شهدت الساحة الدولية تحولاً تاريخياً عقب الإعلان الرسمي عن التوصل إلى تفاهم استراتيجي ينهي النزاع المسلح ويعيد الاستقرار لخطوط الإمداد العالمية، حيث توالت ردود الفعل المرحبة بالخطوة الدبلوماسية التي تكللت بصياغة اتفاق أمريكا وإيران لإنهاء الحرب بشكل فوري ودائم ورفع الحصار البحري وفتح الممرات الحيوية، الأمر الذي أثار ارتياحاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية لانعكاساته المباشرة على الأمن وأسواق الطاقة وشحنات النفط
مواقف الدول العربية والخليجية من بنود التهدئة الشاملة
من جانبها رحبت مصر بالجهود التي أفضت إلى وقف الحرب واصفة التفاهم المبرم بأنه يشكل نقطة تحول جوهرية في مسار السلام الإقليمي، وأعربت القاهرة في بيان رسمي عن أملها في أن تساهم هذه الخطوة في بناء الثقة المتبادلة وإرساء أسس متينة للتعاون الثنائي والمنظومي، بما يدفع بالجهود الدبلوماسية لحل الصراعات الأخرى بالمنطقة ويرسخ لبيئة داعمة للاستقرار والنمو الاقتصادي المشترك بين دول الشرق الأوسط
وأكدت الخارجية السعودية ترحيب المملكة بالبدء في مفاوضات تفصيلية تستمر ستين يوماً تهدف للوصول إلى سلام مستدام، كما ثمنت الرياض مساعي الوساطة المقدرة التي بذلتها كل من باكستان وقطر لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وأشارت إلى أن تجاوب واشنطن وطهران مع هذه الجهود يعد مؤشراً إيجابياً لترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية بما يضمن حقوق ومصالح شعوب المنطقة
وأعربت المملكة العربية السعودية عن الأهمية القصوى لعودة أمن وحرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز إلى طبيعتها السابقة قبل الثامن والعشرين من فبراير الماضي، واعتبرت الخارجية أن إتاحة العبور الآمن دون عوائق يمثل ركيزة استراتيجية لدعم التنمية وضمان التدفقات التجارية العالمية، متطلعة أن تسفر اللقاءات المقبلة عن صياغة معاهدات نهائية تراعي الهواجس والمصالح الأمنية الإقليمية لجميع الأطراف المعنية بملف اتفاق أمريكا وإيران التاريخي
وفي سياق متصل أعلنت وزارة الخارجية الكويتية ترحيب دولة الكويت بصدور مذكرة التفاهم التي أرست القواعد الأساسية لوقف العمليات العسكرية الشاملة، وأشادت الكويت بالدور الفاعل والمحوري الذي لعبته الدبلوماسية الباكستانية والقطرية في تهيئة المناخ السياسي الملائم لإحداث هذا الاختراق الكير، مؤكدة مساندتها لكل التدابير التي تضمن حماية الممرات البحرية وحرية التجارة والاستقرار في الخليج العربي عقب عقود من التوترات المستمرة والأزمات المتلاحقة
الرؤية الآسيوية ودور الوساطة الباكستانية في إنجاز التفاهم
وعلى الصعيد الآسيوي أكدت وزارة الخارجية الصينية دعمها الكامل للمسار الدبلوماسي الجديد معربة عن تطلع بكين لتوقيع المسودة النهائية في موعدها المحدد، وذكر المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان أن بلاده تترقب استعادة حركة السفن التجارية وحرية المرور الآمن والمستقر عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، مشيراً إلى أن تخفيف التوترات سيعود بالنفع المباشر على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد التي تضررت بفعل العمليات العسكرية
ووصف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف هذا التطور العسكري والسياسي بأنه خطوة تاريخية شجاعة نحو السلام بعد أسابيع من الوساطة المكثفة التي قادتها حكومته، وأوضح شريف أمام البرلمان أن شمس السلام قد أشرقت أخيراً لتنهي ظلام الحرب المكلّفة والمدمرة للاقتصاد الإقليمي، معلناً بصفة رسمية أن التوقيع الفعلي على وثيقة اتفاق أمريكا وإيران سيتم في عاصمة الدبلوماسية جنيف في التاسع عشر من يونيو الجاري وسط ترقب دولي عارم
الدعم الأوروبي للمسار الدبلوماسي وإعادة فتح الممرات المائية
وفي القارة الأوروبية رحب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بالتفاهمات المعلنة مؤكداً استعداد الاتحاد الأوروبي الكامل للمساهمة في بناء استراتيجية سلام شاملة ودائمة، وأشار كوستا إلى تطلعه لإنهاء النزاعات المسلحة المستنزفة للموارد واستعادة الملاحة الحرة، في حين وصفت مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس التفاهم بأنه يمثل انفراجة استراتيجية كبرى تستوجب دراسة آليات المشاركة الأوروبية الفعالة في صياغة تفاصيل المرحلة المقبلة من المفاوضات السياسية والفنية المشتركة
وأعلنت كايا كالاس أن التكتل الأوروبي بمختلف دوله السبع والعشرين مستعد لتقديم مساهمات نوعية تدعم استدامة الحل الدبلوماسي من خلال توظيف ثقله الاقتصادي وخبراته النووية المتقدمة، وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على حتمية إعادة فتح مضيق هرمز على الفور دون فرض أي رسوم عبور، معتبرة التنفيذ الفوري والكامل للالتزامات يفتح الباب لمفاوضات أوسع تشمل قضايا الأمن الإقليمي والملف النووي لطهران وضبط التسلح
وربطت رئيسة المفوضية الأوروبية نجاح مساعي الاستقرار الشامل بتحقيق الهدوء التام وإنهاء النزاع المسلح المشتعل في الأراضي اللبنانية كونه ركيزة أساسية للأمن الإقليمي، وجددت المفوضية دعوتها لاحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه وتنفيذ وقف حقيقي لإطلاق النار بالتزامن مع مرحلة اتفاق أمريكا وإيران الجديدة، مما يعكس الرؤية الأوروبية المتكاملة لحل الأزمات المترابطة في الشرق الأوسط وتجنب أي تصعيد عسكري غير محسوب العواقب مستقبلاً
المواقف الأممية والدولية وانعكاسات الخطوة على أسواق الطاقة
وكانت مصادر مسؤولة في واشنطن وطهران قد أكدت التوصل لصيغة اتفاق تنهي الحرب وترفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية وتعيد فتح المعابر المائية، وتوقعت التقارير الاقتصادية أن تسهم هذه الخطوة الدبلوماسية الجريئة في خفض أسعار الطاقة العالمية فور استئناف تدفق النفط عبر الممر الاستراتيجي، مما يخفف الضغوط التضخمية الدولية التي عانت منها الأسواق طيلة الأشهر الماضية نتيجة توقف حركة ناقلات النفط والغاز
ورحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالإعلان الرسمي معتبراً التوصل لهذا الاتفاق خطوة حاسمة وضرورية لإنهاء المعاناة الإنسانية وحل الصراع بالطرق السلمية، وأكد المتحدث باسم الأمين العام أن المنظمة الدولية تدعم إطار المفاوضات المستقبلية الرامية لإرساء وقف إطلاق نار دائم وشامل، مشدداً على أهمية التزام كافة الأطراف ببنود التفاهم والتعاون مع الوسطاء الدوليين لإنجاح الخطوات التنفيذية المقررة في المواعيد المحددة سلفاً
ومن جانبه عبر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي عن مساندة بلاده لهذا الاتفاق التاريخي مشيراً إلى أن أستراليا طالما دعت لإنهاء الصراع الدامي في المنطقة ولبنان، وحذر ألبانيزي من أن إطالة أمد الحرب كانت تزيد من التداعيات السلبية على الأمن والاقتصاد العالمي، مشدداً على ضرورة استمرار ضبط النفس والمشاركة البناءة من القوى الإقليمية لترسيخ بنود اتفاق أمريكا وإيران وضمان عدم العودة لمربع التوتر والتصعيد المسلح
وأكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الموقف البريطاني الواضح بشأن حتمية استعادة حرية الملاحة البحرية الدولية دون قيود أو رسوم جمركية في مضيق هرمز الحيوي، وجدد ستارمر في تصريحاته التشديد على الموقف الاستراتيجي للمجتمع الدولي الرامي لمنع طهران من امتلاك أي سلاح نووي تحت أي ظرف، معتبراً أن جولات التفاوض القادمة التي تمتد لستين يوماً يجب أن تحسم هذا الملف بشكل حاسم وصارم لضمان الأمن العالمي
ورحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالنجاح الدبلوماسي داعياً الأطراف لتنفيذ بنود الاتفاق فوراً وبشكل عاجل وغير مشروط لإعادة فتح الممرات المائية أمام السفن الدولية، وأعلن ماكرون عن استعداد البعثة البحرية الدولية المشتركة بين فرنسا والمملكة المتحدة لدعم إجراءات تأمين وحماية الملاحة في الخليج، مثمناً الجهود الكبيرة والوساطات المتعددة التي ساهمت في صياغة هذا التفاهم الذي يمهد الطريق لإنهاء الحصار الاقتصادي والبحري وبدء حقبة جديدة
التوجهات الاقتصادية وتفاصيل مسودة جنيف للمفاوضات المقبلة
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أكد في تصريحات سابقة أن مضيق هرمز المغلق فعلياً منذ شهور سيتم إعادة فتحه رسمياً لتتدفق شحنات الطاقة العالمية مجدداً، وأوضح ترامب أنه أصدر توجيهات مباشرة لإنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية لتسهيل بنود اتفاق أمريكا وإيران المرتقب توقيعه، معتبراً أن هذا الانجاز يمثل انتصاراً لسياسة الدبلوماسية القوية التي تحمي مصالح المستهلكين وتمنع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة
وفي برلين هنأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس ترامب والقيادة الإيرانية على هذا الإنجاز الدبلوماسي الكبير الذي يمهد لإنعاش الاقتصاد العالمي المتضرر، وطالب ميرتس بضرورة تنفيذ البنود المتفق عليها بكل دقة وبذل الجهود لتأسيس شرق أوسط أكثر أماناً واستقراراً لجميع الشعوب، معتبراً أن الحوار البناء هو السبيل الوحيد لتجاوز الخلافات العميقة وبناء شراكات اقتصادية وسياسية متينة قادرة على الصمود أمام التحديات الدولية المختلفة
وعبرت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي عن أمل بلادها الشديد في ضمان الملاحة الآمنة عبر الخليج والتوصل لاتفاقات نهائية وحاسمة بشأن الملف النووي والقضايا العالقة، وأشارت تاكايتشي إلى الأهمية الفائقة لمضيق هرمز بالنسبة لأمن الطاقة في اليابان ودول آسيا مما يجعل التنفيذ الفعلي لبنود الاتفاق مصلحة دولية مشتركة، داعية لاستغلال فترة الستين يوماً المقبلة لإحراز تقدم ملموس في صياغة المعاهدات الأمنية التفصيلية بين الجانبين
ووصف وزير الخارجية النيوزيلندي وينستون بيترز الاتفاق بأنه خطوة محورية وبناءة لتخفيف حدة التوترات الإقليمية التي هددت الأمن الاقتصادي والسياسي العالمي على مدار الفترة الماضية، وأكد بيترز أن الدبلوماسية والحوار المتواصل يظلان الوسيلة الأكثر فاعلية ونجاعة لمعالجة القضايا الشائكة والمعقدة بين الدول، معرباً عن دعم نيوزيلندا الكامل لكافة الجهود الرامية لإنجاح مسار التفاوض الشامل والوصول لتسوية مستدامة تنهي شبح الحروب والصراعات المسلحة المدمرة
وتشير التقارير الواردة من مصادر دبلوماسية إلى أن مسودة مذكرة التفاهم في جنيف تتضمن بنوداً تشمل الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة بالتزامن مع خطوات التهدئة، وتلزم الاتفاقية طهران بالحفاظ على الوضع الراهن لبرنامجها النووي والامتناع عن زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم طوال فترة المفاوضات، مما يثبت أن اتفاق أمريكا وإيران يمثل إطاراً متكاملاً يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار ليمتد نحو صياغة توازنات استراتيجية جديدة بالمنطقة




