أيد مجلس الشيوخ الأميركي تشريعاً جديداً يلزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف كافة الأعمال القتالية والعسكرية التي تخوضها القوات المسلحة في إيران، ويمثل هذا الموقف أحدث أوجه المعارضة والصدام المباشر من جانب أعضاء الكونجرس للرئيس المنتمي للحزب الجمهوري، حيث جاء هذا التصويت التاريخي ليعكس حجم الخلافات العميقة داخل المؤسسة التشريعية بشأن إدارة ملف السياسة الخارجية.
وحسب تقرير لشبكة سي إن إن الإخبارية صوت مجلس الشيوخ بغالبية خمسين صوتاً مؤيداً في مقابل ثمانية وأربعين صوتاً معارضاً للقرار المتعلق بصلاحيات الحرب، والذي كان مجلس النواب قد أقره في وقت مبكر من شهر يونيو الجاري، وهو ما يظهر القلق المتزايد حتى بين بعض أعضاء حزب ترامب الجمهوري إزاء هذه الحرب التي لا تحظى بشعبية واسعة والتي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
مواجهة تشريعية تاريخية حول صلاحيات الحرب
وتعد هذه الخطوة السياسية الجريئة هي المرة الأولى التي يقر فيها مجلسا الكونجرس قراراً مشتركاً يلزم رئيس الولايات المتحدة بسحب القوات المسلحة من الأعمال القتالية الجارية، وذلك على النحو المنصوص عليه تحديداً في قرار صلاحيات الحرب الشهير الصادر عام 1973، والمعروف على نطاق أوسع بين الباحثين والمراقبين باسم قانون صلاحيات الحرب، مما يضع إدارة ترامب في موقف قانوني وسياسي معقد للغاية.
ووفقاً لوكالة رويترز للأنباء فإن هذا التصويت سيظل على الأرجح رمزياً إلى حد كبير في ظل تمتع الجمهوريين بغالبية ضئيلة في كلا المجلسين، إذ جاءت نتائج تصويت مجلس الشيوخ متقاربة جداً بين الحزبين بعدما وافق عليه الديمقراطيون باستثناء عضو واحد، بينما انضم إليهم أربعة نواب من حزب ترامب في تأييد القرار وامتنع جمهوريان عن التصويت، ولم يتضح بعد تأثير ذلك على المفاوضات الجارية.
وبموجب الآليات المتبعة في قانون صلاحيات الحرب لا يحال مثل هذا القرار الصادر إلى البيت الأبيض للحصول على توقيع الرئيس، غير أن مؤسسة الرئاسة والبيت الأبيض يصران على أن مشروع القانون هذا يعد غير دستوري بالمرة، وبالتالي فهو غير ملزم للإدارة التنفيذية، مما يفتح الباب أمام جولة جديدة من النزاع الدستوري حول مدى أحقية ومكانة ترامب في توجيه العمليات العسكرية الخارجية.
أبعاد الخلاف القانوني والسياسي في واشنطن
وحسب تقرير لموقع لو فير القانوني فإن هذا الأمر لا يزال محل خلاف قانوني كبير ومن المرجح أن يحسم في أروقة المحاكم الأميركية، حيث أكد خبراء ومحللون أن السلطة التنفيذية ستتجاهل على الأرجح هذا القرار لأسباب دستورية ترتبط بصلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة، وليس من الواضح تماماً حتى الآن من يملك الحق القانوني في رفع دعوى قضائية لإنفاذ هذا التشريع ضد ترامب.
وكان مجلس النواب قد أقر التشريع ذاته في وقت سابق بدعم جمهوري ضئيل للغاية، وصوت المجلس لصالح القرار بغالبية مئتين وخمسة عشر صوتاً مقابل مئتين وثمانية أصوات، وجاء ذلك بعدما صوت أربعة نواب جمهوريين وجميع الأعضاء الديمقراطيين بالمواقفة، مما يوضح حجم الانقسام الحزبي والسياسي الكبير حول السياسات الحربية التي ينتهجها ترامب في منطقة الشرق الأوسط.
وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن هذا الحراك التشريعي يتزامن مع ضغوط دولية واقتصادية متزايدة على الساحة الإيرانية، حيث تسبب هجوم إلكتروني واسع النطاق في تعطيل البطاقات المصرفية لثلاثة بنوك إيرانية كبرى، مما زاد من تعقيد الأوضاع الداخلية هناك، في وقت تبدو فيه مسألة رفع العقوبات عن طهران والوصول إلى انفراجة كاملة طريقاً طويلاً وشائكاً يحتاج لكثير من التنازلات المشتركة.
تداعيات الصراع المفتوح وتوازنات القوى
ووفقاً لوكالة أسوشيتد برس فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت اعترف مؤخراً بتهريب أجهزة ستارلينك للمحققين والمتظاهرين داخل إيران لدعم الاحتجاجات، وهو ما يعكس تشابك الملفات الإقليمية، مما يجعل أي خطوة يتخذها الكونجرس لتقييد تحركات ترامب العسكرية بمثابة إعادة ترتيب للأوراق السياسية، وتأكيداً على رغبة المشرعين في ممارسة رقابة صارمة على القرارات الاستراتيجية الكبرى لمنع أي تصعيد غير محسوب.
ويرى مراقبون في واشنطن أن موافقة الكونجرس بمجلسيه على هذا القرار تمثل رسالة سياسية بالغة الأهمية تكشف عن تآكل الدعم المطلق لسياسات الرئيس الخارجية، وحتى في حال نجاح الإدارة في الالتفاف على القانون عبر الطعون القضائية، فإن الموقف يضعف مركز ترامب التفاوضي دولياً ويظهره في موقف المحارب الداخلي لإقناع مشرعي بلاده بجدوى الاستمرار في هذه المواجهة العسكرية الشاملة مع طهران.




