أخبار عاجلة

الأم ترفض «معاوية».. والبنت ترفض «يزيد»

الأم ترفض «معاوية».. والبنت ترفض «يزيد»
الأم ترفض «معاوية».. والبنت ترفض «يزيد»

وصل القاضى الجليل أبوالدرداء «عويمر بن زيد بن قيس» إلى دمشق، لم يكن الرجل من الصنف الذى يسكن الأبراج العاجية، بل من المندمجين مع الناس، ومن المؤمنين أن التوعية خير سبيل لاستتباب الأمور داخل المجتمعات، وأن وعى الفرد يمثل الأداة الأهم التى تحول بينه وبين الوقوع فى براثن الجريمة والخصومة، وإرهاق القضاء بالقضايا التى يحكم فيها بين الناس.

فى هذا السياق مثّلت التوعية أولى الخطوات التى خطاها «أبوالدرداء» مع أهل دمشق، فقد توجه إليهم بالنصح قائلًا: «يا أهل دمشق أنتم الإخوان فى الدين، والجيران فى الدار، والأنصار على الأعداء، ما يمنعكم من مودتى، وإنما مؤنتى على غيركم؟ مالى أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون؟ وأراكم قد أقبلتم على ما تُكُفّل لكم به وتركتم ما أمرتم به؟. إلا إن قومًا بنوا شديدًا وجمعوا كثيرًا وأملوا بعيدًا فأصبح بنيانهم قبورًا وأملهم غرورًا وجمعهم بورًا».

كان الناس ينظرون إلى «أبى الدرداء» بانبهار، القاضى المهيب صاحب العلم وحامل القرآن، والأهم من كل ذلك صاحب رسول الله، فيلتفت ويقول لمن ينظر إليه كذلك: «يا أخى لا تغترن بصحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنا عشنا بعده دهرًا طويلًا، والله أعلم بالذى أصبنا بعده». اعتمد «أبوالدرداء» على معيار وحيد فى تقييم البشر، يتمثل فى درجة التمسك بأخلاقيات الإسلام وقيمه وتعاليمه، ولا يهم بعد ذلك موضع الإنسان أو موقعه.

لقد حدث يومًا أن جاءه «يزيد بن معاوية»، وهو حينها نجل والى الشام «معاوية بن أبى سفيان»، جاءه يخطب منه ابنته، فرده «أبوالدرداء»، ورفض أن يزوجها من ابن حاكم الشام، رفض بشكل حاسم وقاطع ودون أدنى تردد، وكانت فتاته معروفة بحُسنها وجمالها الذى ورثته عن أمها «أم الدرداء». غضب «يزيد» من رد فعل أبى الدرداء، لكن لم يكن بيده شىء، وقد فوجئ ذات يوم برجل عادى- من عوام المسلمين- يأتيه ويستأذنه فى أن يتقدم لخطبة الفتاة، التى سبق وخطبها ابن الأمير ورُفض، فزجره «يزيد» وقال له: ويلك ابتعد عنى، فقال له: ائذن لى أصلحك الله، فتقدم الرجل لخطبة ابنة «أبى الدرداء»، فوافق الأخير عليه، وأنكحها له! يقول «ابن الجوزى» صاحب كتاب «صفة الصفوة»: «فسار ذلك فى الناس أن يزيد خطب إلى أبى الدرداء فرده وخطب إليه رجل من ضعفاء المسلمين فأنكحه، فقال أبوالدرداء: إنى نظرت للدرداء، فما ظنكم بالدرداء إذا قامت على رأسها الخصيان ونظرت فى بيوت يلتمع فيها بصرها أين دينها منها يومئذ؟». 

دين المرء مثّل-من وجهة نظر «أبى الدرداء»- العامل الفاصل فى تقييم الناس من حوله، وقد كان يؤثر دائمًا البيئة التى تساعد الإنسان على الوفاء بواجبات دينه، وتحصّنه من الاستغراق فى متع الدنيا ولهوها وزخرفها، اعتمد الرجل على نصح من حوله بالرفق واللين، وكان يعلم طبائع الناس جيدًا، ويقول فى ذلك: «إذا ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك. وما تجرع مؤمن جرعة أحب إلى الله عز وجل من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله»، ويقول أيضًا: «ذروة الإيمان الرضا بالحكم، والرضا بالقدر، الإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب عز وجل».

عام ٣٢ هجرية شعر «أبوالدرداء» بتوعك صحته، كان العمر قد مضى به، وتضعضعت صحته، وأصبح يلازم البيت راقدًا على فراشه، كان الناس يدخلون عليه وينظرون إليه بحنان، فينظر إليهم ثم إلى نفسه ويقول: «مَن يعمل لمثل يومى هذا؟ مَن يعمل لمثل ساعتى هذه؟ مَن يعمل لمثل مضجعى هذا؟». فى يوم من أيامه الأخيرة نظرت إليه زوجته «أم الدرداء» بحب، ثم مدت يدها إلى السماء ودعت: «اللهم إن أبا الدرداء خطبنى فتزوجنى فى الدنيا، اللهم فأنا أخطبه إليك، فأسألك أن تزوجنيه فى الجنة»، سمعها أبوالدرداء فقال لها: «فإن أردت ذلك فلا تتزوجى بعدى». نظرت إليه «أم الدرداء» ثانية وقالت له بأسى: «إن احتجت بعدك أآكل الصدقة؟ قال: لا.. اعملى وكلى، قالت: فإن ضعفت عن العمل. قال: التقطى السنبل ولا تأكلى الصدقة». إنه الحب المنزه وعزة النفس والعديد من المعانى الأخرى الجليلة التى جمعت بين أبى الدرداء وأم الدرداء فى الدنيا.

فى نفس العام- ٣٢ هجرية- مات الصحابى الجليل «أبوالدرداء» فى خلافة عثمان بن عفان، رضى الله عنه، وقد وقع حدث مثير لـ«أم الدرداء» بعد وفاة زوجها، إذ فوجئت فى يوم بمعاوية بن أبى سفيان، وكان حينها واليًا على الشام، يتقدم لخطبتها، كانت السيدة الجليلة ذات حُسن وجمال، وأدب وعلم، وخصال أخرى عديدة أهّلتها لأن تصبح سيدة الشام الأولى، لكن المرأة التى أخلصت لزوجها طيلة حياته، واختارته زوجًا لها فى الجنة، حين تلقى وجه ربها، أبت ورفضت «معاوية» وقالت له: «لا والله لا أتزوج زوجًا فى الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله عز وجل فى الجنة».

عجبًا لهذه الأسرة التى أسسها «أبوالدرداء»، القاضى الجليل والعالم المهيب، الذى رفض أن يزوج ابنته ليزيد بن معاوية، ورفضت زوجته بعد وفاته «معاوية» حين تقدم للزواج منها.