بين أروقة اللجان التشريعية في مجلسي النواب والشيوخ، كان ملف الزواج العرفي واحدًا من أكثر الملفات الشائكة التي تطلبت تدخلًا جراحيًا دقيقًا في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2026.
فالقانون لا يسعى لتشجيع هذه الزيجات التي تفتقر للغطاء الرسمي، ولكنه في الوقت ذاته لا يمكنه غض الطرف عن مئات الآلاف من الأسر والأطفال الذين نتجوا عنها وباتوا في أمسّ الحاجة لغطاء قانوني يحمي مستقبلهم، وجاءت الفلسفة التشريعية الجديدة لتضع حدًا لحالة "السيولة" في عقود الزواج العرفي، موازنةً بين ضرورة استقرار المجتمع الرسمي، وبين حماية الأطراف الأضعف (خاصة الأطفال).
نستعرض في هذا التقرير، كيف تعامل القانون مع شروط التوثيق وإثبات الحقوق.
فترة سماح انتقالية وإثبات النسب
لم يغلق القانون الباب فجأة في وجه من تورطوا في زيجات عرفية سابقة، بل اعتمد مبدأ التقنين التدريجي، وتضمنت النقاشات منح فترة سماح انتقالية (تُحدد مدتها اللائحة التنفيذية) للمتزوجين عرفيًا للتقدم إلى الجهات الرسمية أو محاكم الأسرة لتوثيق عقودهم والمصادقة عليها وتحويلها إلى زواج رسمي معترف به، دون توقيع غرامات أو عقوبات عليهم، وذلك كخطوة لتشجيع المواطنين على الدخول تحت مظلة الدولة وإغلاق هذا الملف المعلق.
الفصل الأهم في هذا التشريع هو فصل حقوق الطفل عن أخطاء الآباء، وأكد القانون الجديد بشكل قاطع أن إثبات نسب الطفل لأبيه حق أصيل لا يعيقه كون الزواج عرفيًا.
وإذا أنكر الزوج نسب الطفل الناشئ عن علاقة زوجية عرفية، يحق للزوجة اللجوء فورًا لمحكمة الأسرة لإثبات العلاقة بكافة طرق الإثبات المتاحة (شهادة الشهود، الرسائل، أو العقد العرفي ذاته إن وُجد)، مع إلزام الزوج بإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA)، ويعتبر امتناعه عن إجراء التحليل قرينة ضده يملك القاضي بموجبها إثبات النسب بالقوة الجبرية واستخراج الأوراق الثبوتية للطفل.
الحقوق المالية للزوجة وزواج القاصرات
اعتمد المشرع سياسة العصا والجزرة للحد من الزواج العرفي مستقبلًا. فالقانون ينص بوضوح على عدم سماع دعاوى الزوجية (مثل المطالبة بالنفقة، أو مؤخر الصداق، أو نفقة المتعة، أو تقاسم الميراث) بناءً على عقد زواج عرفي غير موثق رسميًا.
بمعنى أن الزوجة التي تقبل بالزواج العرفي تتنازل ضمنًا عن الحماية القانونية لحقوقها المالية، الاستثناء الوحيد هو دعوى إثبات النسب والتطليق (إن أثبتت وجود العقد)، وذلك لدرء الضرر عنها وعن أبنائها، لكن دون أن تُلزم المحكمة الزوج بأي أعباء مالية تجاهها شخصيًا.
كما أغلق القانون الباب الخلفي الذي كان يُستخدم للتحايل على سن الزواج، حيث نص التشريع على عدم الاعتراف بأي عقد زواج عرفي (أو إتاحة فرصة لتوثيقه لاحقًا) إذا كان أحد الطرفين دون السن القانونية المقررة للزواج وقت تحرير العقد.
وامتدت يد القانون لتطول كل من شارك في تحرير هذه العقود (سواء كان محاميًا أو شخصًا عاديًا أو شهودًا) بعقوبات جنائية تصل للحبس، بتهمة الاشتراك في جريمة تزويج قاصر والتلاعب بالقيود الرسمية للدولة.



