أخبار عاجلة
مصري يكشف كواليس حياته في غزة 3 سنوات «فيديو» -
تداول 39 سفينة و 50417 طن بضائع عامة في ميناء دمياط -

العراق المُحترق بنيران طهران وتل أبيب!

العراق المُحترق بنيران طهران وتل أبيب!
العراق المُحترق بنيران طهران وتل أبيب!

كان بند «حصر السلاح بيد الدولة» هو الأول في البرنامج الانتخابي الذي نال علي الزيدي بموجبه الثقة من البرلمان العراقي، لتشكيل الوزارة في العراق، غير أن المفاجآت تظل متوقعة؛ سواءً على صعيد كيفية استكمال هذا الملف في ظل ضغوط داخلية وخارجية معاكسة، أو ما ترتب على الكشف عن وجود مواقع وقواعد عسكرية سرّيّة إسرائيلية في العراق.. وهذه تتصل، وفق توقعات مراقبين، بالمواجهة المحتملة التالية بين إيران وإسرائيل، بعد طي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ملف الحرب التي لا تزال مفتوحة بينه وبين إيران.. إذ تكشف الضربات التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، إثر إقدام إيران على استهداف مروحية «أباتشي» أمريكية، والرد الإيراني على إسرائيل وعلى القطع البحرية الأمريكية وعلى دول الخليج ـ وبالذات الكويت والبحرين ـ عن واقع خطر.. وهو يكشف عن طبيعة الرد ورد الرد، في وقت يبحث فيه كل من الطرفين، الأمريكي والإيراني، عن صيغة مناسبة لإنهاء الحرب.
عمليًا، تسعى إيران إلى تحقيق مكاسب إضافية تقنع فيها الشارع الإيراني بما تدعي بأنه «انتصار»، سواءً على صعيد استمرار استخدام مضيق هرمز رهينة في هذه الحرب، بالإضافة إلى مطالبة إيران بالإفراج عن عشرات المليارات من أموالها المجمدة.. وفي المقابل، يحرص الرئيس دونالد ترامب على الظفر بتنازل إيراني، يتيح له إعلان النصر في هذه المواجهة، لكي يقنع الشارع الأمريكي، بأن ما قام به من عمليات عسكرية ضد إيران حقق أهدافه في نهاية المطاف.
بصرف النظر عمّا يمكن أن تؤول إليه هذه المواجهة، سواءً استمرت على شكل ضربات متبادلة ـ بصرف النظر عن إمكانية نجاح الوساطات، وخصوصًا الوساطة الباكستانية ـ أو انتهت على شكل اتفاق أمريكي ـ إيراني، فإن المواجهة الأخرى المحتملة والمؤجلة، هي التي يمكن أن تندلع بين إيران وإسرائيل.. هذه المواجهة قد تحصل في مرحلة لاحقة بعد وقف الحرب الحالية؛ نظرًا لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يرى أن وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة لن يصب في صالحه.. وانطلاقًا من هذا الاعتبار، يؤمن كل من الإيرانيين والإسرائيليين بأن المواجهة بينهم هي «مسألة وقت»، لا غير، وبأن الساحتين المثاليتين لهذه المواجهة المحتملة هي لبنان والعراق.
وبالفعل، وعلى صعيد المفاوضات الجارية، بوساطة باكستانية، بين إيران والولايات المتحدة، والتي بدت للبعض على حساب الجانب الإسرائيلي، فإن طهران تمكنت إلى حد كبير من ربط الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية، على صعيد وقف إطلاق النار الذي بقي هشًا بين إسرائيل ولبنان، بسبب إصرار نتنياهو على كسر الهدنة بضربات مركزة على الجنوب اللبناني.. ومع استمرار هشاشة الوضع في لبنان، لا سيما مع المُتغيّر المهم الذي أدى إلى المزيد من العزلة لـ «حزب الله» اللبناني، بعد إقدام الدولة اللبنانية على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية، تبدو وضعية الساحة العراقية مختلفة إلى حد كبير عن حال الساحة اللبنانية.. وبالأخص، أن الحكومة العراقية باشرت إجراءات بدت حازمة لحصر سلاح الفصائل المسلحة بيدها.
وفي حين بدأ العديد من الفصائل المسلحة الاستجابة، أولًا لخطة الحكومة العراقية حصر السلاح بيدها، وثانيًا للضغط الأمريكي غير المسبوق، فإن أبرز فصيلين حليفين لإيران هما «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» أعلنا في بيانات رفضهما الصريح لنزع سلاحهما تحت مبرّرات سياسية وعقائدية.. وعلى الرغم من هذا الموقف السلبي، لم تعلق الحكومة العراقية على بيانات الرفض، مما يعني أن المواجهة مع هذه الفصائل ستكون مؤجلة، حتى تُكمل الحكومة إجراءات ما بات يُسمى «الدمج» و«فك الارتباط» بين الفصائل المسلحة و«الحشد الشعبي».. بعد أن نال «الحشد» موافقة البرلمان على أن يكون مؤسسة وطنية.. الأمر الذي يبعدها عن سائر الفصائل التي تحمل السلاح خارج السلطة المباشرة للدولة، سواء كانت تابعة لـ «الحشد» أو منفصلة عنه.. وفي حين أعلنت «سرايا السلام»، التابعة لزعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، أنها قرّرت التخلي عن سلاحها وتسليمه للحكومة ـ وهو ما تحقق بالفعل الأسبوع الماضي ـ فإن الفصيل الثاني من بين الفصائل الخمس التي أعلنت تسليم سلاحها، كان «كتائب الإمام علي» الذي فعل يوم الأربعاء الماضي.
الحكومة العراقية، من جانبها، شددت على أن «الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة سيكون خلال شهر سبتمبر المقبل».. وأوضح الدكتور حيدر العبودي، الناطق الرسمي باسم الحكومة خلال مؤتمر صحفي، أن «الحكومة استندت في إدارة ملفاتها إلى رؤية وطنية مدعومة بتفويض وثقة مجلس النواب».. وأكد «عزمها على الالتزام بحصر السلاح تمامًا بيد الدولة، وفق الجداول الزمنية المحددة في البرنامج الوزاري، التي تنتهي في سبتمبر المقبل، تزامنًا مع إنهاء مهام التحالف الدولي».. إلا أن المراقبين السياسيين في بغداد يرون أن إيران، نظرًا لأنها لا تثق بوعود واشنطن، ترفض أن تتخلى عن كل نفوذها في المنطقة.. ولهذا، فهي تصر على إبقاء ملفات كملفات جنوب لبنان وسلاح «حزب الله» اللبناني وسلاح الفصائل العراقية المرتبطة بطهران عقائديًا أمرًا غير قابل للنقاش مهما استمرت الضغوط الأمريكية على إيران.
وفي ظل استمرار المواجهات بين القوات المسلحة الإيرانية من جهة، والقوات الأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى، صارت الأجواء العراقية ـ عمليًا ـ ممرًا للطائرات والصواريخ بين الأطراف المتحاربة.. غير أن الأبرز، في هذا السياق، هو كشف التقارير الصحفية عن بناء إسرائيل أكثر من قاعدة متقدمة لها داخل الأراضي العراقية، وبالذات في الصحراء الغربية من البلاد، وهذه مناطق شاسعة مترامية الأطراف، تجمع بين ثلاث محافظات، هي الأنبار وكربلاء والنجف.. ومع أن الحكومة العراقية نفت وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية «ثابتة» في غرب البلاد، فإنها أقرّت بتمركز قوة إسرائيلية بين محافظتَي النجف وكربلاء لمدة ثمانية وأربعين ساعة في مطلع مارس الماضي.. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية هي التي كشفت عن إنشاء إسرائيل موقعًا عسكريًا سرّيًّا في الصحراء العراقية، بين محافظتي كربلاء والنجف خلال مارس الماضي «لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي».. وبالتالي، أثيرت أسئلة كثيرة تتعلق بمدى قدرة السلطات العراقية على فرض السيادة على أرضها ومنع الاختراقات الأجنبية، وفق معلقين سياسيين من توجهات مختلفة.. من ناحية أخرى، أكدت الرواية صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أيضًا، بل زادت الأخيرة، أن إسرائيل أمضت أكثر من سنة في تجهيز مواقع سرّيّة في محافظة الأنبار، بأقصى غرب العراق، لاستخدامها في عمليات الدعم الجوي والتزوّد بالوقود والعلاج الطبي خلال المواجهة مع إيران، ليكون السؤال كالتالي: هل تكون صحراء العراق الغربية، قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟.. فما هي أصل الحكاية؟.
*
لم يكد العالم، والعراق تحديدًا، يلتقط أنفاسه من وقع الفضيحة الأولى المدوية، المتمثلة في الكشف عن قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية فوق الأراضي العراقية، والتي تم اكتشافها بمحض الصدفة البحتة عن طريق راعي غنم بسيط دفع حياته ثمنًا لهذا السر، حتى تفجرت في الساعات الأخيرة فضيحة جديدة كبرى، زلزلت الأوساط السياسية والأمنية، حيث تم الكشف رسميًا عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية ثانية في قلب العراق، استُخدمت بشكل فعال ومُكثف كمنصة انطلاق ودعم في حرب الاثنا عشر يومًا ضد إيران.
الصدفة التي قتلت صاحبها، وفجرت المستور من فصول هذه الرواية الاستخباراتية المرعبة، بدأت خيوطها تنكشف من قلب الصحراء العراقية، قرب بلدة النخيب، عندما كان الراعي عواد الشمري يقود شاحنته في رحلة اعتيادية لشراء حاجيات عائلته، ليجد نفسه وجهًا لوجه أمام سر عسكري إسرائيلي عالي الحساسية، مُخبأ بعناية في عمق الرمال.. الشمري شاهد جنودًا ومروحيات وخيامًا تتجمع حول مدرج هبوط مجهول.. سارع على الفور لإبلاغ القيادة العسكرية الإقليمية بما رأته عيناه، لكن هذا الواجب الوطني كلفه حياته فورًا، حيث طاردت مروحية عسكرية شاحنته وأمطرتها بوابل من الرصاص حتى احترقت تمامًا، وعثرت عائلته على جثته متفحمة بجانب المركبة، في محاولة بائسة لدفن الحقيقة معه.
الاعترافات الرسمية تتدفق والقاعدة الثانية تخرج للعلن.. التقرير الصادم الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، نقلًا عن مسؤولين عراقيين وإقليميين، فجر المفاجأة الأكبر، مؤكدًا أن الفضيحة لا تتوقف عند حدود الموقع الذي كشفه الشمري، بل إن المسئولين الأمنيين اعترفوا بوجود قاعدة عسكرية إسرائيلية ثانية غير معلنة في الصحراء الغربية العراقية.. وأوضح المسئولون أن القوات الإسرائيلية بدأت التحضير لبناء هذه المواقع المؤقتة والسرية منذ أواخر عام 2024، واستخدمتها بفاعلية قصوى خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا ضد طهران في يونيو 2025، وكذلك في النزاع الحالي، لتقليص المسافات التي تحتاجها المقاتلات الإسرائيلية، وتقديم الدعم الجوي، والتزود بالوقود، والإخلاء الطبي.
أصابع الاتهام والتحليلات السياسية تتجه الآن مباشرة نحو واشنطن، حيث أكد مسئولون عراقيون أن الولايات المتحدة كانت على علم تام بوجود هذه القواعد الإسرائيلية، بل إنها تعمدت إخفاء هذه المعلومات الصادمة عن بغداد.. وفي تفاصيل تُظهر حجم الاستخفاف بالسيادة العراقية، كشف مسئولون أمنيون، أنه خلال النزاعات العسكرية، أجبرت واشنطن الجانب العراقي على إغلاق راداراته العسكرية بحجة حماية الطائرات الأمريكية، مما تسبب في عمى كامل لمنظومات الدفاع الجوي العراقية، وجعل بغداد عاجزة عن اكتشاف الاختراق الإسرائيلي اللوجستي لأراضيها.. وفي بغداد، غضب برلماني عارم وصمت حكومي يثير علامات الاستفهام.. هذا الاختراق الاستخباراتي الخطير أحدث هزة عنيفة داخل أروقة البرلمان العراقي، الذي سارع لعقد جلسة إحاطة سرية، وصف فيها النواب ما حدث بأنه استخفاف صارخ بكرامة الشعب العراقي وسيادة دولته.. وفي حين خرج المتحدث باسم القوات الأمنية لينفي امتلاك معلومات، أكد اللواء علي الحمداني، قائد قوات الفرات الغربية، أن الجيش كان يشتبه بالنشاط الإسرائيلي بناءً على بلاغات التجمعات البدوية، وحاول الاستفسار من الأمريكيين دون جدوى، لتظل الحكومة في حالة صمت مُريب، تفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات كبرى، حول مدى قدرة الدولة على فرض سيطرتها على أراضيها.
التحقيق الاستقصائي الذي أجرته إريكا سولومون، بالتعاون مع خمسة صحفيين آخرين في «وول ستريت جورنال»، عما جرى تجهيزه داخل الأراضي العراقية، منذ أكثر من عام، لخدمة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، لم يكتفِ بتأكيد الرواية السابقة، بل قدّم سردًا أكثر دراميّة، يكشف كيف تحولت الصحراء العراقية إلى «مسرح عمليات» خفي للحرب الإسرائيلية على إيران، وسط صمت حكومي عراقي مرتبك، وتضارب في الروايات الرسمية، وتساؤلات متشككة عما إذا كانت بغداد ضحية خداع استخباراتي، أم شريكًا «لا حول له ولا قوة» في لعبة كبرى؟!.. وبحسب التحقيق، أمضى الجيش الإسرائيلي أكثر من عام في إعداد مواقع سرية داخل العراق، تحديدًا في الظهير الصحراوي الغربي، لتكون بمثابة محطات دعم متقدمة لعملياته الجوية ضد إيران.
ونقلت الصحيفة عن مسئولين إقليميين، أن تلك المواقع «استُخدمت بالفعل خلال حرب الاثنا عشر يومًا في يونيو 2025، حيث وفّرت نقاط دعم لوجستي، وإعادة تزوّد بالوقود، وإسناد طبي، إضافة إلى فرق إنقاذ خاصة، مهمتها التدخل السريع لانتشال الطيارين الإسرائيليين في حال إسقاط طائراتهم فوق إيران أو في محيطها».. أما الجديد في رواية نيويورك تايمز، عن زميلتها وول ستريت جورنال، أن القاعدة السرية في صحراء النجف ليست وحيدة، وربما «جزء من شبكة قواعد أوسع».. إذ نقلت الصحيفة عن النائب العراقي حسن فدعم، الذي حضر جلسة إحاطة برلمانية سرية، قوله إن «الموقع الموجود في النخيب ليس الموقع الوحيد الذي تم اكتشافه»، مؤكدًا وجود قاعدة إسرائيلية ثانية «على الأقل» داخل العراق.. كما أكد مسئول عراقي ثانٍ لنيويورك تايمز وجود القاعدة الأخرى دون تفاصيل، مكتفيًا بالإشارة إلى أنها «تقع أيضًا في الصحراء الغربية».
خيوط القصة الأشبه بأفلام الجاسوسية الرخيصة في هوليوود، تكشفّت عمليًا يوم الثالث من مارس الماضي «في الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران»، عندما تحرك راعي الأغنام العراقي عوض الشمري بشاحنته الصغيرة نحو بلدة النخيب للتسوق، قبل أن يصادف، بحسب رواية عائلته وشهود عيان، «تحركات غير طبيعية: جنود، مروحيات، خيام، ومهبط طائرات وسط الصحراء».. فاتصل الرجل البدوي بالقيادة العسكرية العراقية ليبلغ عما شاهده، «لكنه لم يعد حيًا»!!.. وتوضح إريكا، أن «مروحية مجهولة لاحقت الأعرابي وأمطرت شاحنته بالرصاص حتى احترقت بالكامل في الرمال».. ويروي ابن عمه، أمير الشمري، للصحيفة، «قيل لنا إن هناك شاحنة صغيرة محترقة تشبه سيارة عوض، لكن لم يجرؤ أحد على الذهاب إلى هناك فورًا.. وعندما وصلنا لاحقًا، وجدنا السيارة مدمرة والجثة متفحمة بداخلها».
التحقيق الصحفي يلمّح ـ بنبرة التصريح ـ إلى أن اكتشاف الراعي المسكين للقاعدة الإسرائيلية كلّفه حياته.. وتتصاعد الدراما، عندما يرسل الجيش العراقي، بعد تلقي البلاغ، قوة استطلاع إلى المنطقة، فتتعرض هي الأخرى إلى «إطلاق نار مباشر، وغارات أدت إلى مقتل جندي وإصابة اثنين وتدمير مركبتين عسكريتين»، قبل أن تنسحب القوة تحت شدة القصف، لتتفاعل أزمة سياسية منبعها «الحرج»، نتيجة اعتقاد المسئولين العراقيين في البداية أن القوة المهاجمة أمريكية، مما دفع بغداد لتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ضد «قوات أجنبية».. لكن، الصحيفة تنقل عن اللواء علي الحمداني، قائد قوات غرب الفرات، أن «اتصالات جرت لاحقًا مع القيادة الأمريكية»، أكدت أن القوات «ليست أمريكية»، مما جعل القيادات العراقية «تستنتج» أنها إسرائيلية.
وهنا بدأ تضارب الروايات الرسمية العراقية.. ففي حين قال الفريق سعد معن، المتحدث باسم القوات الأمنية العراقية، لنيويورك تايمز، إن «بغداد لا تملك أي معلومات بشأن مواقع لقواعد عسكرية إسرائيلية»، نقلت الصحيفة ذاتها عن مسئولين عراقيين كبار، أن الجيش كان «يشتبه منذ أسابيع» في نشاط إسرائيلي بالصحراء الغربية، لكنه اكتفى «بالمراقبة»، وطلب توضيحات من الأمريكيين دون الحصول على رد!!.. هذا التضارب أثار تساؤلات أكثر إحراجًا: هل كانت بغداد حقًا تجهل وجود قواعد إسرائيلية على أراضيها إلى أن اكتشفها راعٍ بدوي؟، أم أن بعض دوائر الدولة كانت تعلم بالأمر وفضّلت الصمت لتجنّب أزمة سياسية؟!.
يذهب التحقيق أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن واشنطن كانت غالبًا على علم بالوجود الإسرائيلي منذ يونيو 2025، أو حتى قبل ذلك.. وهو ما يعني ـ وفقًا للمسئولين الذين تحدثوا للصحيفة ـ أن «الولايات المتحدة ربما أخفت المعلومات عن حكومة بغداد، أو أن قيادات عراقية عليا كانت مطّلعة على النشاط الإسرائيلي وتعاملت معه بسرية كاملة».. وليس خافيًا بالطبع، مدى حساسية ذلك في بلد يعيش «منذ غزوه وسقوط صدام حسين عام 2003»، أسير معادلة «توازن» هش، أو لعبة «شد حبل»، بين النفوذ الأمريكي العسكري والسياسي من جهة، والهيمنة الإيرانية السياسية والطائفية والمجتمعية من جهة مقابلة.. فالعراق ـ الذي تستضيف أراضيه قواعد وقوات أمريكية، وتمر عائدات نفطه عبر مصارف واشنطن، وتسيطر على مقدراته الأمنية والسياسية الفصائل والأحزاب الموالية لطهران ـ وجد نفسه ـ مرة أخرى ـ رهين صراع إقليمي أكبر بكثير من قدراته وطموحاته.. ومن ثم، تحول «الكشف غير المقصود» عن فضيحة القواعد الإسرائيلية على أرض العراق، إلى «بركان سياسي»، ألقى بحمم الاتهامات بالعجز عن حماية «السيادة الوطنية»، على رأس حكومة متعثرة، حتى في استكمال تشكيل حقائبها الوزارية «نتيجة التجاذبات والمساومات»، منذ تكليف علي الزيدي، الذي جاء كحل وسط بين شروط واشنطن وتحفظات طهران.
عن ذلك الوضع، يقول اللواء الحمداني بمرارة، «للأسف.. حتى الآن، حكومتنا ملتزمة الصمت».. بينما وصف النائب وعد القدو، ما جرى في الصحراء الغربية، بأنه «استهتار صارخ بسيادة العراق وبكرامة شعبه».. وفي المقابل، حافظ الجيش الإسرائيلي على سياسة «الصمت العملياتي»، تاركًا المهمة للإعلام العبري الذي لم يُقصّر في التفاخر بـ «اليد الطولى» في أرجاء المنطقة وفي أجساد بلدانها، رافضًا التعليق «رسمًيا» على موضوع القواعد أو على مقتل الراعي العراقي، رغم أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، صرح بعد حرب يونيو 2025، بأن نجاح العمليات ضد إيران تحقق «بفضل الخداع والتكامل بين القوات الجوية وقوات الكوماندوز البرية».
ومن جهتها، امتنعت القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط «سنتكوم» عن التعليق.. غير أن مسئولين عسكريين أمريكيين سابقين أكدوا لنيويورك تايمز، أنه «من غير المعقول أن تكون السنتكوم لا تدري بوجود نشاط عسكري إسرائيلي بهذا الحجم داخل العراق».. لكن الغموض «المُتعمّد» من جميع الأطراف بشأن الواقعة الدرامية، قد لا يستمر طويلًا في وضع استثنائيّ، يغلي على جمر حرب لم تنطفئ نارها، ويحتمل انفجارها مجددًا في أي لحظة، بكل تداعياتها الإقليمية وتشابكاتها الجيوسياسية.. ولهذا حذّر الخبير رمزي مارديني، من أن أي تقارب عراقي مع واشنطن قد يُفسَّر مستقبلًا، بوصفه «انحيازًا لإسرائيل»، متوقعًا أن يمنح استئناف الحرب طهران «ذريعة لتوسيع نطاق تدخلها العسكري المباشر في العراق، ومبررًا جديدًا أقوى، لرفض الفصائل الشيعية المسلحة نزع سلاحها».
*
■■ وبعد..
فوسط أنباء عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران تم توقيعه إلكترونيًا يوم الأحد الماضي، من قبل الرئيس ترامب ونائب الرئيس، جيه دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف.. فإن هذا الاتفاق يختبر بالفعل، ما إذا كان بإمكان واشنطن وطهران تحويل وقفة القتال إلى تسوية أوسع نطاقًا.. بدءًا من مضيق هرمز ثم الانتقال إلى المسألة الأكثر تعقيدًا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.. وانتهاءًا بامتثال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لبنود هذا الاتفاق، وخصوصًا ما يتعلق منه بلبنان، وسط غضب يبديه هو كما تُبديه فضائل المعارضة الإسرائيلية، تجاه الاتفاق، الذي يجعل من إسرائيل دولة هزمتها إيران.. ومن ثم، سيعمل نتنياهو على إفشاله بكل السبل، أقلها العودة إلى ضرب الضاحية الجنوبية للبنان، استفزازًا لطهران، الذي توعدت بضرب تل أبيب، إذا تم ذلك.. وهنا تبدو أهمية الأراضي العراقية، كمرتكز للانطلاق نحو ضرب إيران مُجددًا من الجيش الإسرائيلي.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين