كشفت تطورات الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان عن تحديات غير متوقعة واجهتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بعدما تحولت الطائرات المسيّرة الانتحارية إلى عنصر حاسم في ساحة المعركة، الأمر الذي دفع مراقبين إلى اعتبار أن الاستراتيجية التي بنت عليها إسرائيل عملياتها العسكرية خلال الأشهر الماضية لم تحقق النتائج التي كانت تأملها.
التهديد باستهداف الضاحية الجنوبية كشف عن حجم الإحباط الإسرائيلي من مسار الحرب
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإنه في الوقت الذي لوّح فيه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أمس الإثنين، بتوسيع نطاق العمليات العسكرية عبر استهداف الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، اعتبر محللون أن هذا التهديد لم يكن مجرد رسالة تصعيدية موجهة إلى حزب الله، بل كشف أيضًا عن حجم الإحباط الإسرائيلي من مسار الحرب بعد نحو ثلاثة أشهر من القتال المستمر.
اعتراف ضمني إسرائيلي بتعثر الأهداف العسكرية
وبحسب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن التهديد الإسرائيلي بقصف بيروت عكس إدراكًا متزايدًا داخل القيادة الإسرائيلية بأن الاستراتيجية الحالية لا تحقق أهدافها بالشكل المطلوب.
وزاد هذا الانطباع بعد ساعات قليلة فقط من تراجع إسرائيل عن تنفيذ التهديد، في خطوة عكست حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية بين مطالب داخلية تدعو إلى توجيه ضربات أكثر قسوة لحزب الله، وضغوط أمريكية تحثها على تجنب توسيع دائرة المواجهة داخل لبنان.
وكانت الخطة الإسرائيلية منذ بداية الحرب تقوم على التوغل داخل الأراضي اللبنانية وإقامة منطقة عازلة تهدف إلى إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود الشمالية لإسرائيل، ومنعهم من استخدام الصواريخ المضادة للدروع التي شكلت تهديدًا دائمًا للبلدات الإسرائيلية القريبة من الحدود.
الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدًا بالشكل الكافي لمواجهة نوع جديد من الطائرات المسيّرة لحزب الله
لكن التطورات الميدانية أظهرت أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدًا بالشكل الكافي لمواجهة نوع جديد من الطائرات المسيّرة التي يعتمد عليها حزب الله بصورة واسعة.
وتتمثل هذه الطائرات في مسيّرات هجومية يتم التحكم بها مباشرة عبر كابلات ألياف بصرية تمتد لمسافات طويلة، ما يجعلها محصنة إلى حد كبير ضد أنظمة التشويش الإلكتروني التي تعتمد عليها الجيوش الحديثة لإسقاط الطائرات غير المأهولة أو تعطيلها.
ورغم أن هذه المسيّرات لم تتسبب في خسائر بشرية تماثل تلك التي ألحقها الجيش الإسرائيلي بمقاتلي حزب الله أو المدنيين اللبنانيين خلال عملياته العسكرية، فإنها نجحت بشكل متكرر في استهداف الجنود والقادة الإسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية وحتى داخل إسرائيل نفسها.
وأشارت الصحيفة إلى أن حزب الله دأب خلال الفترة الأخيرة على نشر تسجيلات مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي توثق عمليات الاستهداف التي تنفذها هذه الطائرات، وهو ما منحها تأثيرًا نفسيًا وإعلاميًا واسعًا يتجاوز حجم خسائرها العسكرية المباشرة.
ووفق بيانات الجيش الإسرائيلي، أسفرت هجمات مماثلة يوم الاثنين وحده عن مقتل جنديين وإصابة عشرة آخرين.
الطائرات المسيّرة الجديدة تحولت إلى أداة استنزاف فعالة ضد القوات الإسرائيلية
وتظهر هذه الوقائع أن الطائرات المسيّرة الجديدة تحولت إلى أداة استنزاف فعالة ضد القوات الإسرائيلية، خاصة مع صعوبة اعتراضها أو تعطيلها مقارنة بالأنظمة التقليدية الأخرى.
عندما بدأت العمليات العسكرية في مارس الماضي، سادت داخل إسرائيل حالة من التفاؤل بإمكانية تحقيق إنجاز عسكري سريع ضد حزب الله.
واعتمدت هذه التقديرات على قناعة بأن الحزب خرج من سنوات من الضغوط العسكرية والسياسية في وضع أضعف مما كان عليه في السابق، وأن قيادته تعاني ارتباكًا يحد من قدرته على خوض مواجهة طويلة الأمد، لكن التطورات اللاحقة رسمت صورة مختلفة تمامًا.
وأكدت الصحيفة الأمريكية، أنه بدلًا من انهيار قدرات حزب الله أو تراجعه إلى ما وراء الحدود، دخلت الحرب في حالة من الجمود العسكري، حيث باتت إسرائيل تواجه خصمًا لا يزال قادرًا على تنفيذ هجمات مؤلمة ومستمرة، في حين تظهر القوات الإسرائيلية أحيانًا في موقف دفاعي غير متوقع.
ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يعكس مأزقًا متزايدًا للطرفين، لكنه يسلط الضوء بصورة خاصة على التحديات التي تواجهها إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة.
فبعد أشهر من القتال، لم تتمكن العمليات العسكرية من إنهاء تهديد حزب الله أو فرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية، بينما تمكن الحزب من الحفاظ على قدرته العملياتية واستمرار هجماته باستخدام وسائل قتالية منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية.
أخبار متعلقة :