موقع تن لاينز الإخباري

أمام التباين الأمريكي الإيراني.. كيف ينجو أمن المنطقة؟

لم تعد الخلافات مع إيران تقتصر على البرنامج النووي، بل باتت تشمل مجمل قضايا الأمن الإقليمي، من القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة إلى النفوذ الإقليمي وآليات حفظ الاستقرار في الخليج. ومن هذا المنطلق، حمل الاجتماع الوزاري الأمريكي - الخليجي في المنامة مؤشرات على بلورة مقاربة أمنية أكثر شمولًا، تربط هذه الملفات ضمن رؤية واحدة، انطلاقًا من أن استقرار المنطقة لا يتحقق بمعالجة ملف واحد بمعزل عن بقية التحديات.

أما طهران، فاختارت الرد برفض هذه المقاربة، مؤكدة أن أمن المنطقة لا يبني عبر الضغوط والتحالفات العسكرية، وإنما من خلال تفاهمات مباشرة بين دولها.

وخلال الاجتماع الوزاري بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، الذي استضافته العاصمة البحرينية المنامة برئاسة مشتركة بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، شدد الجانبان على أهمية استمرار المسار التفاوضي مع إيران بما يقود إلى إنهاء دائم للأعمال العدائية، مع التأكيد على ضرورة منع طهران من تطوير أو امتلاك سلاح نووي، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار المنطقة.

ولم يقتصر الموقف الخليجي الأمريكي على الملف النووي، بل امتد إلى مجمل التحديات الأمنية المرتبطة بإيران، حيث أكد الوزراء أن تحقيق الأمن المستدام يتطلب أيضًا معالجة ملف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب وقف دعم الجماعات المسلحة التي تصفها واشنطن ودول الخليج بـ"الوكلاء"، باعتبارها من أبرز عوامل زعزعة الاستقرار في المنطقة.

 

وفي السياق ذاته، جدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التزام بلاده الراسخ بأمن دول مجلس التعاون، مؤكدًا استمرار الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج، وهو ما قابله وزراء الخارجية الخليجيون بالتشديد على أهمية تعزيز هذا التعاون في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

 

ويعكس هذا الموقف توجهًا خليجيًا أمريكيًا نحو التعامل مع الملفات المرتبطة بإيران بوصفها حزمة أمنية مترابطة، وهو ما قوبل برفض إيراني واسع، عكس استمرار التباين في رؤية الطرفين لمفهوم الأمن الإقليمي وسبل تحقيقه.

فقد سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى رفض البيان المشترك، واصفة إياه بأنه "تدخلي وغير مسؤول واستفزازي"، معتبرة أن ما ورد فيه يجسد استمرار النهج الأمريكي القائم على التدخل في شؤون المنطقة، وأن الحديث عن التزام واشنطن بأمن الخليج لا يتجاوز كونه “خطابًا فارغًا”.

 

ولم يقتصر الرفض الإيراني على مضمون البيان، بل امتد إلى انتقاد الدور العسكري الأمريكي في المنطقة، إذ اعتبرت طهران أن الوجود العسكري الأمريكي أصبح،بحسب وصفها ـ عاملًا يفاقم الانقسام وانعدام الأمن، مستشهدة باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية في بعض دول الخليج خلال العمليات العسكرية الأخيرة ضد إيران، والتي رأت أنها تحولت إلى منصات لتهديد أمنها القومي.

 

وفي سياق تحميلها الوجود العسكري الأمريكي مسؤولية تصاعد التوتر، وجهت الخارجية الإيرانية رسالة مباشرة إلى الدول التي استخدمت  أراضيها في تلك العمليات، داعية إياها إلى إعادة النظر في مواقفها، والالتزام بمبادئ حسن الجوار والقانون الدولي، ومنع أي طرف ثالث من استخدام أراضيها لتنفيذ أعمال عدائية ضد إيران.

 

وعلى صعيد البرنامج النووي، جددت طهران نفيها الاتهامات الغربية بشأن سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، ووصفتها بأنها "أكذوبة كبيرة"، داعية دول الخليج إلى تبني مبادرة إنشاء،منطقة غرب آسيا الخالية من الأسلحة النووية،باعتبارها المسار الأكثر واقعية لتحقيق الأمن الجماعي، بدلًا من تبني ما وصفته بالرواية الأمريكية والإسرائيلية التي تصوّر البرنامج النووي الإيراني تهديدًا  للمنطقة.

وبالتوازي مع دفاعها عن برنامجها النووي، شددت إيران على أن قدراتها الدفاعية، بما فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، تمثل وسائل ردع سيادية وليست مصدر تهديد، معتبرة أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر الضغوط العسكرية أو التدخلات الخارجية، وإنما من خلال بناء الثقة وتعزيز التعاون بين دول المنطقة.

ولم يقتصر الرد الإيراني على الملفات العسكرية والنووية، بل شمل أيضًا توصيف البيان المشترك للفصائل الفلسطينية واللبنانية بـ"القوى الوكيلة "، إذ اعتبرت طهران أن مقاومة الاحتلال تمثل حقًا مشروعًا تكفله القوانين الدولية، في تأكيد جديد على استمرار التباين مع الرؤية الخليجية الأمريكية بشأن ملفات النفوذ الإقليمي.

وفي ملف مضيق هرمز، أكدت إيران أن المضيق يقع ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان، مشيرة إلى أن التفاهمات القائمة بشأن إدارة الملاحة البحرية تمثل الإطار القانوني الناظم لهذا الملف، وداعية دول الخليج إلى إعادة النظر في مقاربتها لأمن المنطقة، انطلاقًا من مبدأ الأمن الجماعي القائم على التعاون بين دولها، بعيدًا عن أي وجود عسكري خارجي.

ولا تعكس مخرجات اجتماع المنامة مجرد تباين في المواقف بين الولايات المتحدة ودول الخليج من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل تكشف عن تنافس بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل النظام الأمني في الخليج.

 

بينما تدفع واشنطن وشركاؤها الخليجيون نحو مقاربة شاملة تربط بين البرنامج النووي والقدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي الإيراني، تتمسك طهران بفصل هذه الملفات، وتعتبر أن أمن المنطقة يجب أن يبني عبر تفاهمات مباشرة بين دولها بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

وفي ظل هذا التباين، تبدو المفاوضات مرشحة للاستمرار، إلا أن نجاحها لن يتوقف على استئناف الحوار فحسب، بل على قدرة الأطراف على تضييق فجوة الرؤى بشأن أسس الأمن الإقليمي، وهي الفجوة التي ستظل العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار مستدام أم إلى جولة جديدة من إدارة الأزمات.

أخبار متعلقة :