فى ٢٠١٢ بدأ الدكتور عصام اللباد فى كتابة حكايات صغيرة نشرها على صفحته على فيسبوك، كتابة سهلة وعميقة، خالية تمامًا من حيل المحترفين، كتبها بالعامية المصرية، وكانت تستند إلى حس شعرى غامض، جعلها قريبة إلى القلب، اللغة التى استخدمها كانت دون شحوم بلاغية، أنت أمام شخص يريد فقط أن يحكى عن أشخاص عاديين فى طفولته وصباه، عن علاقته بأصدقاء طفولته وجيرانه ومصائر أناس يعيشون بيننا وفينا، عن قطار كوبرى الليمون ومحطة سرايا القبة والكرة الشراب ودورى المحطات، عن تطور علاقته بوالده قارئ الأهرام المحترف.
انتخبتُ بعض المقاطع من هذه الحكايات ونشرتها له فى ملحق الجمعة بالأهرام أيام كنت مسئولًا عنه، ولاقت استحسانًا من قطاعات كبيرة من القراء، وهو السبب الذى دفعه إلى نشرها فى كتاب صدر عن دار ميريت فى ٢٠١٤، تحت عنوان «حكايات صغيرة قوى»، والذى احتفل بظهوره الكبيران علاء الديب وإبراهيم فتحى، وكاتب هذه السطور.
كان هدفه استعادة مصر التى بداخله، وأراد التواصل مع أصدقائه، وإعلان حاجته إلى كل الذين عبروا فى حياته، لم يستهدف المستشرقين الذين يبحثون فى الأدب عن الغريب والشاذ، كانت كتابة منعشة اعتمدت على فطرة الكاتب النقية.
فى مقطع من الكتاب كتب: سمعته بيقول وهو بيضحك جامد، وعينيه ما فيهاش ضحك خالص «رغم إنى أنام لوحدى، وأصحى لوحدى، وأشرب قهوتى الصبح لوحدى، وآكل لوحدى، وأقرأ كتابى وأناقشه مع روحى، وأروح البار لوحدى، وأطلع السلم لوحدى، وأنزل السلم لوحدى، إلا أن الوحدة بتشد علىّ قوى وأنا بستحمى.. لما تنزل الميه على جسمى مرات كتير باعيط». ماعرفتش أقول له حاجة خالص، وماعرفتش أحضنه، لأنى كنت حمار صغير، زى معظم البنى آدمين لما يكبروا.
عصام اللباد طبيب ومعالج نفسى مرموق، يعيش بين مصر وأمريكا، كتب للمسرح «رأس الخوف» سنة ٢٠٠٤، وهى مسرحيات قصيرة أشاد الناقد الكبير الراحل فاروق عبدالقادر بها، وكتب المقدمة لها، وتمنى أن تقع بين يدى «محبى المسرح والمسرحيين الطامحين لتقديم شىء يختلف عن المسرح المميت الذى يملأ خشبات مسارحنا»، وله أيضًا فى مجال الطب النفسى كتابات غزيرة.
فاجأنا اللباد منذ أسابيع قليلة بنشر ديوان شعر حمل اسم «أيقونة تشبه القرنفلة» صدر عن دار المرايا، الديوان مكتوب بالفصحى، تشعر بأن كاتبه شاعر يواصل المسيرة، ويحفر بلغة شفافة فى طبقات المشاعر المنسية داخل المتلقى، من الطبيعى أن نجد شخصًا متخصصًا فى علم ما تستهويه كتابة الرواية مثلًا، ويبدع فيها مثل صاحب اسم الوردة الإيطالى أومبرتو إيكو.
عصام اللباد شاعر هذه المرة، كتب ديوانه الأول بعد مسيرة طويلة بروح البدايات، لم يستعر قاموس أحد ولا لغة أحد، هو اكتشف الشعر الذى كان يبحث عنه، أو اختاره هذا الفن ليضيف رافدًا جديدًا فى مسيرته، يقول فى إحدى قصائده:
صنعت أمس قصيدة
صنعتها هشة جدًا
تذوب سريعًا بين الشفاه
أو على أبطأ الفروض فوق اللسان
استهلكت كثيرًا من الناعم والخشن والمطحون
مع بعض ساعات من الزمن الخاص مخفوقًا
وقطرتين من ماء الورد
وقطرة من عطر الملائكة.. قالبتها على كف هادئ جدًا
صنعتها على شكل روح
رائحتها ربانية
وقدمتها لضيوفى فى أطباق هوائية.
لا يوجد أحد من القدامى أو المحدثين استطاع أن يقول لنا: من أين يأتى الشعر؟، بعيدًا عن التعريفات المدرسية الأصولية التى تقول إنه الموزون المقفى، يوجد أثر غامض تتركه قصائد بعينها، لا يمكن توصيفه، مع أيقونة اللباد أنت أمام الحيرة والخبرة والأمل والشجن، أمام البراح المفتوح والتلقائية المحببة التى لا توجد لها أسنان «قال شيخ العطارين التركى العجوز فى فيلم المساء وهو يعلم حفيده الطهى: القهوة المرة تسحبك إلى حوار بالداخل:
الشاى بالحليب يجرك إلى كلام الجالسين
الكمون يرفع زمن الصمت
الملح ينحى موقف الحياد
الفلفل يهدهد المذاق
الأصفر فى الطعام حمية
الأخضر فتوح
الأحمر سرعة
الصحن المستدير يشبع
الصحن القارب تأجيل
والرغيف الأفضل غير مكتمل».
رافد شعر جديد يعبر أمامك وأنت تتصفح هذا العمل الرائق الذى يسعى كاتبه إلى قنص لحظات غائمة ومشاعر ملتبسة، ليست مأزومة ولكنها مرتبكة، وتبحث عن شكل يحتويها، فى نهاية الديوان يقول الشاعر:
«إننى أرى الآن بوضوح
لا، إنك تحدق فى ضوء ساطع».




