أخبار عاجلة

عودة إلى فاروق حسني.. دروس البقاء في قلب العاصفة

عودة إلى فاروق حسني.. دروس البقاء في قلب العاصفة
عودة إلى فاروق حسني.. دروس البقاء في قلب العاصفة

ليست كل الحوارات مجرد أحاديث عابرة تستهلكها اللحظة ثم تمضي، هناك حوارات تتحول إلى وثائق، وشهادات تكتسب قيمتها لا مما تقوله عن أصحابها فقط، بل مما تكشفه عن عصر كامل عاشوه وصنعوا بعض ملامحه. 
ومن هذا النوع كان الحوار المطول الذي أجراه الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، مع الإعلامي والكاتب الصحفي الأستاذ عبد اللطيف المناوي في بودكاست "رؤية أخرى" والذي أذيع منذ أيام قليلة.
لقد كتبت عن الفنان الأستاذ فاروق حسني كثيرًا في الفترة الماضية، وكتبت عن رحلته وتجربته ومعاركه وإنجازاته، لكن بعض الشخصيات لا تنتهي الكتابة عنها، لأنها ببساطة لا تتوقف عن منحك زوايا جديدة للتأمل والفهم، وكلما تحدثت هذه الشخصيات، خرجت من حديثها أسئلة جديدة، ووقائع جديدة، وحقائق ظلت سنوات طويلة حبيسة الأدراج أو رهينة الروايات المتضاربة.
لهذا شعرت وأنا أستمع إلى هذا الحوار الممتد لما يقرب من ساعتين أنني لا أتابع سيرة وزير سابق، وإنما أتابع شهادة رجل يقف الآن في منطقة مختلفة تمامًا من العمر والزمن... رجل لم يعد يطلب منصبًا، ولا يسعى إلى مكسب سياسي، ولا ينتظر ترقية أو نفوذًا أو مكافأة. رجل لم يعد بينه وبين الحقيقة سوى ذاكرته وتجربته الطويلة. 
وهنا تكتسب الشهادة قيمتها الحقيقية.  
فالإنسان حين يكون في قلب المعركة قد يضطر إلى الصمت أحيانًا، أو إلى المناورة أحيانًا أخرى، أما حين يغادر المعركة ويصبح شاهدًا عليها، فإن كلماته تتحول إلى مادة خام لفهم التاريخ نفسه.
استمتعت كثيرًا بالرحلة التي حكاها الفنان فاروق حسني منذ سنواته الأولى، منذ ذلك الفتى الذي لم يكن يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وحتى أصبح أحد أطول الوزراء بقاءً في موقعه في تاريخ مصر الحديث، لكن ما استوقفني أكثر من الذكريات الشخصية هو تلك الدروس السياسية والثقافية والإدارية العميقة التي حملها الحوار بين سطوره.
أول هذه الدروس كان مفهوم الحرية ذاته.
ففي زمن كانت الدولة تُتهم فيه دائمًا بالسعي إلى السيطرة على المجال الثقافي، جاءت حكاية الكاتب الصحفي الكبير الراحل صلاح عيسى لتقدم نموذجًا مختلفًا يستحق التوقف أمامه، ولم يكن صلاح عيسى محسوبًا على السلطة، ولم يكن صاحب فكر حكومي أو صوت رسمي، كان يساريًا معارضًا بطبيعته الفكرية، وصاحب قلم مشاغب ومشاكس، ومع ذلك اختاره فاروق حسني لرئاسة تحرير جريدة القاهرة الناطقة باسم وزارة الثقافة، ورئاسة مجلس إدارتها منذ عام 2000م، وحتى رحيله في ديسمبر عام 2017م.
الأهم من الاختيار نفسه، ما كشفه الحوار عن فلسفة الرجل في إدارة الثقافة، فعندما سأل صلاح عيسى الوزير عن الخطوط الحمراء التي يجب أن يلتزم بها، كانت الإجابة لافتة وعميقة في آن واحد: "هذه الخطوط داخلكم أنتم".
لم يقل له ممنوع كذا أو مسموح بكذا، ولم يفرض قائمة تعليمات أو حدودًا للنشر. بل ترك للمثقفين مسؤولية الحرية نفسها، وهنا يظهر الفارق بين مسؤول يدير الثقافة باعتبارها جهازًا بيروقراطيًا، ومسؤول يرى الثقافة مجالًا حرًا لا يزدهر إلا بحرية أصحابه.
والنتيجة كانت أن جريدة القاهرة خرجت من كونها مجرد مطبوعة ثقافية محدودة التأثير إلى صحيفة تتابع الشأن العام المصري من زاوية الثقافة، وتفرض حضورها على المشهد العام كله.
الأكثر أهمية أن الوزير فاروق حسني كشف أيضًا عن إعجاب الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بتجربة صلاح عيسى، وحرصه على لقائه أكثر من مرة، وهي شهادة تضاف إلى شهادات أخرى كثيرة تروي جانبًا مختلفًا من علاقة الدولة بالمثقفين في تلك المرحلة، بعيدًا عن الصور النمطية الجاهزة التي اختزلت سنوات طويلة في عناوين سياسية مختصرة.
ومن بين أكثر ما شد انتباهي أيضًا حديث الفنان فاروق حسني عن الاستقالات الثلاث التي تقدم بها خلال فترة وجوده في الوزارة، فالاستقالة في حياة المسؤول ليست ورقة إدارية فقط، وإنما تعبير عن حدود القبول وحدود الكرامة وحدود القدرة على الاستمرار.
أحد هذه المرات، جاءت نتيجة صدام خفي وطويل مع وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف، وقد كشف الحوار عن جانب مهم من هذا الصراع يتعلق بطريقة تعامل الإعلام الرسمي مع إنجازات وزارة الثقافة، وكان فاروق حسني يرى أن ما تنجزه الوزارة لا يجد التغطية التي يستحقها، بل كان يتم دفع أخبارها إلى ساعات متأخرة من الليل، وكأن الثقافة نشاط هامشي لا يهم المواطنين.
وتحدث الأستاذ فاروق حسني عن معرض القاهرة الدولي للكتاب في احدى دوراته والتي أعتذر فيها الرئيس مبارك عن افتتاحه كعادته لظروف ما، ووقتها دعا وزير الثقافة الدكتور كمال الجنزوري لافتتاحه، وحضر الافتتاح صفوت الشريف، ولاحظ فاروق حسني أن الجنزوري دائم الاهتمام 
ولأنني عاصرت جانبًا من هذه المرحلة، أتذكر جيدًا واقعة شخصية تؤكد ما قاله الوزير، ففي معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2001م، صدر لي كتاب بعنوان "زعماء على فراش المرض.. أسرار لم تنشر من قبل"، وخصصت له الهيئة المصرية العامة للكتاب ندوة "كاتب وكتاب"، وهي من الندوات المهمة التي كانت تُمنح للأعمال التي ترى الهيئة أنها أحدثت أثرًا حقيقيًا.
بعد الندوة تلقيت اتصالات من وكالات أنباء عالمية كبرى لتغطية الكتاب ومناقشة ما ورد فيه، كما علمت لاحقًا من الناشر أن نسخًا منه وصلت إلى مكتبة الكونجرس الأمريكي بناءً على طلبها، بل بدأت بالفعل مناقشات لتحويله إلى مشروع وثائقي عبر قنوات إعلامية مختلفة، منها الجزيرة الوثائقية وقناة النيل للأخبار  بقطاع الفضائيات المصرية، لكن هذا المشروع لم يتم في أي من الجهتين نظرا لحساسية موضوعه، خاصة وأنه كان يتناول تفاصيل الرحلات المرضية لبعض الرؤساء العرب، وكل هذا بالطبع يعكس أهمية الكتاب الذي كان حدثًا مهمًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب في ذلك العام.
ورغم هذا كله فوجئت ذات ليلة باتصال من أحد الزملاء في الثانية صباحًا تقريبًا يخبرني أن التلفزيون المصري يعرض تقريرًا عن الندوة والكتاب... كان حدثًا ثقافيًا حظي باهتمام دولي، لكنه في مصر يذاع قرب الفجر بينما الناس نيام.
لذلك لم يكن حديث الوزير فاروق حسني عن تهميش التغطية الإعلامية للثقافة مجرد انطباع شخصي منه، بل كان واقعًا عاشه كثيرون، وأنا شاهد عليه.
ومن بين السطور شعرت أيضًا أن جانبًا من التوتر الذي شاب العلاقة بين الوزير فاروق حسني والوزير صفوت الشريف لم يكن بعيدًا عن طبيعة الدور الذي لعبه كل منهما، فمنذ ثورة يوليو ارتبط الحضور الجماهيري والضوء الإعلامي غالبًا بوزارة الإعلام أكثر من أي وزارة أخرى، ومع صعود مشروع ثقافي واسع ومؤثر قاده فاروق حسني، أصبح وزير الثقافة يحظى بحضور استثنائي لم يكن مألوفًا لمن يشغل هذا المنصب.
وربما كان ذلك سببًا إضافيًا لحساسيات سياسية وإنسانية لا تخلو منها أي سلطة في أي مكان.
أما الاستقالة الثانية فكانت الأكثر إنسانية، وجاءت عقب حريق مسرح بني سويف المروع، حين رأى الوزير بنفسه آثار الكارثة وجثامين الضحايا المتفحمة، ولم يتحدث يومها بلغة المسؤول الذي يبحث عن مبررات قانونية، وإنما بلغة الإنسان الذي شعر بمسؤولية أخلاقية وأدبية تجاه ما جرى... ولهذا قدم استقالته، لكن الرئيس مبارك رفضها مؤكدًا أن المسؤولية التنفيذية المباشرة تقع على جهات أخرى داخل منظومة الإدارة المحلية والهيئات المختصة.
كانت لحظة تكشف الفارق بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الأخلاقية، وبين ما يفرضه القانون وما يمليه الضمير.
أما المعركة الثالثة فكانت من أعنف المعارك الفكرية التي شهدتها الحياة العامة المصرية في العقود الأخيرة... أزمة الحجاب!
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع رأي الفنان فاروق حسني، فإن أهمية الواقعة لا تكمن في الرأي ذاته بقدر ما تكمن في حجم العاصفة التي تعرض لها بسبب هذا الرأي، فقد تحول تصريح واحد إلى حملة سياسية وبرلمانية وإعلامية ضخمة، شاركت فيها تيارات مختلفة، وارتفعت خلالها الأصوات المطالبة بإقالته.
لكن ما يكشفه الحوار أن الوزير لم يكن يتحدث عن قطعة قماش بقدر ما كان يتحدث عن مشروع فكري كامل، كان يرى أنه يسعى إلى تغيير طبيعة المجتمع المصري وهويته الثقافية عبر أدوات دينية وسياسية متشابكة.
ومن هنا يمكن فهم المعركة في سياقها التاريخي الأوسع، باعتبارها جزءًا من المواجهة الطويلة بين الدولة المدنية والتيارات الدينية التي سعت إلى توسيع نفوذها داخل المجال العام.
وهي مواجهة لم تبدأ مع أزمة الحجاب، ولن تنتهي عندها، فقد سبقتها معارك عديدة، من بينها الأزمة الشهيرة لرواية "وليمة لأعشاب البحر"، وغيرها من المواجهات التي وجد فيها فاروق حسني نفسه دائمًا في موقع المدافع عن حرية الإبداع في مواجهة حملات التكفير والمصادرة والمنع.
ولعل أجمل ما جاء في الحوار كله ذلك التفريق الذكي بين "المثقف" و"المثقِّف"، فليس كل من يمتلك المعرفة قادرًا على نقلها، وليس كل قارئ أو كاتب أو فنان يستطيع أن يصنع الوعي لدى الآخرين، فهناك فرق بين امتلاك الثقافة، وامتلاك القدرة على تحويلها إلى طاقة تغيير داخل المجتمع.
كذلك أعجبتني رؤيته للفارق بين الخيال والتطبيق، حين قال إن الخيال غالبًا ما يكون أوسع من التطبيق، لكنه في تجربة المتحف المصري الكبير شعر أن التطبيق تجاوز الخيال نفسه، وهي فكرة عميقة تكشف فلسفة الرجل في الإدارة.. الحلم أولًا، ثم بناء الآلة القادرة على تحويل الحلم إلى واقع.
ولهذا تحدث أيضًا عن مفهوم "الآلة الثقافية"، باعتبارها المنظومة التنفيذية التي تنقل الأفكار من الأوراق إلى الشارع، ومن التصورات إلى المؤسسات، ومن الأحلام إلى المشروعات، وهي فكرة ربما تفسر جانبًا كبيرًا من بقائه في موقعه نحو ربع قرن، فالوزراء لا يبقون بسبب الأفكار وحدها، وإنما لأن لديهم القدرة على تحويل الأفكار إلى واقع يراه الناس ويلمسونه.
لكن الدرس الأهم الذي خرجت به من هذا الحوار كله أن المسؤول الذي يؤمن حقًا برسالته، ويحقق إنجازات ملموسة، ويشعر الناس بأثر ما يفعله، يصعب أن تهزمه المؤامرات الصغيرة أو المناورات العابرة.
ثلاث مرات قدم الرجل استقالته.
وثلاث مرات رفضت.
بل إنه يروي أن الرئيس مبارك قال له في إحدى المرات: نحن إخوة... ولا أريد أن أسمع هذا الكلام مرة أخرى.
كانت عبارة تحمل في جوهرها اعترافًا بقيمة الدور الذي يؤديه الرجل، وبأن الدولة كانت ترى في بقائه ضرورة لمشروعها الثقافي.
لقد أعجبني كثيرًا أيضًا حديث فاروق حسني عن الرئيس الراحل حسني مبارك والسيدة سوزان مبارك، وما قدمه من شهادات تتعلق بدعمهما للمشروعات الثقافية الكبرى.
وسواء اتفق البعض أو اختلف مع هذه الشهادات، فإن قيمتها أنها تأتي من رجل كان في قلب دوائر صنع القرار، وعاش الأحداث بنفسه، لا من مراقب بعيد أو راوٍ ينقل عن الآخرين.
ولهذا فإن شهادته تظل جزءًا مهمًا من عملية إعادة قراءة تلك المرحلة وفهمها بعيدًا عن المبالغات والأساطير والشائعات التي تراكمت حولها عبر السنوات.
وفي النهاية، لا أظن أن القيمة الحقيقية لهذا الحوار تكمن فقط فيما كشفه من أسرار، ولا فيما أعاد إحياءه من ذكريات، بل فيما قدمه من دروس.
دروس في الإدارة، وفي الثقافة، وفي الصبر، وفي مواجهة العواصف.
ولهذا أرى أن أمثال هذه الشهادات يجب أن تُسمع جيدًا.
فالأمم التي لا تنصت إلى أصحاب التجارب تضطر دائمًا إلى تكرار أخطائها.
والكبار الذين صنعوا الأحداث أو كانوا جزءًا منها يقفون اليوم على مسرح الحقيقة في أكثر حالاته نقاءً؛ لا يسعون إلى منصب، ولا ينتظرون مكسبًا، ولا يدافعون عن مستقبل شخصي.
لقد عبروا منطقة المصالح، وبقيت التجربة.
ولهذا يصبح الاستماع إليهم ضرورة معرفية، لا مجاملة شخصية.
ففي زمن يكثر فيه الصخب، تبقى شهادات أصحاب الخبرة واحدة من آخر النوافذ المفتوحة على الحقيقة.