اللقاءات الأولية، وأن مسألة التمويل سيتم بحثها لاحقًا عندما تتحول المبادرة إلى مشروعات وبرامج عملية.
ورغم أن هذا التفسير قد يكون مقبولًا في مرحلة التأسيس الأولى، فإنه يفتح الباب أمام استفسارات أكثر جوهرية لا يمكن تجاوزها، لأن الانتقال من مرحلة البيانات واللقاءات الفكرية إلى مرحلة تنفيذ مشروعات عابرة للحدود يحتاج إلى موارد مالية ضخمة، وإلى جهات مانحة، وإلى مؤسسات تتولى الإدارة والرقابة والتقييم.
وهنا يبرز الإشكال: من سيمول هذه المشروعات؟ هل ستكون الدول العربية المعنية بهذه الشراكة هي المصدر الطبيعي أو المشارك للدول الأوروبية في التمويل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تصور تعاون مالي ومؤسسي من حكومات يوجه إليها عدد من المشاركين في المبادرة انتقادات حادة تتعلق بطبيعة أنظمتها السياسية وأدائها في ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان؟
أم أن التمويل سيأتي من مؤسسات أو دول أوروبية رسمية أو غير رسمية؟ وإذا كان هذا هو الاحتمال المطروح، فإن الأمر يثير سؤالًا آخر لا يتعلق باتهام مسبق، وإنما بمبدأ معروف في العلاقات الدولية، وهو أن أي جهة ممولة لمشروع كبير تمتلك بطبيعة الحال قدرة على التأثير في أولوياته ومعاييره وآليات عمله، وهو ما يفرض تهديدًا للشفافية الكاملة بشأن مصادر التمويل وشروطه وحدود تأثيره.
وحتى إذا تجاوزنا سؤال التمويل، فإننا نصطدم بسؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمكان تنفيذ هذه المشروعات. فأي برامج تتعلق بالشباب، أو الثقافة، أو التعليم، أو دعم المجتمع المدني، أو مراقبة الحريات، لا يمكن أن تتحول إلى واقع في الفراغ، بل تحتاج إلى العمل داخل دول ذات سيادة، ووفق قوانينها، وبالتنسيق مع مؤسساتها الرسمية أو المدنية، وهنا تظهر مفارقة سياسية واضحة: فكيف يمكن لمبادرة يشارك فيها أشخاص يتخذ بعضهم مواقف معارضة حادة تجاه عدد من الحكومات العربية، بل ومطلوبين للعدالة في أحكام قضائية واجبة التنفيذ، أن تحصل في الوقت ذاته على موافقة هذه الحكومات لتطبيق مشروعاتها داخل أراضيها؟ وهل توجد بالفعل قنوات تواصل واتفاقات تسمح بهذا التعاون، أم أن الأمر ما زال مجرد تصور نظري لم تُدرس شروط تحققه؟
إن قوة أي مبادرة لا تُقاس بعلو سقف شعاراتها أو اتساع طموحاتها، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال بسيط ولكنه حاسم: كيف ستنتقل من الورق إلى الواقع؟
وإذا كان من الطبيعي أن نجد في هذه المبادرة أسماءً اتخذت عبر تاريخها السياسي مواقف متسقة مع توجهاتها الأيديولوجية المعروفة، فإن المفارقة الحقيقية تتمثل في وجود الدكتور حسام بدراوي ضمن هذا المشهد، فالرجل قدم نفسه لسنوات باعتباره صوتًا للإصلاح المدني والعقلانية، والداعي إلى بناء دولة حديثة تقوم على العلم والمؤسسات، وتعزيز العقلانية السياسية، لكن وجوده في هذا المشهد يدفع لإيجاد تفسير واجب، عن أين تقف حدود التوافق لدى السياسي البارز والعالم المهم الدكتور حسام بدراوي،  وهذا السؤال  لا يوجه إلى شخصه بقدر ما يوجه إلى الاختيار السياسي نفسه، ما الذي يجمع مشروعًا مدنيًا إصلاحيًا مع شخصيات بعضها مُدان ارتبطت بتجارب سياسية وفكرية مختلفة بل ومتناقضة في كثير من الأحيان مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة؟
وهل الهدف هو خلق مساحة حوار مع الجميع؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهو أمر مفهوم ومقبول في إطار الحوار الفكري، أما إذا كان الهدف هو تشكيل مظلة سياسية واحدة تحت عنوان الديمقراطية، فإن الأمر يستوجب نقاشًا أعمق حول الحدود الفاصلة بين التسامح السياسي وبين تمييع الفوارق الفكرية، فالشخصيات ذات الرصيد الفكري والعلمي تتحمل مسؤولية أكبر من غيرها؛ ويُنتظر منها دائما قدر أعلى من التدقيق في طبيعة التحالفات التي يختار أن يمنحها اسمه ورصيده الفكري، لأنها تضفي بوجودها شرعية معنوية على أي مشروع تشارك فيه، ولذلك يصبح من حق الرأي العام أن يسألها عن الأسس التي قامت عليها هذه الشراكة.
فالخلاف هنا ليس حول مبدأ الحوار مع المختلفين؛ فالديمقراطية لا تقوم إلا بالحوار، ولا يمكن أن تُبنى المجتمعات الحديثة بمنطق الإقصاء، ولكن الحوار شيء، والوقوف تحت مظلة سياسية واحدة تحمل مشروعًا مشتركًا مع تيارات وتنظيمات دخلت في صراعات عميقة مع الدولة المصرية وعدد من الدول العربية شيء آخر تمامًا.
لقد بدا ظهور الدكتور حسام بدراوي في الحوار الذي جمعه بالدكتور أيمن نور والرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي على قناة بي بي سي محطة تستحق التأمل، خاصة في برنامج يحمل إسم مصر "بتوقيت مصر"، فقد طُرحت خلال الحوار توصيفات سياسية بالغة الحساسية تتعلق بأحداث الثلاثين من يونيو وما أعقبها، ووُصف عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي بأنه "انقلاب"، وهو توصيف يمثل محل خلاف سياسي وتاريخي عميق في مصر والعالم العربي، في برنامج ذائع الصيت يحمل إسم مصر ومن محطة هامة، وكان المنتظر من شخصية بحجم الدكتور حسام بدراوي، بما يمتلكه من خبرة سياسية ومعرفة دقيقة بتاريخ الدولة المصرية المعاصر، أن يقدم على الأقل رؤيته الخاصة أو أن يوضح موقفه من هذا التوصيف، حتى لا يُفهم الصمت على أنه قبول ضمني أو موافقة على رواية سياسية تتعارض مع قناعات قطاعات واسعة من المصريين.
إن قيمة المثقف والسياسي لا تُقاس فقط بما يقوله، بل أيضًا بالمكان الذي يختار أن يقف فيه، وبالأسماء التي يجاورها، وبالرسائل التي يبعث بها حضوره، فالرموز الفكرية لا تمنح فقط خبرتها للمشروعات التي تنضم إليها، بل تمنحها أيضًا قدرًا من الشرعية المعنوية والثقة العامة.
ومن هنا يجب التأكيد على أنه لا اعتراض على حق الدكتور حسام بدراوي في التواصل مع أي طرف سياسي، وإنما هو تساؤل صادق حول حدود هذا التواصل، وهل يجوز أن تذوب الفوارق الجوهرية بين مشروع الدولة المدنية الوطنية وبين تيارات لا تزال محل خلاف واسع بسبب تجاربها ومواقفها السياسية؟ وهل يمكن لمجرد الاتفاق على عناوين عامة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والشراكة والحوار والمصير المشترك، أن يتم تجاوز تناقضات عميقة حول مفهوم الدولة والهوية ومسار المجتمعات العربية؟ فبعض اللحظات السياسية لا تُقرأ بما يقال فيها فقط، بل بما يرمز إليه اجتماع الأشخاص على منصة واحدة، وبالرسائل التي تصل إلى الرأي العام من هذا الاجتماع.
ويبقى احتمال آخر يفرض نفسه في التحليل السياسي، وهو أن تتحول العقبات المتوقعة مع الحكومات العربية في عدم التعاون مع أشخاص المبادرة، إلى جزء من الخطاب السياسي للمبادرة، بحيث يصبح عدم تعاون تلك الحكومات دليلًا يُستخدم لإثبات الاتهامات المسبقة الموجهة إليها، ولذلك كان من الضروري منذ البداية توضيح طبيعة العلاقة مع الدول المستهدفة، وحدود التعاون الممكن معها، حتى لا تتحول المبادرة من مشروع يسعى إلى بناء جسور إلى منصة جديدة لإعادة إنتاج حالة الصدام السياسي القائمة.
وأخيرًا.. إذا كانت المبادرة تدعو إلى بناء شراكة وتعاون، وتأسيس آلية أوروبية متوسطية مستقلة لتوثيق أوضاع الحريات وسيادة القانون، ودولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون، فإن من حق الرأي العام أن يتساءل: هل أجرت كل التيارات المشاركة مراجعات فكرية واضحة تجاه مواقفها السابقة من قضايا الدولة الوطنية والعلاقة بين الدين والسياسة وحقوق الأقليات والمرأة والحريات الفردية؟ أم أن مجرد الاتفاق على عنوان سياسي عام أصبح كافيًا لتجاوز خلافات فكرية عميقة لم تُحسم بعد؟
وبعيدًا عن الشخصنة أو الاتهامات غير الموثقة، فإن أي مبادرة ترفع راية الديمقراطية وحقوق الإنسان والارتقاء بالخطاب العام، يجب أن تقبل بطبيعة الحال تساؤلات الرأي العام حول مدى انسجام سجل وتجارب المشاركين فيها مع هذه المبادئ، فالمصداقية في العمل العام لا تُبنى فقط على الشعارات والوثائق، وإنما أيضًا على التجارب السابقة، وطريقة إدارة المسؤولية عندما كانت متاحة.
وفي النهاية، حقيقة "المصير المشترك 2035" مرهونة بما ستكشفه الأيام القادمة؛ هل نحن أمام مشروع سياسي حقيقي، أم مجرد حجر يُلقى في مياه هادئة لإحداث دوائر من الجدل السياسي، تخفي وراءها أهدافًا وحسابات أخرى ستتكشف ملامحها مع مرور الوقت؟
ومن حق المتابع لهذه المبادرة أن يتوقف أمام تركيبتها، وأهدافها، وأسئلة التمويل، وشرعية تمثيلها، والتناقضات الفكرية بين أطرافها، وربما يكون أكثر ما يبعث على الأسف أن بعض الشخصيات التي ارتبطت في الوعي العام بمسار إصلاحي ومدني وعقلاني، قد تكون قد منحت توقيعها ودعمها لمشروع لم تُحسب كل أبعاده السياسية والرمزية بالقدر الكافي.
فالتاريخ السياسي لا يحاسب المبادرات على ما تعلنه من شعارات، بل على ما تحققه من نتائج، وعلى طبيعة القوى التي تقف خلفها، والغايات التي تنتهي إليها.