موقع تن لاينز الإخباري

قلعة الشقيف.. لماذا يُعد سقوط "عين الجنوب" بيد إسرائيل تطورًا عسكريًا مفصليًا؟

لم يكن إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على قلعة الشقيف في جنوب لبنان، أمس الأحد، مجرد خبر ميداني جديد في سياق المواجهات المتصاعدة على الحدود، بل حمل أبعادًا عسكرية وسياسية ورمزية تتجاوز حدود الموقع نفسه. 

فالقلعة التي وصف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السيطرة عليها بأنها "تحول حاسم" في المعركة ضد حزب الله، تُعد واحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في جنوب لبنان، وتاريخها الطويل يجعل أي تغيير في وضعها الميداني حدثًا تتردد أصداؤه في الحسابات العسكرية والسياسية على حد سواء، وفقا لوسائل إعلام إسرائيلية.

موقع استراتيجي يتحكم بجنوب لبنان

تقع قلعة الشقيف، على تلة صخرية شاهقة ترتفع ما بين 700 و800 متر فوق سطح البحر، إلى الجنوب الشرقي من مدينة النبطية، وتشرف مباشرة على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال إسرائيل.

وتكمن أهمية القلعة في موقعها الجغرافي الفريد، إذ تمنح الجهة المسيطرة عليها قدرة استثنائية على المراقبة والرصد. فمن فوق أسوارها يمكن متابعة التحركات العسكرية في مناطق واسعة تمتد من سهل الحولة والجليل شمال فلسطين المحتلة وصولًا إلى مناطق واسعة جنوب نهر الليطاني.

ويرى خبراء عسكريون أن من يسيطر على الشقيف يمتلك "عينًا مفتوحة" على الجنوب اللبناني، بما يسمح برصد التحركات العسكرية على مسافات بعيدة وتوجيه النيران أو عمليات الاستطلاع بكفاءة عالية.

تاريخ يمتد عبر قرون من الصراع

تحمل قلعة الشقيف أهمية تاريخية متراكمة جعلتها واحدة من أهم القلاع في المنطقة،  فقد بناها الرومان في الأصل، ثم توسع فيها الصليبيون وأضافوا إلى تحصيناتها، قبل أن يقوم الأمير فخر الدين المعني الثاني بترميمها وتعزيز بنيتها الدفاعية خلال فترة حكمه للبنان في القرن السابع عشر، لتتحول عبر الزمن إلى موقع يجمع بين القيمة التاريخية والأهمية العسكرية.

السيطرة على الليطاني وممرات الجنوب

لا تقتصر أهمية القلعة على الارتفاع الجغرافي والأهمية التاريخية فقط، بل تتصل مباشرة بموقعها المشرف على نهر الليطاني، الذي يمثل أحد أهم المعالم الجغرافية والعسكرية في جنوب لبنان.

فالسيطرة على الشقيف تمنح الاحتلال الإسرائيلي قدرة أكبر على مراقبة الطرق والمحاور التي تربط مناطق الجنوب ببعضها البعض، كما تتيح له متابعة أي تحركات أو خطوط إمداد محتملة في المنطقة الواقعة شمال وجنوب الليطاني.

ولهذا السبب ينظر كثير من المحللين إلى السيطرة على القلعة باعتبارها خطوة تتجاوز البعد الرمزي، وتمثل جزءًا من محاولة إسرائيل فرض واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني.

حصن طبيعي يصعب اقتحامه ومنصة متقدمة للمراقبة والإسناد الناري

تُعد قلعة الشقيف واحدة من أكثر المواقع الدفاعية تحصينًا بطبيعتها الجغرافية، فقد بُنيت فوق مرتفع صخري شديد الانحدار، وتحيط بها منحدرات حادة تجعل الوصول إليها مهمة معقدة عسكريًا.

وتحول هذا الموقع عبر التاريخ إلى نقطة دفاعية مثالية لكل من سيطر عليه، سواء خلال العصور الصليبية أو خلال العقود الأخيرة من الصراع العربي الإسرائيلي.

كما يوفر ارتفاع القلعة ميزة إضافية تتمثل في استخدامها كمنصة متقدمة للمراقبة والإسناد الناري، وهو ما يفسر الأهمية العسكرية التي تمنحها لها إسرائيل في المرحلة الحالية، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية "BBC".

ذاكرة الاحتلال والانسحاب

تحمل الشقيف أهمية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، إذ ترتبط بواحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الصراع بين إسرائيل ولبنان.

فقد استخدمت إسرائيل القلعة قاعدة عسكرية رئيسية خلال احتلالها لجنوب لبنان، وبقيت تحت سيطرتها حتى انسحابها من الجنوب عام 2000، ولذلك فإن العودة إليها بعد أكثر من ربع قرن تحمل دلالات سياسية ونفسية لا تقل أهمية عن قيمتها العسكرية.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يربط نتنياهو بين السيطرة الحالية على القلعة وبين حرب لبنان الأولى عام 1982، أو أن يحرص وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس على الحديث عن رفع العلم الإسرائيلي فوقها مجددًا بعد 44 عامًا من المعارك التي شهدتها المنطقة.

رسالة إلى حزب الله

تمثل السيطرة على الشقيف أيضًا رسالة عسكرية مباشرة إلى حزب الله، فالموقع يطل على مناطق تُعد من أهم ساحات نفوذ الحزب في الجنوب اللبناني، كما يسمح بمتابعة التحركات الميدانية في محيط النبطية والمرتفعات الجنوبية، 

ومن هذا المنطلق، ترى إسرائيل أن السيطرة على القلعة تمنحها أفضلية ميدانية في أي مواجهة طويلة، سواء من خلال جمع المعلومات الاستخباراتية أو تعزيز عمليات الرصد والاستهداف.

في المقابل بحسب "BBC" يدرك حزب الله أن فقدان موقع بهذه الأهمية يغير جزءًا من المعادلة الميدانية، وهو ما يفسر استمرار الهجمات الصاروخية ومحاولات الضغط على القوات الإسرائيلية المنتشرة في الجنوب.

هل تمهد الشقيف لتوغل أوسع؟

أثار سقوط القلعة بيد القوات الإسرائيلية موجة من التساؤلات داخل لبنان حول الأهداف التالية للعمليات البرية الإسرائيلية.

فالموقع لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن النبطية، كما أنه يقع خارج نطاق الشريط الحدودي التقليدي الذي كانت تتحرك داخله القوات الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية. لذلك يرى مراقبون أن السيطرة عليه قد تكون مؤشرًا على نية إسرائيل توسيع نطاق عملياتها البرية والتقدم نحو مناطق أعمق داخل الجنوب اللبناني.

ويزداد هذا القلق مع تزامن السيطرة على الشقيف مع الحديث عن جولات تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، ما يدفع بعض الأوساط اللبنانية إلى الاعتقاد بأن إسرائيل تسعى إلى تحسين موقعها التفاوضي عبر فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي اتفاق محتمل.

تراث عالمي تحت تهديد الحرب

بعيدًا عن الحسابات العسكرية، تمثل قلعة الشقيف أحد أبرز المعالم الأثرية في لبنان. فالقلعة التي تعود جذورها إلى حقب تاريخية متعاقبة تُعد من أهم الحصون التاريخية في المشرق.

وقد وضعتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونيسكو" تحت مستوى حماية معزز منذ عام 2024، نظرًا لقيمتها التراثية الاستثنائية.

وكان وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة قد حذر في وقت سابق من أن القلعة تواجه خطرًا حقيقيًا نتيجة العمليات العسكرية، شأنها شأن عدد من المواقع الأثرية اللبنانية الأخرى.

 

أخبار متعلقة :