موقع تن لاينز الإخباري

"معلومات الوزراء": التوترات الجيوسياسية تُعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا حول مستقبل التعاون الدولي في مجالي التجارة ورأس المال، مشيرًا إلى أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة باتت تلعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل أنماط التفاعل بين الاقتصادات العالمية، في ظل تحولات هيكلية تعيد رسم ملامح النظام الاقتصادي الدولي.

وأوضح التحليل أن العالم يشهد انتقالًا تدريجيًا من نمط العولمة التقليدية واسع النطاق إلى نموذج أكثر انتقائية يقوم على التحالفات الاستراتيجية وإعادة التموضع الجيوسياسي، مع تزايد ارتباط التعاون الاقتصادي باعتبارات الأمن والاستقرار السياسي.

تراجع العولمة التقليدية

وأشار التقرير إلى أن التعاون الدولي لم يعد يقاس فقط بدرجة الانفتاح أو كثافة الاتفاقيات التجارية، بل بقدرته على ضمان استمرارية تدفقات التجارة ورأس المال في بيئة تتسم بعدم اليقين.

وكشفت التقديرات أن التجارة العالمية باتت تُعاد هيكلتها ضمن أطر أكثر توافقًا سياسيًا، حيث تتزايد العلاقات التجارية بين الدول المتقاربة في التحالفات السياسية، مقابل تراجعها بين الدول الأقل توافقًا.

إعادة تشكيل سلاسل التجارة العالمية

لفت التحليل إلى أن التجارة العالمية لم تنكمش، لكنها أعيد توزيعها جغرافيًا وسياسيًا، مع نمو أبطأ في تجارة السلع مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، ما أدى إلى تراجع نسبي في وزنها داخل الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن “المسافة الجيوسياسية” بين الدول تراجعت بنحو 7% خلال الفترة من 2017 إلى 2024، بما يعكس إعادة تمركز التدفقات التجارية داخل شبكات أكثر تقاربًا سياسيًا.

كما أوضح أن الدول النامية عززت حضورها في التجارة العالمية خلال عام 2024، مع ارتفاع صادراتها إلى 276 مليار دولار، وتراجع طفيف في تركّز التجارة بما يعكس تنوعًا محدودًا في الشركاء التجاريين.

تأثير الرسوم الجمركية وإعادة توجيه التجارة

وفي عام 2025، ساهمت السياسات التجارية الجديدة، وعلى رأسها الإعلانات الأمريكية بشأن التعريفات الجمركية، في تسريع إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية دون حدوث انكماش شامل.

وسجلت التجارة العالمية نموًا بنسبة 2.4% مقابل 3.2% للناتج المحلي الإجمالي، في حين تراجعت واردات الولايات المتحدة من الصين بنحو 20%، بالتوازي مع ارتفاع الواردات من شركاء أكثر تقاربًا جيوسياسيًا في أوروبا وآسيا.

بؤر التوتر الجيوسياسي وتأثيرها الاقتصادي

أوضح التقرير أن التوترات الجيوسياسية تتمحور حول عدة ملفات رئيسية، أبرزها المنافسة التكنولوجية وسلاسل توريد أشباه الموصلات، إضافة إلى تداعيات الصراع الروسي الأوكراني وأزمة الطاقة والغذاء العالمية.

كما أشار إلى اضطرابات الممرات الملاحية في الشرق الأوسط، وما نتج عنها من ارتفاع تكاليف الشحن، مؤكدًا أن هذه التوترات تحولت إلى “حرب اقتصادية صامتة” تعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية.

نمو تدفقات رأس المال والاستثمارات الاستراتيجية

على عكس تراجع بعض مظاهر التعاون، سجلت تدفقات رأس المال نموًا ملحوظًا منذ عام 2022، مدفوعة بزيادة الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية.

وشهدت الاستثمارات الجديدة توسعًا في مجالات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وبطاريات السيارات الكهربائية، والمعادن الحيوية، بما يعكس توجه الاقتصاد العالمي نحو التكنولوجيا المتقدمة.

تحولات في التعاون الاقتصادي العالمي

أشار التحليل إلى تحسن نسبي في مؤشر التعاون الاقتصادي العالمي، مدفوعًا باستمرار تدفقات التجارة والاستثمار، مع تحول واضح نحو الاستثمارات الخضراء (Greenfield FDI)، التي سجلت نموًا قياسيًا بلغ ذروته في 2023.

وفي المقابل، سجلت تجارة السلع انكماشًا طفيفًا، بينما واصلت تجارة الخدمات والاستثمارات المالية أداءها القوي، ما يعكس تحولًا هيكليًا في طبيعة الاقتصاد العالمي.

تراجع التعاون متعدد الأطراف والهجرة الدولية

رصد التقرير تراجعًا في المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 10.8% خلال 2024، إلى جانب انخفاض متوقع في 2025، نتيجة تقلص الدعم الموجه للأزمات الإنسانية والنزاعات.

كما شهدت الهجرة العمالية تباطؤًا ملحوظًا، مع تراجع تدفقات الهجرة إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 4% في 2024، وانكماش أكبر متوقع في 2025 داخل أسواق رئيسية مثل الولايات المتحدة وألمانيا.

 

نحو عولمة انتقائية جديدة

خلص التحليل إلى أن الاقتصاد العالمي لا يتجه نحو انهيار التعاون الدولي، بل نحو إعادة تشكيله في إطار ما يُعرف بـ"العولمة الانتقائية"، حيث تتراجع بعض أدوات التعاون التقليدي، مقابل استمرار نمو التجارة في الخدمات ورأس المال والاستثمارات الاستراتيجية.

وأكد أن هذا التحول، رغم ما يحمله من فرص، يطرح مخاطر تتعلق بتزايد التجزؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف التجارة وتباطؤ انتقال التكنولوجيا، خاصة في الدول النامية.

إعادة تصميم التعاون الدولي

دعا التحليل إلى ضرورة إعادة هيكلة منظومة التعاون الدولي عبر:

تحديث أطر الحوكمة الاقتصادية العالمية

تعزيز التكامل بين الاقتصادات الناشئة

دعم حرية تدفقات المعرفة ورأس المال البشري

توسيع الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية

مستقبل النظام الاقتصادي العالمي

اختتم التقرير بالتأكيد على أن مستقبل الاقتصاد العالمي، يتوقف على قدرة الدول على تحويل التوترات الجيوسياسية من عامل تفكيك إلى محفز لإعادة بناء التعاون الدولي على أسس أكثر مرونة واستدامة، بما يُعيد تعريف مفهوم العولمة في مرحلته الجديدة.

أخبار متعلقة :