فجرت دراسة علمية حديثة مفاجأة بيئية من العيار الثقيل، كاشفة عن وجه جديد ومخيف لتبعات الاحتباس الحراري والتغير المناخي على كوكب الأرض.
وأظهرت الدراسة أن الأنهار حول العالم تفقد مخزونها من الأكسجين ببطء شديد ولكن بثبات، وهو ما ينذر بكارثة بيئية كبرى تهدد الثروة السمكية وكافة الكائنات الحية في المجاري المائية، وتحولها بمرور الوقت إلى مستنقعات بيئية تفتقر لأشكال الحياة الأساسية.
دمج الأقمار الصناعية بالذكاء الاصطناعي: مسح شامل لـ 21 ألف نهر
وفي تفاصيل الجهد البحثي غير المسبوق، نجح فريق من الباحثين في الصين في استخدام تكنولوجيا دمج البيانات المستمدة من الأقمار الصناعية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وذلك لتتبع وتحليل مستويات الغاز الحيوي في أكثر من 21 ألف نهر يمتد عبر قارات العالم المختلفة، مغطين فترة زمنية طويلة وممتدة منذ عام 1985 وحتى اليوم.
ووفقاً للدراسة التي نُشرت في مجلة "ساينس ادفانسيز" (Science Advances) المرموقة، وجد العلماء أن مستويات الأكسجين الذائب في مياه الأنهار انخفضت بنسبة بلغت في المتوسط 2.1\% منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ورغم أن هذه النسبة قد لا تبدو ضخمة أو مقلقة للوهلة الأولى في نظر البعض، إلا أن الباحثين أكدوا أن هذا الانخفاض يتراكم تدريجياً، ويحمل تأثيراً تراكمياً مدمراً على النظم البيئية المائية على المدى الطويل.
فيزياء المياه الدافئة: كيف يهرب الأكسجين إلى الغلاف الجوي؟
واستند العلماء في تفسيرهم لهذه الظاهرة الخطيرة إلى قواعد الكيمياء والفيزياء الأساسية والراسخة؛ والتي توضح أن قدرة المياه على الاحتفاظ بالغازات الذائبة تتناسب عكسياً مع درجات حرارتها. وبناءً على ذلك، فإن المياه الأكثر دفئاً — وهو الوضع الذي يتشكل حالياً بفعل ظاهرة التغير المناخي الناتجة عن الأنشطة البشرية والانبعاثات الكربونيّة — تحتفظ بكميات أقل بكثير من الأكسجين، وتدفعه للافلات والتحرر والإنطلاق صوب الغلاف الجوي بدلاً من البقاء في الماء.
وحذر الباحثون من أنه في حال استمرار معدل فقدان الأكسجين الحالي دون كبح جماح الانبعاثات، فإن أنهار العالم ستفقد في المتوسط 4\% إضافية من الأكسجين بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين الحالي، وقد تقترب النسبة في بعض الحالات الحرجة من حاجز 5\%.
كابوس "المناطق الميتة" يهدد أمريكا والهند والمناطق الاستوائية
وفي هذا السياق، أعرب المؤلف الرئيسي للدراسة، عالم البيئة في الأكاديمية الصينية للعلوم في نانجينغ، "تشي جوان"، عن قلقه البالغ من وصول ظاهرة "إزالة الأكسجين" إلى مستويات حرجة تفوق قدرة الكائنات البحرية على التكيف. وأوضح "جوان" أن استمرار هذا التدهور قد يؤدي بحلول نهاية القرن إلى إنشاء "مناطق ميتة" شاسعة وخانقة للأسماك، لاسيما في أنهار شرق الولايات المتحدة، والهند، وعبر جميع المناطق الاستوائية.
ويشعر العلماء بالرعب من تكرار السيناريوهات المأساوية التي حدثت بالفعل في مسطحات مائية كبرى مثل خليج المكسيك، وخليج تشيسابيك، وبحيرة إيري؛ حيث انخفضت مستويات الأكسجين فيها إلى درجات دنيا جعلت الأسماك والكائنات المائية تكافح من أجل التقاط أنفاسها وتوفى جماعياً، وهو ما يهدد بانهيار كامل لسلاسل الغذاء، ويلحق ضرراً باللغة بملايين البشر والشركات والصيادين الذين يعتمدون على هذه الأنهار كمصدر رئيسي للدخل والغذاء حول العالم.




