في حوار نشرته مجلة «الكواكب» عام 1932 تحدث الفنان الكبير علي الكسار عن أسرار نجاحه في إضحاك الجمهور وكشف عن فلسفته الخاصة في الأداء المسرحي وكيف صنع شخصية «البربري» التي أصبحت واحدة من أشهر الشخصيات الكوميدية في تاريخ المسرح المصري.
كيف تصنع الضحك على المسرح؟
يقول علي الكسار: «إنني أعتمد قبل كل شيء على حركات العينين (الميميك) في إضحاك الناس، فالممثل الذي لا يعتمد على عينيه لا يمكن أن يُوفَّق في إضحاك الجمهور.
ولكي أبرهن لك على صحة ذلك، أرجو أن تتخيل ممثلاً يتكلم وهو يعطي ظهره للناس، فهل تظن أنه يُضحك أحداً مهما كان ظريفاً وخفيف الظل في كلامه؟»
كيف اخترت شخصية البربري؟
ويتابع الكسار: «يرجع اختياري لشخصية البربري إلى عام 1916، إذ كنت أعمل قبل ذلك مع "جورج دخول" الذي اخترع شخصية "كامل الأصلي"، وكان يعتمد في إضحاك الناس على اللهجة السورية التي كان يلقي بها كلماته.
ولكن حدث في ذلك العام أنني كنت مشتركاً مع مصطفى أفندي أمين في العمل، وفكرنا في إخراج قصة بعنوان "حسن أبو علي سرق المعزة".
فاخترت لنفسي شخصية خادم بربري؛ اعتقاداً مني بأن هذه الشخصية غنية يستطيع الممثل أن يجد فيها مجالاً واسعاً للعمل والابتكار، ولم يكن أحد من الممثلين المصريين قد مثّل شخصية البربري قبل ذلك.
فوجدت أنني أستطيع أن أستغل بلاهة البربري كعنصر أساسي من عناصر الإضحاك، كما أن هناك جوانب أخرى في هذه الشخصية لا تخيب في إضحاك الناس؛ إذ يكفي لذلك أن يعمد البربري إلى الحيلة والمؤامرة رغم بلاهته وسذاجته، أو أن تشتد به ثورة الغضب دفاعاً عن كرامته فتظهر "زوبعته"».
إعجاب عالمي بطريقة أدائه
وأضاف علي الكسار: «ويجدر بي أن أذكر لك أن الممثل الفرنسي الكبير "دني دينيسي" عندما زار مسرحي، قرر أنني أمتاز وأنا أمثل على خشبة المسرح بأنني أعمل في الوقت نفسه مع الجمهور الذي جاء ليشاهدني، فأنا أحرص دائماً على أن تكون الصلة بيني وبين الصالة قوية ومستمرة، فإذا شعرت أن الكلام الذي وضعه المؤلف على لساني لم يُوفَّق في إضحاك الناس، فإنني لا أتردد في أن أرتجل ما أعتقد أنه يضحكهم».
الموقف الذي غيّر مشهد "أبو فصادة"
ويروي الكسار واحداً من أشهر مواقفه المسرحية: «كنت أمثل في رواية "أبو فصادة"، وكان عليَّ أن أقول عن شخصية امرأة في الرواية تُدعى "فينيس" جملة منقولة عن رواية "تسبا" وهي: "فينيس... إنها امرأة تعشق بل تعبد".
وظللت أكرر هذه الجملة في كل مرة أمثل فيها الرواية، وأتفنن في تغيير ملامح وجهي ونبرات صوتي وإشارات يدي لعلي أُوفَّق إلى إضحاك الناس، فكنت في كل مرة لا أُقابَل إلا بصمت الجمهور صمتاً مؤلماً.
وأخيراً، وفي أحد العروض، قلت في الموقف نفسه: "فينيس..."، وبدلاً من أن أكملها "إنها امرأة تعشق بل تعبد"، خرجت مني عبارة: "فينيس... فينيس النيس كوتيس"، فانفجرت الصالة بالضحك الشديد العالي.
ومنذ تلك الليلة، أُضيفت هذه الجملة إلى دوري في رواية "أبو فصادة" بدلاً من الجملة التي وضعها المؤلف».
واختتم علي الكسار حديثه قائلاً: «وهكذا تراني أتحسس موضع الغبطة من نفس الجمهور، فإذا لمست هذا الموضع طفقت أوري زناده حتى أبلغ من هذا الجمهور بغيتي، التي هي نفس بغيته».
أخبار متعلقة :