سادت حالة من القلق والجدل بين المواطنين بعدما تم الإعلان عن ضبط كميات كبيرة من مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في محلات عصير القصب، المشروب الشعبي الأول والأكثر إقبالًا لمواجهة حرارة الصيف، حيث تم استخدامها كمادة مبيضة للعصير للحفاظ على لونه لأطول فترة ممكنة.
جاءت هذه المخاوف عقب حملة تفتيشية مكثفة شنتها الأجهزة الرقابية بمجلس مدينة طوخ في محافظة القليوبية، والتي أسفرت عن ضبط عدد من محلات العصائر وهي تستخدم مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في تحضير العصير، بهدف التلاعب في لونه وإضفاء بريق أبيض ناصع عليه، مما يجعله يبدو أكثر جاذبية للمستهلكين بطرق غير قانونية ومخالفة لمعايير السلامة الصحية.
ثاني أكسيد التيتانيوم غير صالح للاستهلاك الآدمي
عن مدى خطورة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم المستخدمة في عصير القصب، قال الدكتور عبداللطيف المر، أستاذ الصحة العامة، إن هذه المادة مركبًا كيميائيًا غير عضوي غير صالح للاستهلاك الآدمي في هذا السياق، رغم استخدامها الصناعي الواسع.
وأوضح المُر، في تصريحات لـ"الدستور"، أن ثاني أكسيد التيتانيوم (Titanium Dioxide – TiO₂) يتميز بلونه الأبيض وقدرته العالية على منح العتامة، ويُستخدم في الدهانات والبلاستيك ومستحضرات التجميل، ويُعرف بين العامة باسم "السبيداج"، كما استُخدم سابقًا في بعض المنتجات الغذائية تحت الرمز E171 لإضفاء مظهر أكثر إشراقًا على الحلويات والعلكة ومنتجات المخابز.
وأشار إلى أن خطورة هذه المادة ترجع إلى احتوائها على جسيمات نانوية دقيقة يمكنها اختراق الخلايا والتراكم داخل الجسم، وهو ما أثار مخاوف صحية متزايدة عالميًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ضوء التقييمات العلمية الحديثة.
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي تبنى نهجًا احترازيًا، حيث أعلنت الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء في عام 2021 أن المادة لم تعد تُعتبر آمنة كمضاف غذائي، نتيجة عدم القدرة على استبعاد احتمالية السمية الجينية وتأثيرها المحتمل على الحمض النووي، وهو ما أدى إلى حظرها رسميًا داخل دول الاتحاد الأوروبي اعتبارًا من عام 2022، ولا تزال إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تسمح باستخدامها بنسب محدودة لا تتجاوز 1% من وزن الغذاء، ما يعكس استمرار الجدل العلمي بين المؤسسات الدولية حول مدى أمانها.
تصنيف ثاني أكسيد التيتانيوم كمسرطن
وأوضح أستاذ الصحة العامة أن تصنيف المادة كمسرطن محتمل جاء من خلال الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التي أدرجتها ضمن المجموعة 2B، إلا أن هذا التصنيف يعتمد بالأساس على حالات التعرض المهني المزمن عن طريق الاستنشاق في البيئات الصناعية، وليس على تناولها عن طريق الفم في صور عرضية، مؤكدًا أنه من غير العلمي الربط المباشر بين تناول كوب واحد من عصير قد يحتوي على هذه المادة والإصابة بالسرطان.
وشدد المر على أن مكمن الخطورة الحقيقي في واقعة عصير القصب لا يقتصر على طبيعة المادة نفسها، بل يرتبط بكونها تُستخدم عبر قنوات غش تجاري خارج أي رقابة صحية، ما يفتح المجال لاستخدام أنواع صناعية غير نقية قد تحتوي على شوائب خطرة مثل المعادن الثقيلة، وذلك بجانب عن غياب أي معايير تحكم نسب استخدامها في مشروب طازج لا يُفترض أن يحتوي عليها من الأساس.
الخطورة الصحية لثاني أكسيد التيتانيوم
وفيما يتعلق بالتأثيرات الصحية، أشار إلى أن الدراسات الطبية خاصة تلك التي تناولت الجسيمات النانوية، تربط بين التعرض التراكمي لهذه المادة وحدوث اضطرابات في الجهاز الهضمي، من خلال التأثير على بكتيريا الأمعاء النافعة وإضعاف الحاجز المخاطي، ما قد يؤدي إلى التهابات مزمنة، كما يمكن أن تتراكم هذه الجسيمات في بعض الأعضاء الحيوية مثل الكبد والطحال والكلى، مسببة إجهادًا تأكسديًا وتلفًا خلويًا بدرجات متفاوتة تعتمد على حجم الجرعة وطبيعة التعرض.
وأكد أن تقدير الخطورة الصحية يعتمد على ما يُعرف بمعادلة "الجرعة والتعرض"، موضحًا أن الاستهلاك العرضي لكوب واحد أو مرات محدودة من عصير مغشوش يظل في نطاق الخطر المنخفض جدًا، حيث يتمكن الجسم من التخلص من جزء كبير من المادة، ولا يستدعي ذلك إثارة الذعر، في حين أن الخطر الحقيقي يظهر مع الاستهلاك المزمن والمتكرر من مصادر تستخدم هذه المادة بانتظام، حيث يحدث ما يُعرف بالتراكم الحيوي داخل الأنسجة.
وأضاف أن ثاني أكسيد التيتانيوم في صورته النقية لا يُعد سمًا حادًا، ولا يؤدي إلى ظهور أعراض فورية عند تناوله بكميات صغيرة، إلا أن الأعراض التي قد تظهر بعد تناول عصير القصب المغشوش، مثل القيء أو الإسهال أو ارتفاع درجة الحرارة، غالبًا ما تكون ناتجة عن تلوث ميكروبي أو شوائب كيميائية مصاحبة لعمليات الغش، وليس بسبب المادة وحدها.
الفئات الأكثر خطورة عند التعرض لثاني أكسيد التيتانيوم
وذكر أن بعض الفئات تُعد أكثر عرضة للتأثر بهذه المخاطر، على رأسها الأطفال، نظرًا لارتفاع الجرعة بالنسبة لوزن الجسم وعدم اكتمال نضج أجهزتهم الحيوية، وكذلك الحوامل، حيث تشير بعض الدراسات إلى إمكانية عبور الجسيمات النانوية عبر المشيمة، بالإضافة إلى كبار السن ومرضى الجهاز الهضمي الذين يعانون من ضعف في كفاءة الحواجز المعوية.
وتابع: وفي حال الاشتباه في تناول منتج مغشوش، نصح المر بالتوقف الفوري عن الاستهلاك، مع تجنب تحفيز القيء وشرب كميات معتدلة من الماء لتخفيف تركيز المادة داخل المعدة، والاحتفاظ بعينة من المنتج إن أمكن، والتوجه إلى أقرب مركز طبي في حال ظهور أعراض مقلقة، خاصة لدى الأطفال.
اقرأ أيضا:
بودرة بيضاء في عصير القصب.. 5 علامات للكوب المغشوش
لماذا حظر العالم هذه المادة؟.. استشاري تغذية علاجية يشرح خطورة لون عصير القصب الفاتح




