هناك لحظات في تاريخ المؤسسات لا يكون الخطر فيها قادمًا من الخارج، بل من الداخل. لحظات لا تُهدم فيها الجدران بمعاول الخصوم،وإنما ينهشها الإهمال، ويعجل بسقوطها العجز عن اتخاذ القرار، وتضيع خلالها الفرص حتى يصبح الإنقاذ أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
هكذا تبدو اليوم أزمة المقر التاريخي لـ اتحاد كتاب مصر. فالمبنى القائم في الزمالك ليس مجرد مقر إداري يمكن نقله من شارع إلى آخر، ولا قطعة أرض يمكن استبدالها بأخرى متى شاء المسؤولون. إنه عنوان رمزي لذاكرة الثقافة المصرية، وبيت احتضن أجيالًا من الأدباء والمفكرين الذين صنعوا جزءًا من وجدان هذا الوطن. ومن ثم فإن التفريط فيه، أو العجز عن حمايته، لا يمثل خسارة عقارية، بل خسارة معنوية وتاريخية وثقافية يصعب تعويضها.
ومن الواجب هنا توجيه تحية تقدير واحترام للسادة الأدباء أعضاء الجمعية العمومية الذين تبنوا أخيرًا الموقف الذي طالبت به منذ أكثر من عام، ورفعوا أصواتهم دفاعًا عن المقر التاريخي، ورفضوا إهدار أموال الاتحاد في مغامرات عقارية مجهولة النتائج، قد تلتهم عشرات الملايين من الجنيهات، بينما يقف الأديب المصري في طوابير العلاج، ويعيش أصحاب المعاشات أوضاعًا لا تليق بمن أفنوا أعمارهم في خدمة الثقافة والفكر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من أوصل الاتحاد إلى هذه المرحلة؟ الإجابة واضحة ولا تحتمل الالتفاف.
إن المسؤولية السياسية والإدارية الأولى تقع على عاتق رئيس الاتحاد علاء عبدالهادي.
فالقانون الذي يهدد بإنهاء العلاقة الإيجارية لمقر الاتحاد لم يهبط من السماء فجأة، ولم يظهر بين ليلة وضحاها. لقد بدأ النقاش حوله منذ عام 2018، وظل مطروحًا على الساحة العامة لسنوات قبل صدوره. أي أن الإدارة الحالية كانت تملك الوقت الكافي للتحرك، والتفاوض، والبحث عن حلول، وتعبئة الرأي العام الثقافي دفاعًا عن المقر.
لكن ماذا حدث؟ لا شيء تقريبًا.لم تُطرح خطة معلنة للحفاظ على المقر. لم تُعرض بدائل حقيقية ومدروسة على الجمعية العمومية. لم يشهد الوسط الثقافي تحركًا يتناسب مع حجم الخطر.ولم يطمئن أعضاء الاتحاد إلى وجود رؤية واضحة تنقذ بيتهم التاريخي.
سبع سنوات كاملة مرت بينما كان العد التنازلي يقترب، دون أن يرى الأعضاء نتائج توازي خطورة الأزمة.
والأكثر إثارة للدهشة أن الإدارة التي عجزت عن حماية المقر التاريخي، أو تقديم حل واضح وموثق لأزمته، أصبحت اليوم تتحدث عن شراء أرض جديدة وإنشاء مقر جديد بتكاليف قد تتجاوز عشرات الملايين من الجنيهات. أي منطق هذا؟ وأي أولوية هذه؟ كيف يُطلب من أعضاء الاتحاد القبول بإنفاق مبالغ هائلة على مشروع جديد، بينما لا تزال ملفات العلاج والمعاشات تمثل أزمة يومية لآلاف الأدباء؟ ومن أين ستأتي هذه الأموال أصلًا؟ وهل يملك الاتحاد القدرة المالية على تحمل تكلفة أرض وبناء وتشطيبات قد تقترب من خمسين مليون جنيه أو أكثر؟
ثم لماذا يُطلب من الجمعية العمومية أن تثق في مشروع لم تُعرض تفاصيله كاملة بشفافية على الأعضاء؟
بل إن ما يزيد القلق أن الحديث يدور حول شراء أرض في منطقة تخضع لمشروعات تطوير واسعة النطاق، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول جدوى الاختيار وسلامة القرار من الأساس.
لقد عرف اتحاد الكُتّاب في مراحل سابقة قيادات،استطاعت أن تجلب الدعم، وأن توفر مقار ومكتسبات للاتحاد دون أن تمد يدها إلى أموال العلاج أو المعاشات، ودون أن تضع أعضاء الجمعية العمومية أمام معادلة قاسية بين حقوقهم الاجتماعية وبين حلم إنشاء مبنى جديد، وأبرزهم الكاتب الكبير محمد سلماوي.
أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا. مقر تاريخي مهدد.أعضاء قلقون على مستقبل اتحادهم. ومشروعات مكلفة يُطلب منهم تمويلها من موارد محدودة أصلًا.لهذا فإن الأزمة لم تعد أزمة مقر فقط، بل أصبحت أزمة إدارة وثقة ومشروعية.
ومن هنا فإن أي حديث جاد عن إنقاذ الاتحاد لا بد أن يبدأ من معالجة أصل المشكلة لا أعراضها. ومهما تعددت المقترحات وتنوعت المبادرات، سيبقى علاء عبدالهادي ــ في تقدير قطاع واسع من أعضاء الجمعية العمومية ــ العائق الرئيسي أمام طي هذه الصفحة المؤلمة، والسبب المباشر في استمرار حالة الاحتقان والانقسام والعجز عن الوصول إلى حل توافقي يحظى بثقة الأدباء.
ولذلك فإن الطريق الأقصر والأكثر احترامًا لإرادة الجمعية العمومية يتمثل في تحرك أغلبية أعضاء مجلس الإدارة لإعادة انتخاب رئيس الاتحاد وفق الأطر القانونية السليمة، بما يفتح الباب أمام إدارة جديدة تتعامل مع الأزمة بعقلية مختلفة ورؤية أكثر قدرة على استعادة الثقة.
ويجب أن يعقب ذلك فورًا الدعوة إلى جمعية عمومية طارئة لإلغاء لائحة يوليو 2025 المثيرة للجدل، والتي يرى كثير من أعضاء الجمعية العمومية أنها صدرت بالمخالفة للقانون، وذلك حفاظًا على الشرعية المؤسسية وصونًا لمستقبل الاتحاد ومقدراته.
لقد آن الأوان لأن يُقال ما يجب أن يُقال بوضوح: إن المقر التاريخي لاتحاد كُتّاب مصر لم يصبح مهددًا بسبب القانون وحده، بل بسبب سنوات من التقاعس وسوء إدارة الملف.
وإذا ضاع المقر، أو أُهدرت أموال الاتحاد في مشروعات غير مدروسة، فإن التاريخ لن يحمّل المسؤولية للقوانين، بل لمن كانوا يملكون القرار واختاروا ألا يتحركوا بالقدر الذي تفرضه خطورة اللحظة.
أما المناصب فزائلة، واللوائح تتبدل، والقرارات تُطوى صفحاتها، لكن ما يضيع من تاريخ المؤسسات يبقى شاهدًا على من فرّط ومن دافع، ومن صمت ومن تحمّل المسؤولية،فإذا ضاع المقر، فلن يكون السؤال ماذا فعل القانون، بل ماذا فعل الذين امتلكوا الوقت والسلطة والقرار ثم تركوا الأزمة تتفاقم حتى بلغت ما بلغت.
أخبار متعلقة :