أخبار عاجلة

كل الطرق تؤدى إلى «مسرح روما»: خشبة فى كل حى.. وعروض تحقق ربحية

كل الطرق تؤدى إلى «مسرح روما»: خشبة فى كل حى.. وعروض تحقق ربحية
كل الطرق تؤدى إلى «مسرح روما»: خشبة فى كل حى.. وعروض تحقق ربحية

لا ريب أن جملة «ما الدنيا إلا مسرح كبير» يمكن تطبيقها بنجاح على روما، حيث ما روما إلا مسرح كبير، فمنذ يومى الأول هنا إذ بى أفاجأ بعدد المسارح وتنوع أشكالها، فمع سهولة استخراج التصاريح اللازمة لبناء مسرح، ومع تنوع أشكال المسارح وجدت المسارح الكلاسيكية القديمة والعلب الإيطالية ومسارح الغرف وصولًا لمسارح «الجراجات والبدروم والحدائق وأسطح البنايات» ما يجعل حرفيًا وبدون مبالغة نهائيًا أن هناك مسرحًا إن لم يكن فى كل شارع فهو على الأقل فى كل حى أو تجمع سكنى.

تذكرة المسرح هنا فى روما أغلى من السينما، ولا عجب فى ذلك فلا يساوون هنا بين أن تتأنق وتذهب لقضاء أمسية مسرحية بلا حاجز بينك وبين الممثلين الذين تشاركهم الزمان والمكان وبين نسخة فيلم عبر شاشة لا تختلف كثيرًا عن شاشات منزلك إلا فى الحجم! كذلك فممثلو المسرح يعدون بشكل أو بآخر من الفنانين أصحاب الشأن بين مختلف الأوساط الفنية. 

طريقة حجز المسرح فى روما بسيطة وموحدة لكل المسارح، موقع واحد للمسرح يحتوى على روابط لكل دور العرض المختلفة كالسينما، تختار يوم العرض ومكان كُرسيك وتصلك تذكرتك الإلكترونية على بريدك الإلكترونى فى ثوانٍ، المبهر فى الأمر هو أنه يمكنك حجز تذكرة لعرض بعد أربعة أو خمسة شهور، فى يوم محدد وساعة محددة! هل هو تنظيم جيد؟ أم أن البيت الفنى للمسرح الرومانى يستطيع بشكل ما- لا سمح الله- قراءة الغيب؟ 

المحتوى الفنى هنا- بعيدًا عن الرقابة الفنية ومستقلًا عن الإنتاج الحكومى- يتنوع بشكل لا يمكن حصره، فلا يكاد يحدك حد فى صياغة وإنتاج رؤيتك الفنية سوى قدرتك المادية -فردًا أو مؤسسة- على الإنتاج، سوق كبيرة متحركة مفتوحة للأذواق المختلفة، التنوع الذى يسمح بالتجريب وبالتكرار وبالتطلعات الفنية الكبيرة! العرائس وشكسبير ويوجين يونسكو ومسرح جسدى والمسرح الاستعراضى وغيرها من الأنواع والأنماط بشكل «يفتح النفس».

المسرح الموجّه للطفل فى روما يدرك حجم وعى الأطفال الحالى ومدى اتساع رقعة تصفحهم حتى وإن قل حجم تعمقهم! فأصبح يخاطبهم على قدر عقولهم وربما طاقتهم للفرجة! فلاحظت غياب الشكل الطفولى المعتاد فى صياغة التراث والتوجه لأشكال أكثر قربًا من وعى الأطفال وبلسان مخاطبة أكثر جرأة وعصرية حتى فى تناول القصص الطفولية التراثية المعتادة! فبدلًا من الحكم على أساليبهم يميل المسرحيون هنا لتواصل أكثر انفتاحًا مع الأطفال من الجيل Z، ربما آن الأوان للأميرة ياسمين أن تنشئ حسابًا على «تيك توك»! 

بعد شهرين من البروفات اليومية فى مرحلة إنتاج عرض مسرحى هنا من إخراجى بالعمل مع ممثلين إيطاليين أجد الكثير من التفانى فى العمل والإخلاص للعمل المسرحى والتدريب خصوصًا الجسدى! البروفة المقدسة والساعات والساعات من التدريب الجسدى! 

الممثل يحاول الوصول لكونه ممثلًا وعارضًا وراقصًا ومغنيًا لأقصى درجة يمكنه الوصول إليها! كذلك التدريب الكثيف على تقنيات المسارح الجسدية يجعلهم حاضرين جسديًا بشكل كبير طول الوقت! ربما ينقصهم بعض الثقافة التى نجدها فى معظم ممثلينا المصريين الذين وجدت فيهم- أعنى المصريين- قدرة أكثر وسعًا على الاطلاع والتنوع والثقافة الفنية تجعل من العمل مع المصريين- دون تعميم فى الحالتين- أكثر ثراءً ومشاركة فى صناعة العمل الفنى من نظرائهم الإيطاليين.

لكن المؤسف هنا هو هذا التقاطع فى الهم المشترك فيما يخص أحوال الممثلين المسرحيين، حيث يضطرون للعمل فى أعمال مختلفة بعيدًا عن الوسط الفنى لكى يستطيعوا كسب لقمة عيشهم، حيث لا يمكن الاعتماد على المسرح فقط نظرًا لضعف المردود المالى.

طفرة فى الإضاءة المسرحية المصرية وبنية بعض المسارح فيما يتعلق بالإضاءة والفنيين والفنانين فى هذا المجال فى مصر. فقد قام الكثير من فنانى إيطاليا- فى أوقات وأشخاص متفرقين- بمدح تطور الصورة المسرحية المصرية فيما شاهدوه من مسرحيات مثلت المسرح المصرى فى المهرجانات الدولية المختلفة كمهرجان الإسكندرية الدولى والمهرجان التجريبى الدولى، وبعض المقتطفات التى قمت بعرضها أنا فى مناسبات عدة هنا فى روما لفنانين مصريين مختلفين! منورين يا مصريين!

التعامل مع المسرح كضرورة ثقافية هنا فى روما لا يقلل أبدًا من التعامل معه كمنتج ثقافى هادف للربح! وليس «غير هادف للخسارة»، كما هى أقصى أحلامنا فى مصر! الربح يجعل الفنانين قادرين على مواصلة فنهم والمنتجين متحمسين للإنتاج ولا يجعل الجمهور- كما هو متخوَّف منه- يعزف عن المسرح، بل على العكس يهرع إليه ويضعه فى مصاف «الخروجات المهمة» والتى تجذب مختلف الأذواق والطبقات! 

ونظرًا لوجود مساحة كبيرة من التنوع والحرية فهناك الكثير من المسرحيات المكتوبة حديثًا للمسرح من كُتّاب معاصرين، مع مساحة أقل للاعتماد على النصوص الكلاسيكية ما يتيح فرصة أكثر للتعبير عن الواقع والهموم والأسئلة المعاصرة للكُتّاب والصناع المعاصرين، ما يجعلنا نرى دورًا كبيرًا للمؤلف وكذلك للناقد، حيث يتم التعامل مع النقاد المسرحيين هنا بترحيب وإجلال واضح، وتتم دعوة النقاد لحضور البروفات لإبداء آراء أولية يمكنها إنارة الطريق مسبقًا عن العرض ما يجعل الناقد مشاركًا فى العملية الإبداعية وليس خصمًا لها أو لباقى الصُنّاع!

يمكن أن تكون المقارنات مقصورة أحيانًا، غير مكتملة الأركان، محبطة ومثبطة للعزائم أو مغالية، لكننا هنا بصدد محاولة نقل صورة أوضح نسبة لصورتنا المعتادة لا للمقارنة، ولكن لتحديد الوجهة والطريق، نحن لسنا فى سباق لكننا فى رحلة مسرحية نتخبط فيها أحيانًا ونقطع المسافات بنجاح أحيانًا أخرى، مسرحنا المصرى متأثر بعوامل اقتصادية ومجتمعية وظرفية، لكننا لدينا من الكوادر والرؤى ما يجعلنا نحاول يومًا بعد الآخر قراءة الطريق لاستكمال رحلة تؤتى ثمارها على المرتحل والطريق على حد سواء.