ضمن احتفالية صالون الدستور الثقافي، بالكاتب الروائي والمستشار أشرف العشماوي، قدّم الناقد والأكاديمي د. حسين حمودة، قراءة نقدية معمقة لنوفيلا "كابينة لا ترى البحر".
تناول خلالها السمات الكبرى التي تحكم عالم أشرف العشماوي الروائي، معتبرًا أن الرواية تمثل امتدادًا لمشروع سردي متماسك يقوم على مجموعة من القيم الفنية والفكرية المتكررة في أعماله.
أعمال العشماوي تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم روائي واحد
وأشار حمودة إلى أن أعمال العشماوي تبدو وكأنها تنتمي إلى "ثلاثية كبرى" أو عالم روائي واحد، تتكرر داخله مجموعة من القيم والرؤى التي تربط الروايات ببعضها البعض، وفي مقدمتها "وحدة العالم" حيث تتجاور الشخصيات والأماكن والتحولات داخل نسيج سردي واحد يمنح القارئ إحساسًا بعالم متكامل متعدد الأبعاد.
وأوضح أن من أبرز سمات هذا العالم الروائي "الامتلاء الزمني" إذ يحرص العشماوي على حشد تفاصيل دقيقة وإشارات مرتبطة بفترات تاريخية محددة، إلى جانب أسماء وأماكن ووقائع تمنح النص كثافة زمنية خاصة، وتجسد عالمًا حيًا تتداخل فيه الطبقات الاجتماعية والتحولات السياسية والإنسانية.
كما توقف حمودة عند قيمة "التعدد" في أعمال العشماوي، مؤكدًا أن رواياته بعيدة تمامًا عن النظرة الأحادية، إذ تفسح المجال لأصوات متعددة ورؤى متباينة، بما يجعل العالم الروائي أكثر ثراءً وتعقيدًا.
ورأى أن الكاتب ينجح كذلك في خلق موازاة مستمرة بين التحولات الفردية والتحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع والعالم، مشيرًا إلى أن ما يحدث للشخصيات يتقاطع دائمًا مع ما يطرأ على المدن والأمكنة والتاريخ نفسه.
واستشهد في ذلك بمدينة الإسكندرية التي تظهر في الرواية بوصفها مكانًا تعرض للتدهور والتحول، تمامًا كما تغيرت الشخصيات تحت وطأة الفساد والتحولات الاجتماعية القاسية.
الرحلة" تمثل قيمة أساسية في بناء روايات أشرف العشماوي
وأكد حمودة أن "الرحلة" تمثل قيمة أساسية في بناء عدد كبير من روايات العشماوي، موضحًا أن بطل الرواية "عارف" يقطع طرقًا طويلة في رحلة مشؤومة، لتتحول التجربة الفردية إلى انعكاس لتجربة مجتمعية أوسع.
وأشار إلى أن من أهم ما يميز كتابة العشماوي تلك البساطة الظاهرة المصحوبة بقدر كبير من المراوغة الفنية، معتبرًا أن الكاتب يقدم نوعًا من "التجريب المحسوب" البعيد عن الإغراق أو التعقيد المجاني، لكنه في الوقت نفسه يطرح أفكارًا عميقة وأسئلة شديدة التركيب.
كما لفت إلى حرص العشماوي على التفاصيل الدقيقة التي تدفع القارئ إلى مواصلة التساؤل طوال الوقت "ماذا بعد؟" وهي تقنية تمنح النص توترًا سرديًا مستمرًا.
وتحدث حمودة عن حضور "المفارقة" بقوة داخل الرواية، خاصة المفارقة بين الأصل والصور المخادعة، مؤكدًا أن الشخصيات في عالم العشماوي كثيرًا ما تبدو على غير حقيقتها، وأن الرواية تكشف زيف الصور المرتبطة بالنفوذ والسلطة والمكانة الاجتماعية.
العشماوي ينجح في المزج بين التوثيقي والخيالي
واعتبر أن قضية "العدالة" تشكل محورًا مهمًا في الرواية، حيث تطرح النصوص أسئلة معقدة حول العدالة المتحضرة وحدودها وهي عكس العدالة البدائية، خاصة مع وجود شخصيات مثل المحامي البارع القادر على انتزاع العدالة لمن لا يستحقها، بما يفتح الباب أمام تأملات أخلاقية وقانونية عميقة.
كما أشار إلى الحضور القوي لفكرة "التحول" داخل الرواية، سواء على مستوى الشخصيات أو المجتمع، مستشهدًا ببعض العبارات الدالة مثل"البلد تغيّرت، والناس أصبحت ذئابًا" وهي عبارات تلخص التحولات القاسية التي أصابت الإنسان والعالم.
وأوضح حمودة أن العشماوي ينجح في المزج بين التوثيقي والخيالي، عبر توظيف مرجعيات وأحداث حقيقية تمنح النص دلالات إضافية، دون أن يفقد العمل طابعه الفني والتخيلي.
وأضاف أن من أبرز سمات الرواية أيضًا تماسكها الشديد وابتعادها عن الترهل، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، معرفة الكاتب ودراسته العميقة للعالم الذي يكتب عنه قبل الشروع في الكتابة.
وتوقف كذلك عند ما أسماه "قيمة الأطلال" أي تداخل الأزمنة واستدعاء زمن داخل زمن آخر، إلى جانب الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تولد دلالات متعددة، مثل "الكابينة التي لا ترى البحر" والتي اعتبرها رمزًا مفتوحًا على معانٍ تتجاوز حدود المكان المباشر.
وأشار حمودة إلى أن الرواية تحمل قدرًا كبيرًا من التعاطف الإنساني مع الشخصيات التي تستحق التعاطف، خاصة النساء اللاتي يظهرن بوصفهن ضحايا لتجارب مأساوية، مثل الجدة والأخت، لكنه شدد على أن هذا التعاطف لا يأتي بصورة سلبية أو خطابية، بل يتحول إلى طاقة إبداعية داخل النص.
كما لفت إلى أن التعاطف يمتد أيضًا إلى شخصية الحفيد، الذي يعيش تجربة الجد نفسها بصورة تكاد تكون متطابقة، في إشارة إلى تكرار المأساة واستمرار دوائر القهر عبر الأجيال.
وفي ختام كلمته، رأى حسين حمودة أن رواية "كابينة لا ترى البحر" تبدو، رغم عنوانها، وكأنها تجعل القارئ يرى البحر وما وراءه وما يحيط به، بما تحمله من عوالم إنسانية وتحولات اجتماعية وأسئلة مفتوحة حول العدالة والذاكرة والمصير.




