يشهد النظام الاقتصادى العالمى تحولات جذرية متسارعة، تتجه فيها بوصلة القوة نحو التعددية القطبية، وبروز تكتلات اقتصادية قوية قادرة على إعادة صياغة قواعد التجارة والتمويل الدوليين، وفى قلب هذه التحولات يبرز تجمع «بريكس» كأحد أهم المحاور الاقتصادية والسياسية فى القرن الحادى والعشرين.
ومنذ انضمام مصر رسميًا إلى هذا التكتل، وضعت القاهرة نصب عينيها رؤية استراتيجية واضحة ترتكز على ضرورة وأهمية تعميق وزيادة التعاون مع دول التجمع، ليس فقط كخيار اقتصادى مرحلى، بل كضرورة حتمية لتحقيق التنمية المستدامة، وتخفيف الضغوط الهيكلية على الاقتصاد الوطنى، وتعزيز مكانة مصر كبوابة رئيسية للتجارة فى منطقة الشرق الأوسط وقارة إفريقيا. وهذا ما أعلنه مؤخرًا الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية، خلال اجتماع وزراء تجمع «بريكس».
وتأتى الرغبة المصرية الجادة فى زيادة التعاون مع «بريكس» مدفوعة بحزمة من المكاسب الاقتصادية الحيوية، على رأسها تخفيف الاعتماد شبه الكلى على العملات الصعبة التقليدية، وتحديدًا الدولار.
وتعانى مصر فجوات التمويل الأجنبى وتقلبات أسعار الصرف، ويمثل التوجه نحو تفعيل التبادل التجارى بالعملات المحلية مع دول التكتل، مثل اليوان الصينى والروبل الروسى والروبية الهندية، طوق نجاة يسهم فى تقليل الطلب على الدولار، وتأمين السلع الاستراتيجية بمرونة أكبر.
بالإضافة إلى ذلك تفتح العضوية النشطة فى «بريكس» لمصر أبوابًا واسعة للنفاذ إلى أسواق ضخمة تضم المليارات من المستهلكين.
وتسعى الدولة المصرية عبر تعزيز هذا التعاون إلى زيادة معدلات التصدير، وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية الزراعية والصناعية والبتروكيماوية، وهذا يعنى تدفق رءوس الأموال من عملاقين كالصين وروسيا وتوجيهها نحو قطاعات واعدة كالتصنيع المحلى، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، إضافة إلى استقطاب شرائح سياحية أوسع من دول التكتل ذات الكثافة السكانية العالية والمعدلات الشرائية المتنامية.
وتدرك الدولة المصرية أن تسريع وتيرة المشروعات القومية الكبرى يتطلب تمويلًا ضخمًا ومستدامًا، وهنا تكمن الأهمية القصوى لتعزيز التعاون مع بنك التنمية الجديد NDB، الذراع المالية لتكتل «بريكس»، ويمثل هذا البنك بديلًا مرنًا للمؤسسات المالية الدولية التقليدية التى غالبًا ما تفرض شروطًا وهيكليات قاسية للدعم والتمويل.
وتستهدف مصر من خلال علاقتها التشاركية مع البنك الحصول على تمويلات ميسّرة وقروض تنموية موجهة لتطوير قطاعات النقل، والطاقة النظيفة، وتحلية المياه، والخدمات اللوجستية.
وهذا التعاون لا يساعد فقط فى تخفيف عبء الديون الخارجية التقليدية، بل يمنح السياسة المالية المصرية مساحة أكبر للمناورة وتحقيق مستهدفات النمو دون الضغط على الاحتياطيات النقدية المحلية. ولا تنظر مصر إلى انضمامها لـ«بريكس» من منظور مستهلك أو مستفيد فحسب، بل تقدم نفسها كشريك فاعل يمتلك مزايا تنافسية استثنائية تضيف قيمة نوعية للتكتل.
علاوة على ذلك تبذل مصر جهودًا حثيثة لتسويق نفسها كبوابة خضراء للتكتل. وتتلاقى الرؤية المصرية للتحول الأخضر مع توجهات «بريكس» نحو الاستدامة، حيث تتيح البنية التحتية المتطورة فى مصر، مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية، ومشروعات طاقة الرياح بخليج السويس، فرصًا ذهبية لشراكات عملاقة مع دول التكتل لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، وتوطين تكنولوجيات الطاقة المتجددة فى المنطقة، وتسعى القاهرة إلى لعب دور همزة الوصل بين تكتل «بريكس» والقارة السمراء.
إن زيادة التعاون والروابط المشتركة تتيح لمصر والاتحاد الإفريقى تنسيق المواقف فى المحافل الدولية، والدفع نحو مشروعات تنموية عابرة للحدود تعزز الأمن الغذائى، وأمن الطاقة، والابتكار التكنولوجى للشباب فى الجنوب العالمى، ما يسهم فى مجابهة التحديات والأزمات الجيوسياسية الراهنة بمرونة جماعية.
كما أن اهتمام الدولة المصرية بضرورة زيادة التعاون مع تجمع «بريكس» ليس مجرد توجه سياسى عابر، بل هو قرار استراتيجى مدروس يعكس قراءة دقيقة للمستقبل.. إنها شراكة قائمة على المنفعة المتبادلة وتكامل القدرات، وكذلك ترسيخ مكانة مصر كلاعب رئيسى فى صياغة المشهد الاقتصادى العالمى الجديد.
أخبار متعلقة :