فى إطار السعى المصرى نحو تعزيز السيادة الاقتصادية والاعتماد على الذات، برز ملف صناعة الوحدات البحرية كأحد المحاور الاستراتيجية الكبرى التى يوليها الرئيس عبدالفتاح السيسى اهتمامًا شخصيًا ومباشرًا. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح فى اللقاءات الدورية للرئيس مع قيادات هيئة قناة السويس، حيث لا تناقش الأمور كإجراءات إدارية روتينية، بل كجزء من ملحمة وطنية تهدف إلى تحويل مصر من دولة مستهلكة للتكنولوجيا البحرية إلى مركز إقليمى وعالمى لتصنيع وصيانة الوحدات البحرية المتطورة.
وعندما يجتمع الرئيس السيسى مع الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، فإن جوهر النقاش يتمحور حول تحقيق الاكتفاء الذاتى وتعظيم العائد من الموارد الوطنية. إن إدراك الرئيس قيمة قناة السويس لا يتوقف عند كونها ممرًا ملاحيًا يُدر العملة الأجنبية، بل يمتد لتكون القناة قاطرة للصناعة.
لقد أكد الرئيس فى توجيهاته المتكررة ضرورة الارتقاء بالترسانات البحرية التابعة للهيئة، لتنتقل من مجرد صيانة السفن العابرة إلى بناء وحدات بحرية معقدة، مثل قاطرات الإنقاذ وكراكات التكريك الضخمة واليخوت السياحية.
هذه التوجيهات تعكس استراتيجية ذكية تهدف إلى تقليل فاتورة الاستيراد، وتوفير العملة التى كانت تنفق على شراء أو استئجار وحدات بحرية من الخارج. وكذلك تحويل المواد الخام والعمالة الوطنية إلى منتجات نهائية عالية الجودة.
وهنا مصر تسعى إلى امتلاك الخبرات الهندسية اللازمة لتصنيع وتطوير الوحدات محليًا، ما يحمى الدولة من تقلبات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
إن توجيهات الرئيس السيسى تستند إلى إيمان عميق بقدرة الإنسان المصرى، فخلال لقاءاته مع قيادة الهيئة، شدد على ضرورة نقل التكنولوجيا العالمية وتدريب الكوادر الوطنية. وقد أثمر هذا الاهتمام عن تطوير ترسانات هيئة قناة السويس لتصبح اليوم قادرة على منافسة الترسانات العالمية فى دقة وجودة التنفيذ.
كما أن تصنيع الكراكات العملاقة محليًا، وهو مشروع كان ينظر إليه سابقًا بصفته تحديًا مستحيلًا، أصبح اليوم واقعًا ملموسًا يضاف إلى سجل إنجازات الهيئة. هذا التحول النوعى لا يخدم فقط قناة السويس، بل يمتد ليخدم مشاريع التنمية فى الموانئ المصرية الأخرى، ويؤسس لقاعدة صناعية يمكنها تصدير الخبرات والمنتجات إلى دول الجوار فى إفريقيا والشرق الأوسط. ولا يمكن فصل الاهتمام بتصنيع الوحدات البحرية عن مفهوم الأمن القومى الشامل، فالدولة التى تمتلك أسطولًا من الوحدات البحرية المصنعة محليًا هى دولة تمتلك زمام أمرها فى تأمين حدودها البحرية ومقدراتها الاقتصادية مثل حقول الغاز فى البحر المتوسط.
والرئيس السيسى يدرك أن قوة الدولة البحرية تبدأ من امتلاك القدرة الصناعية البحرية. ولذلك فإن كل توجيه رئاسى بتطوير حوض بناء سفن أو تحديث ورشة تصنيع هو لبنة فى جدار حماية الأمن القومى المصرى، ما يمنح مصر مرونة استراتيجية فى إدارة أزماتها وتأمين مصالحها الحيوية بعيدًا عن أى ضغوط خارجية.
كما يشدد الرئيس السيسى دائمًا على ضرورة الاستمرارية والجودة العالمية، وعدم الاكتفاء بالنمطية، بل السعى نحو الابتكار فى التصميم بما يتوافق مع المعايير البيئية العالمية الحديثة.
إن التوجه نحو تصنيع سفن صديقة للبيئة هو أحد الملفات التى تحظى باهتمام رئاسى واضح، حيث يطلب من الهيئة دائمًا مواكبة التحولات العالمية فى استخدام الوقود البديل، ما يضمن أن تظل الوحدات البحرية المصرية منافسة فى الأسواق الدولية خلال العقود المقبلة.
كما أن اهتمام الرئيس السيسى بتصنيع الوحدات البحرية خلال لقاءاته مع رئيس هيئة قناة السويس ليس مجرد ملف صناعى، بل هو مشروع نهضة. إنه يعيد إحياء التراث البحرى المصرى الضارب فى القدم، ويضعه فى قالب عصرى يعتمد على العلم، والتكنولوجيا، والإدارة الرشيدة. وبفضل هذه المتابعة الرئاسية الدقيقة، تتحول هيئة قناة السويس من ممر مائى إلى مجمع صناعى تكنولوجى متكامل، يضع مصر بقوة على خريطة الصناعات البحرية العالمية.




