تتواصل في العاصمة الأمريكية واشنطن مفاوضات مباشرة بين وفدي لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، في محاولة لتثبيت الهدنة الهشة على الجبهة الجنوبية للبنان، وسط استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي واتساع رقعة العمليات الميدانية في القرى الحدودية، الأمر الذي يعقّد فرص الوصول إلى اتفاق نهائي بين الجانبين.
ويترأس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم، فيما يقود الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل لايتر، في محادثات توصف بأنها من أكثر الجولات حساسية منذ اندلاع المواجهات الأخيرة على الحدود اللبنانية الجنوبية، في ظل تضارب واضح في الأهداف والشروط السياسية والأمنية لكل طرف.
وقال الدكتور عبد الله نعمة الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن إسرائيل ما تزال تواصل اعتداءاتها اليومية على الجنوب اللبناني رغم الحديث عن هدنة قائمة، موضحًا أن الطيران الإسرائيلي ينفذ بشكل شبه يومي إنذارات بإخلاء بلدات لبنانية، قبل شن غارات متتالية عليها، إلى جانب القصف المستمر لعدد من المناطق الجنوبية ليلًا ونهارًا.
وأشار نعمة في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يحتل عددًا من البلدات المحاذية لما يعرف بـ”المنطقة الصفراء”، بذريعة إقامة حزام أمني ومنطقة منزوعة السلاح، لافتًا إلى أن إسرائيل تعمل على تجريف وتدمير المباني داخل تلك القرى بصورة ممنهجة.
وأوضح أن عدد البلدات التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي لحظة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار بلغ 55 بلدة، إلا أن هذا العدد ارتفع حاليًا إلى 68 بلدة، وفق ما أعلنه رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام قبل أيام، ما يعكس استمرار التوسع العسكري الإسرائيلي رغم المساعي السياسية الجارية.
وأكد نعمة أن القوات الإسرائيلية أصبحت على مشارف مدينة النبطية، إحدى أبرز مدن الجنوب اللبناني، محذرًا من أن أي محاولة للتوغل داخل المدينة قد تشكل تحولًا خطيرًا في مسار الصراع، نظرًا إلى أهميتها الجغرافية والاستراتيجية.
ورأى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول نحو منطقة البقاع والحدود اللبنانية السورية، بما يؤدي إلى فصل مناطق نفوذ “حزب الله” بين الجنوب والبقاع، ووضع المنطقة الممتدة حتى نهر الأولي تحت السيطرة النارية الإسرائيلية، تمهيدًا ربما لمرحلة ثانية قد تشمل توسيع الاحتلال إلى مناطق إضافية من الجنوب اللبناني.
الموقف اللبناني في المفاوضات يركز على تثبيت وقف دائم لإطلاق النار
وبيّن أن الموقف اللبناني في المفاوضات يركز على تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى التي سيطر عليها، ومعالجة ملف النازحين، إضافة إلى وقف الغارات التي تطال بيروت والمناطق السكنية.
في المقابل، تشترط تل أبيب، بدعم أمريكي مباشر، تحييد “حزب الله” ونزع سلاحه، إلى جانب إقامة منطقة أمنية جنوب لبنان، مع رفضها الانسحاب الكامل أو وقف العمليات العسكرية نهائيًا قبل حصولها على تنازلات لبنانية، من بينها إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل.
وأضاف نعمة أن إدارة ترامب تسعى عبر الضغط العسكري إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، وتدفع باتجاه تعزيز دور الجيش اللبناني أمنيًا بهدف تنفيذ خطة لنزع سلاح “حزب الله”، وسط تسريبات أمريكية تتحدث عن إعداد تصور متكامل لهذه العملية.
ورغم بعض الأجواء المتفائلة التي تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن احتمال التوصل إلى اتفاق يشمل وقفًا نهائيًا لإطلاق النار مقابل نزع سلاح الحزب، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود اختراق حاسم، في ظل الفجوة الكبيرة بين شروط الطرفين، ما يجعل تمديد الهدنة الهشة السيناريو الأكثر ترجيحًا حتى الآن، بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المستمرة وسط تكتم شديد وغموض يلف مواقف الوفدين.



