كان من الصعب أن تكذب أذناى هذه «البسبسة» الكامنة فى قاع ذاكرتى، خاصة وقد تبعها نفس الصوت مصحوبًا باسمى وبنفس اللثغة الخفيفة متبوعة بـ«أفندم» خشنة، كان يتردد صداها طوال اليوم فى خط هاتف التحويلة بموقع الصواريخ. لم ألتفت بعناد غريب، رافضًا.. ربما لأنى فى هذه الأيام أتشكك فى كثير مما تدلنى عليه حواسى، بدءًا من مخايلات نظارتى السميكة التى تزهقنى، وحتى لخبطات فى التقاط حديث وأصوات طلابى، لكنها والحمد لله قد انتهت، فأنا اليوم فى أول أيام المعاش. ترى ما هذه البسبسة؟ يدٌ معروقة امتدت تحمل عنى الكيس الكبير الملون، الذى أحضرته معى اليوم، وعبأت فيه دفاترى وبقايا أغراضى من مكتبى بالمدرسة، وبيدى الأخرى حقيبتى التاريخية، لم يكن من بُدْ.. توقفتُ أرى ظهره منحنيًا إلى جوارى، اعتدل ينظر إلى قابضًا بيده على الكيس وقد تركته من فرط الدهشة، بابتسامته البريئة لم أنتبه لما يقول بين الأحضان والسلامات، لكنى أذكر أنه يسكن هنا فى هذا الحى، كما قال لى فى حفل وداعى فى نهاية خدمتى، وتذكرتُ هذا أيضًا عندما جئت هنا بعده بعدة أيام لأتسلم عملى كمُعلم فى المدرسة العريقة.
رقيب أول سمير عبدالفتاح، أو باشاويش سمير رقيب أول فصيلة وقود الصواريخ، مساعدى أو لِنقُل شريكى فى المعمل، لتجهيز العينات من البراميل القديمة لفحصها، وفيما بعد تمكنا بعد دراسات كيميائية مع أساتذة فى الجامعة من إصلاح ما يمكن، ثم فى مرحلة لاحقة تصنيع جديد بكفاءة، تدمع عيناى كلما تذكرت جنودى يستخرجون العينات بطريقة بدائية «كوز صفيح مربوط بسلك» وتتصاعد حولهم أبخرة مميتة للنيتروجين، لاهتراء خراطيم الطلمبات الصدئة وتعطلها «مكتوب عليها ١٩٤٤ أى الحرب العالمية». ربّتَ على ذراعى، التفتُ إليه بينما يتحدث بصوته الخفيض، هو نفس العود النحيف حد الجفاف، وقد ابيض شعره تمامًا بصلع خفيف فى المنتصف، كنتُ أداعبه فى خطوته الواسعة «سيقع بنطلونك لولا القايش-الحزام العريض» يقود جنود فصيلتنا خارجين من أرض الطابور باتجاه معاملنا، «يبسبس» بخفة للجندى المخالف فى الخطوة لينتبه، فعينا الصول محروس كالصقر. قبضتُ على ذراعه كما لو كنت أمسك بزمانٍ ينفلت، ويعطى إشارات مبهمة حول مفهوم الصدفة، قرأ هذا فى عينىّ، فبيننا أحاديث مطولة فى تلك الأيام التى أحاطت بالحرب والمهمة الثقيلة فى تجهيز الصواريخ، بالارتحال فى مأموريات إلى أماكن متفرقة بالمعدات، لفحص العينات والصلاحية، على أن نعود ببعض العينات إلى وحدتنا الأصلية. ما زال يفهمنى، أشار إلى ذلك المقهى الذى كنت أتجنبه، لأن طلابى المفسودين كانوا رواده، يبتسم.. دخلت وراءه متمهلًا أقول له: «أنا أول يوم معاش يا أبوسمرة». جلسنا متواجهين مثل تلك الأيام زمان، عند رصد نتائج العينات وإضافة دوائر حمراء، ضحك عندما سألته عن «قلمه الأحمر»، قال إنه يعرف أننى هنا فى المدرسة من زمان، لأن أقاربه وجيرانه فى الحى كانوا يذكرونى فى البيوت، وقبل أن أعاتبه على عدم زيارتى، ضغط برفق على ذراعى، ينظر فى عينى محزونًا، بدا كلامه رسميًا: «فاكر كلامك معانا يا أفندم فى الهنجر يوم السادات ما كان نازل من الطيارة فى مطار بن جوريون».. صمتُ أنظر إليه، لأن اليوم ده محفور فى ذاكرتى، كنا طوارئ، وجهاز التليفزيون فى ميس «سكن» الضباط عطلان، فذهبنا إلى هنجر الجنود الواسع وجلسنا بينهم، وأحاديث وآراء تتخبط، ولم نتمكن من استكمال المشهد بسبب نوبة هيستيريّة أصابت الصول الرشيدى، يسب ويلعن لأنه يترقب الانتقام، ولم يشفِ غليله بعد، قاطع مخيلتى باسمًا يقول: «طبعًا افتكرت الرشيدى! بعد معاهدة السلام بشوية حضرتك حضرت معانا دفعة صواريخ فرنسية، قلت له: «ده كان سبب سماحهم بخروجى» رد بسرعة: «كان تبديل وإحلال، لكن بدأ إرسال صواريخنا القديمة للعراق فى حربه مع إيران»، أفلتت منى صيحة إعجاب: «يعنى إحنا أبطال نصر العراق!» ضحك بمرارة: «مش أوى كده، صدرت أوامر نَخرُج من الخدمة بمكافآت، نسافر مدنيين مع الصواريخ، فلوس وغُربة وسخافة»، صمتُ، ولاحظتُ خلو أصابعه من أى علامة زواج، لمحنى: «رجعتُ، عينونى فى المصانع الحربية فى أسوأ حالاتها، فشاركتُ واحد قريبنا فى محل بالقرب من هنا»، لم أتطرق إلى أمور شخصية فهو مرهف الشعور، ودائمًا كان يتجنب المشاكل، فرحتُ أتذكر معه حكاياتنا المضحكة حول الجنود ومقالبهم، ابتسم وفاجأنى «عارف يا أفندم بعدك بحوالى ثلاث سنين، من جاء إلينا فى الوحدة برتبة ضابط؟» خمِّنت بسرعة غير مصدق «شديد؟»، ابتسم بغموض مؤمِّنا على توقعى: «فعلًا، جاء ضابطًا، بغلاسة زيادة. ومَضَتْ فى رأسى علاقتى به التى غلب عليها الإعجاب برقيب أول الأسلحة الصغيرة بالوحدة، كانوا يصفونه بأنه «عسكرانى» لشدة انضباطه واعتداده بنفسه ومظهره ولياقته، والأهم شدة تعلقه بالبنادق، فهو الوحيد الحاصل على فرقة متخصصة فى صيانتها وضبطها، ونجدها دائمًا جاهزة لأى تدريب، وكانت رائحة غرفته- السلاحليك- هى رائحة زيوت البنادق؛ لأنه كان ينام إلى جوارها على بوابة الوحدة، ويشرف وجنود فصيلته على بقيتها وذخيرتها بمخزن بالداخل أسفل خزان المياه. كان ممشوق القوام ولاعب كرة مُجيدًا، فكان تعارفنا يوم خرج معتذرًا عن إكمال مباراة: «عندى مذاكرة»، أثار فضولى بطموحِه، فعرفتُ منه أنه يستعد لاستكمال تعليمه الثانوى لدخول الجامعة.
سألته متضاحكًا: «كيف عرفتنى يا أبوسمرة بعد أكثر من ثلاثين سنة؟» ابتسم ابتسامته الخجولة: «لم تتغير تقريبًا يا أفندم، نفس حركة الشنطة فى المشى- خفض صوته- بس زادت الصلعة، لكنها كانت بدأت عندنا بسبب المياه، فاكر؟» فعلًا كنا نُقطِر الماء بجهاز تقطير بدائى، لتجارب معامل التحليل، وننتظر فنطاس ماء صباح كل يوم لماء الشرب والمطبخ، يذكرنى بحديث مع طاقم المعمل حول مياه آبار نستخدمها فى هذا المكان، وأنها «ماء عَسِر ولا ترغى الصابون، وتحتوى أملاحًا ضارة وتقصف الشعر، ويقع»، ضحكنا: «ومن ساعتها، لكن كلمنى عن (عَودة شديد)» راحت ابتسامته تبهت، كنت أعرف أنهما متنافسان بحكم أنهما على نفس الدرجة، وربما متقاربان فى الدفعة، وكنت ألحظ غيرة ما على سمير من تقاربى إلى شديد بعد أن توثقت علاقتنا منذ يوم مباراة الكرة، بسبب استعداده للامتحانات.
اعتدل ينظر فى عينى فجأة، نفس نظراته وقت تلقين أوامر جديدة، قال بصوت خفيض: «أصرّ على حجرة حضرتك بغلاسته، ومعظم الموجودين لا يعرفونه، وكل ليلة خدمة- نباطشية- له ينادينى من التحويلة، أسهر معه فى نفس حجرتك؛ لأنه أصبح ضابط الوقود الجاف، ويجلس إلى مكتبك!.. ونحكى».
لم يدهشنى أن أصبح ضابطًا، ولا أنه فى نفس التخصص بعد تطويره.. ما أدهشنى هو إصراره على حجرتى ومكتبى! لاحقنى أبوسمرة: «حتى الأرفف خلف كرسى المكتب! كان يشير إلى الرف ويقول لى اسم الكتاب كان هنا، أنا فاكر شوية اتكلمنا عنها أيام الطوارئ، غلاف أحمر عليه ناس كتير بالأسود، مرعوبين، مكتوب عليه «عشرة أيام هزت العالم»، وكتاب تانى كان هو فيلم طروادة، افتكرتك لما اتفرجت عليه.. سرح رأسى إلى حفنة الكتب التى كنت أصطحبها لتؤنسنى فى أيام الطوارئ الطويلة، لكن ما مدلول ظهور سمير اليوم بالذات ؟ وحكاياته تنقذنى من حالة لا أفهمها. ينظر إلىّ بتركيز، قاطع تفكيرى: «لكن الكتاب الضخم المليان خرائط كان دايمًا هو موضوعنا زمان، وحتى مع شديد بعد كده، وحاول العثور عليه، وكان يقول دايمًا كلمتك: العلم هو التقدم، وكان هو سبب بداية الحركة الاستعمارية، للتجارة والربح».. ربت على ذراعه أذكره «كان كتاب أصول العالم الحديث». طلب شاى تانى، فعرفت أن حكايته لم تنته، مال جهتى: «لما كان يروق، يحكى عن متعة المعلومات فى المذاكرة معاك، فى السلاحليك على لمبة متصلة ببطارية شاحنة، ووقتها كان الإضاءة ممنوعة، وفى يوم حكى لى حكاية عن صناديق ذخيرة عهدته، لم أفهمها للآن، لأنى كنت ليلتها أودعه لخروجى من الخدمة، لكنه قال لى إنه كان يتكلم معاك فيها!».
أفاقنى أبوسمرة على هذه الحكاية «المرعبة» التى تطاردنى كلما صادفت موقف إهمال «مدمر» فى سياق الحياة، وهى مواقف كثيرة، ينظر إلى بترقب، وأنا أحب ترديدها، على الأقل للتحذير: «فى ليلة مذاكرة وصلت شاحنة- كراز- هل تذكرها ؟» هز رأسه، أكملتُ: «سمعنا فرملتها شقت سكون الليل على البوابة، فهب شديد واقفًا يستأذننى، أحضر دفاتر الاستلام واتصل بالتحويلة ليرسلوا عددًا من الجنود، قال لى إنه سيتسلم صناديق ذخيرة، طبعًا ذخيرتنا الصغيرة الحالية هى ٧.٦٢ x٣٩ كما يعرف الجنود والصف المعلمون فى التدريب، وكان إلى جوارى عدة صناديق خشبية متراصة بعضها مفتوح. ساد هرج وصول الجنود يتخبطون من أثر النوم، قادهم شديد بحزم إلى الشاحنة يتناوبون نقل الصناديق تتراص فى الحجرة أمامى، عفويًا التفتُ إلى الحروف مطبوعة «جرافيتى» على خشب الصندوق، الحروف غير مكتملة لرداءة الحبر، لكن هالنى رقم العيار، هو فعلا ٧.٦٢ لكن x٥٤؟؟ تفحصت الباقين، نفس الكتابة الرديئة والصناديق مغلقة، ناديت شديدًا لأبلغه- والضوء ضعيف فأخرج بطارية- صمتْ وخرج، صوته يتفاهم مع من بالخارج، عاد بالدفاتر، فهمتُ أنهم يقنعونه بأن ما هو مكتوب قديم، لكن العبوة مضبوطة! احتديتُ أذكره بفشل تدريباتنا عدة مرات بسبب غرابة أعيرة مع بعض الجنود، وهى فعلًا كانت تصلح لأسلحة قديمة تم سحبها! نصحته ألا يتسلم، ونبلغ قائدنا فى الصباح. وكانت مشكلة إعادة الصناديق للشاحنة، تعالت أصواتهم، فخرجتُ أقف على البوابة حتى تم تحميلها ثانية». صمتُ، فقال معقبًا: «لكنه بيقول إنها حكاية تاريخية!» ضحكت أكمل له حكاية تلك الليلة الغبراء: «رحنا المخزن ليلتها واكتشفنا صناديق مخالفة تانية هو تسلمها قبل كده وكانت سبب مشاكل، ليلتها قلت له إن فى حرب ٤٨ كانت دى هى المشكلة الحقيقية فى الهزيمة، مش الأسلحة الفاسدة، مشكلة الجهل وعدم الدقة فى قراءة وكتابة الأعيرة. وواحد صحفى بنى عليها مجده بإهانة جيش الملك، ودخلت كتب التاريخ فى المدارس إلى الآن، والغريب أن محكمة الثورة سنة ٥٤ برأت من اتُهموا فى هذه القضية!».




