مرة أخرى تسقط الأرواح في مياه ترعة المريوطية، ومرة أخرى نستيقظ على خبر مفجع كان يمكن ألا يحدث لو توفرت أبسط إجراءات الأمان.
لم تعد حوادث سقوط السيارات والمركبات في الترع حوادث عابرة أو استثنائية، بل تحولت إلى مشهد متكرر يحصد أرواح الأبرياء، وكأن الموت يقف متربصًا على جانبي الطريق في انتظار ضحية جديدة.
المأساة الأخيرة التي شهدها طريق ترعة المريوطية بمركز البدرشين، ليست مجرد حادث سير، بل فاجعة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ففي لحظات معدودة، انتهت حياة أسرة بأكملها، بعدما سقطت سيارتهم في مياه الترعة، ليرحل الشيخ محمد ممدوح عبد الواحد، الداعية المعروف بحسن الخلق والسيرة العطرة، وزوجته وأطفاله الأربعة، كما رحل شقيقه الأكبر علي ممدوح.
كان الشيخ محمد ممدوح، من أهل القرآن الذين أفنوا أعمارهم في تعليم كتاب الله وغرس القيم والأخلاق في نفوس الأجيال، لقد ترك وراءه أثرًا طيبًا في كل من عرفه؛ أطفالًا تعلموا على يديه، وشبابًا اهتدوا بنصحه، وأسرًا شهدت له بالخير والصلاح، لكن كل هذا العطاء انتهى في لحظة بسبب طريق يفتقد إلى وسائل الحماية التي كان يمكن أن تمنع وقوع الكارثة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: إلى متى سيظل طريق الموت مفتوحًا بلا حواجز أمان؟ وكم من الضحايا يجب أن يسقطوا حتى تتحول هذه القضية إلى أولوية حقيقية لدى الجهات المعنية؟.
ترعة المريوطية ليست طريقًا مهجورًا أو منطقة نائية، بل تمتد بمحاذاة طريق حيوي وسياحي تعبره يوميًا آلاف السيارات والمركبات، فضلًا عن الحافلات السياحية، ومع ذلك، ما زالت أجزاء واسعة منه تفتقر إلى الحواجز الواقية ووسائل التأمين الضرورية التي أصبحت معيارًا أساسيًا في أي طريق يجاور مجرى مائي.
المؤلم أن التحذيرات تتكرر بعد كل حادث، والوعود تُطلق عقب كل مأساة، ثم لا يلبث كل شيء أن يعود إلى ما كان عليه، حتى تأتي الكارثة التالية، وكأن أرواح المواطنين لا تكفي وحدها لدق ناقوس الخطر، وكأن التحرك الجاد مؤجل دائمًا إلى حين وقوع فاجعة أكبر وأكثر ضجيجًا، حتى ليبدو الأمر وكأن الدولة تنتظر سقوط أتوبيس سياحي أو سقوط مسؤول كبير في الترعة، كي تبدأ التحرك.
لقد آن الأوان لأن يتوقف هذا السلاح الصامت عن حصد الأرواح، فحماية أرواح المواطنين ليست رفاهية أو مطلبًا ثانويًا، بل مسؤولية وأمانة لا تقبل التأجيل، فكل متر من الطرق الموازية للترع بلا حواجز أمان يمثل خطرًا دائمًا، وكل يوم يمر دون معالجة حقيقية يعني أن مأساة جديدة قد تكون في الانتظار.
إن المطلوب اليوم ليس بيانات تعاطف أو كلمات عزاء، بل خطة عاجلة وشاملة لتأمين الطرق الموازية للترع في جميع المحافظات، تبدأ بتركيب الحواجز الواقية وإعادة تقييم النقاط الخطرة ومراجعة معايير السلامة على هذه الطرق، فالأوطان تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، والدولة القوية هي التي تتعلم من المأساة قبل أن تتكرر، لا بعدها.
رحم الله الشيخ محمد ممدوح عبد الواحد، وزوجته، وأطفاله، وشقيقه علي ممدوح، رحمة واسعة، وأسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.




