أخبار عاجلة
إصابة 3 أشخاص في حادث بالدقهلية -

عادل إمام يحتفل بعيد ميلاده الـ86.. حكاية فنان صنع الضحك والوعي معا (بروفايل)

عادل إمام يحتفل بعيد ميلاده الـ86.. حكاية فنان صنع الضحك والوعي معا (بروفايل)
عادل إمام يحتفل بعيد ميلاده الـ86.. حكاية فنان صنع الضحك والوعي معا (بروفايل)

في السابع عشر من مايو، لا يحتفل الجمهور العربي بعيد ميلاد فنان فحسب، بل يستعيد ذاكرة كاملة من الضحك والدهشة والأسئلة الصعبة، ويقف طويلًا أمام ظاهرة استثنائية اسمها عادل إمام، الرجل الذي نجح على مدار أكثر من 6 عقود في أن يكون ابن الشارع، وصوت البسطاء، ومرآة المجتمع، وواحدًا من أكثر الفنانين تأثيرًا في تاريخ الفن العربي الحديث.

يطفئ الزعيم شمعته السادسة والثمانين، لكن الحقيقة أن الزمن بدا دائمًا أقل قدرة على الاقتراب منه، فحتى في سنوات الغياب الأخيرة، ظل حضوره طاغيًا في الوعي الجمعي، حاضرًا بجملة ساخرة تتردد في الشارع، أو مشهد سينمائي يعاد اكتشافه، أو ضحكة محفوظة في ذاكرة أجيال كاملة تربت على أفلامه ومسرحياته ومسلسلاته.

لم يكن عادل إمام مجرد ممثل يعتلي خشبة المسرح أو يقف أمام الكاميرا، بل كان مشروعًا فنيًا متكاملًا تشكل من الشارع المصري نفسه؛ من حواري السيدة عائشة والحلمية، ومن ملامح الطبقة الوسطى وهمومها وأحلامها وانكساراتها.

هناك تشكل وعي الطفل الذي وُلد عام 1940 لأسرة بسيطة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى “الزعيم”، اللقب الذي لم تمنحه له مؤسسة أو سلطة، بل منحه الجمهور عن اقتناع كامل.

منذ خطواته الأولى في المسرح الجامعي، كان واضحًا أن هذا الشاب النحيف يملك شيئًا مختلفًا.

لم يعتمد على الوسامة التقليدية، ولا على الصوت الجهوري، ولا حتى على البطولة الجاهزة، لكنه امتلك ما هو أخطر وهو "الحضور"، تلك الكاريزما النادرة التي تجعل الممثل قادرًا على خطف عين المشاهد حتى وهو يؤدي دورًا صغيرًا، كما فعل في شخصية “دسوقي أفندي” بمسرحية “أنا وهو وهي”، حين تحولت جملة “بلد شهادات صحيح” إلى بطاقة ميلاد فنان استثنائي.

ومع السبعينيات، لم يعد عادل إمام مجرد ممثل صاعد، بل أصبح ظاهرة جماهيرية جارفة، في “مدرسة المشاغبين” و”شاهد ما شافش حاجة”، أعاد تعريف الكوميديا المسرحية، وحوّل المسرح إلى حالة شعبية يومية، بينما كان في السينما يصنع معادلة شديدة الصعوبة "أفلام تحقق أعلى الإيرادات، وفي الوقت نفسه تحمل مضمونًا سياسيًا واجتماعيًا حقيقيًا".

براعة الزعيم لم تكن في الإضحاك فقط، بل في قدرته على جعل الضحك وسيلة لفهم الواقع، ففي “الإرهاب والكباب” لم يكن المواطن البسيط الذي يحتجز مجمع التحرير مجرد شخصية كوميدية، بل رمزًا لإنسان مسحوق يحاول أن يصرخ في وجه البيروقراطية.

وفي “طيور الظلام”، خاض مواجهة فكرية ذكية مع السلطة والتطرف معًا، بينما كشف في “النوم في العسل” هشاشة مجتمع كامل يعيش حالة اغتراب وكبت جماعي.

يعرف عادل إمام دائمًا أين يقف المجتمع، وماذا يخيفه، وما الذي يضحكه، وكيف يحول ذلك كله إلى فن قابل للحياة لعشرات السنين، لهذا لم تتآكل أفلامه مع الزمن، بل بقيت قابلة للمشاهدة وإعادة التأويل، وكأنها كتبت لعصور مختلفة.

وعلى مستوى الأداء، امتلك عادل إمام قدرة نادرة على التحول بين الكوميديا والدراما دون افتعال، فهو يستطيع أن ينتزع الضحكة من الجمهور ثم يقوده بعدها مباشرة إلى مشهد شديد القسوة أو الحزن دون أن يشعر المتلقي بأي تناقض.

تلك المرونة جعلته ممثلًا عصيًا على التصنيف، فلا هو كوميديان تقليدي، ولا نجم أكشن، ولا ممثل تراجيدي خالص، بل حالة خاصة جمعت كل ذلك في شخصية واحدة.

الأهم من ذلك أن الزعيم لم يتعامل مع نجوميته باعتبارها مساحة للتعالي، بل ظل طوال رحلته قريبًا من الناس، يتحدث بلغتهم، ويعبر عنهم، ويصنع أبطالًا يشبهون المواطن العادي، لذلك بدا دائمًا وكأنه فرد من كل أسرة عربية، وليس مجرد نجم بعيد على شاشة.

حتى عندما تغيرت الأذواق ودخلت أجيال جديدة إلى الساحة، لم يفقد عادل إمام قدرته على التكيف، عاد إلى الدراما التلفزيونية في سنوات لاحقة عبر أعمال مثل “فرقة ناجي عطالله” و”العراف” و”صاحب السعادة”، مؤكدًا أن الفنان الحقيقي لا تهزمه التحولات، بل يعيد اكتشاف نفسه داخلها.

ورغم ابتعاده عن الظهور مؤخرًا، فإن صورته بقيت حية بصورة استثنائية، والشائعات الكثيرة حول حالته الصحية لم تنجح في إبعاده عن الناس، ربما لأن الفنان الحقيقي لا يعيش فقط بجسده، بل بأثره.

بعد غد، حين يحتفل محبوه بعيد ميلاده السادس والثمانين، لن يكون الاحتفال مجرد مناسبة تخص نجمًا كبيرًا، بل لحظة وفاء لفنان صنع وجدان أمة كاملة، ونجح في أن يحول الفن إلى لغة يومية يفهمها الجميع.