كثيرًا ما تساعدنا الرائحة على استحضار صور وذكريات وحتى أشخاص بعينهم. ربما تشم رائحة أكلة ما فتردك في لحظة عشرات السنوات إلى الوراء، ويمكن لعطر ما أن يرسم في خيالك فورًا صورة حبيب سابق أو شخص عزيز تفتقده. ولكن ماذا لو تمكننا من رؤية الرائحة نفسها؟ بمزيج من العلم والفن نجح الفنان النمساوي سيدهارتا كونتي في فك شفرة واحدة من أكثر الحواس غموضًا وتحويلها إلى تجربة بصرية تشعر وكأن بإمكانك لمسها، من خلال عمله الفني المشارك في معرض "آرت دبي 2026" باسم "الحمض النووي للعودDNA of Aoud طارحًا على الزوار سؤالاً مباشرًا يداعب مخيلتهم: ماذا لو تمكنت من رؤية الرائحة؟

اللوحة خلال عرضها بالمعرض
العمل الأحدث للفنان "DNA of Aoud"، يستند إلى فكرة تحويل الرائحة إلى شكل مرئى من خلال تفكيك التركيب الجزيئى للعطر وترجمته رقميًا. وقد ركز في عمله المختار للمشاركة في آرت دبي 2026 على العود باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية فى المنطقة، حيث يحاول من خلال العمل الحفاظ على ما يسميه "التراث الشمى" بوصفه أرشيفًا حيًا للمشاعر والذاكرة والثقافة.
ورغم أن العالم نجح منذ سنوات طويلة فى تحويل الصور إلى وحدات رقمية، والأصوات إلى أكواد، وحتى تجربة اللمس حولها إلى تقنيات تفاعلية، ظلت الرائحة لوقت طويل عصية على الترجمة الرقمية. السبب في ذلك يعود إلى التعقيد الهائل في تكوينها، فهناك آلاف الجزيئات التي تنتج ملايين التركيبات العطرية المختلفة، كما أن البشر لا يدركون الروائح بالطريقة نفسها، إذ يمتلك الإنسان نحو 400 مستقبل شمي تختلف استجابتها من شخص لآخر وفقًا للبيئة والتجربة الشخصية.

سيدهارتا كونتي
هذا التعقيد لم يمنع شركات عالمية من محاولة فك شفرة الشم، فقد ذكر تقرير لمجلة "Rolling Stone " أن شركات مثل Google تعمل على تطوير أبحاث مرتبطة بالإدراك الحسى، بينما تستخدم علامات تجارية عالمية الروائح كجزء من بناء التجربة الخاصة بعلامتها التجارية.
لكن فى الجانب الفنى، تبدو المحاولة أكثر شاعرية وإنسانية. فبعض الفنانين استخدموا الروائح كوسيط فنى داخل المتاحف والمعارض، بينما بدأت مؤسسات ثقافية كبرى فى إدخال الروائح إلى معارضها لتقديم تجارب أكثر غمرًا وتفاعلاً، خاصة لجيل الشباب، مثل معرض "مارى أنطوانيت" فى متحف فيكتوريا وألبرت.

لوحة
ولكن الفنان النمساوي كونتى فيذهب خطوة أبعد، إذ لا يكتفى باستخدام الرائحة داخل العمل الفنى، بل يحاول إظهارها بصريًا. وطريقته تعتمد على تحليل المكونات الكيميائية والجزيئية للعطر وتحويلها إلى منحوتات رقمية تحاكى تعقيد الرائحة وبنيتها الداخلية المخفية.
وفي ركنه اللافت بمعرض "آرت دبي 2026" خاطب الفنان حاستي الشم والبصر في اللحظة نفسها، إذ تتوفر في المعرض، أمام اللوحة التي تحلل رائحة العود بصريًا زجاجة من العطر نفسه، وبطاقات عطرية لتوفير تجربة متكاملة للزوار، بالإضافة إلى تجسيد المنحوتة الرقمية نفسها بتقنية الهولوجرام لتشعر وكأنه حتى بإمكانك لمسها.

