في السنوات الأخيرة، لم يعد الأرق مجرد شكوى عابرة داخل العيادات النفسية، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية واسعة ونمط حياة قسري؛ فأصبحنا نرى طلابًا، وأطباء، ومهندسين، وربات بيوت، وكبار سن، جميعهم يشكون من المعضلة نفسها: "عقلي لا يتوقف عن التفكير.. لا أستطيع النوم".
والأخطر من الأرق في حد ذاته هو السلوك البشري الاندفاعي في التعامل معه. فبدلًا من البحث عن الجذور الحقيقية وراء اضطراب النوم، أصبح الاتجاه السائد هو الهروب نحو أسرع وسيلة تمنح ساعات قليلة من الغياب عن الوعي. هكذا انتشرت في مجتمعنا ثقافة "الحبة السحرية" التي تعد بنوم فوري، دون أن نطرح السؤال الأهم سيكولوجيًا وبيولوجيًا: لماذا فقد الإنسان المعاصر قدرته الفطرية على الاسترخاء والنوم؟
في الممارسة الإكلينيكية اليومية، نلاحظ تزايدًا مرعبًا في استخدام الأدوية المنومة والمهدئة دون إشراف طبي دقيق، اعتمادًا على وصفات قديمة، أو نصائح الأصدقاء، أو ترشيحات عشوائية على منصات التواصل الاجتماعي. أصبح المريض يتنقل بين شريط دواء وآخر، وكأن الأزمة في جودة العقار، وليست في العقل الذي طار منه النوم.
ومن أشهر المواد التي جرى العرف على إساءة استخدامها مؤخرًا، مادة "الزوبيكلون" (Zopiclone)، والتي تعمل من خلال تحفيز مستقبلات حمض جاما أمينوبوتيريك (GABA) في المخ، وهي المادة المسؤولة عن كبح النشاط العصبي الزائد والمساعدة على الهدوء. لكن الكارثة الطبية تكمن في أن هذه العقاقير صُممت كـ "إسعافات أولية" لفترات قصيرة جدًا؛ ومع الاستخدام الطويل والمفتوح، يحدث ما نسميه طبيًا "التحمل" (Tolerance)، حيث يعتاد المخ على الجرعة ويفقد الاستجابة لها، فيضطر المريض لزيادتها تلقائيًا، ليدخل في النفق المظلم للاعتمادية النفسية والجسدية (الإدمان المقنن).
ولا يتوقف الأمر عند المنومات الحديثة، بل يمتد للإفراط العشوائي في استخدام مجموعة "البنزوديازيبينات" (Benzodiazepines) الشهيرة. ورغم قيمتها الطبية الحتمية في السيطرة على نوبات القلق الحاد تحت الإشراف التخصصي، إلا أن سحبها العشوائي أو تعاطيها المزمن يفجر "أعراض انسحابية" عنيفة، على رأسها ارتداد الأرق بصورة أشد شراسة مما كانت عليه، فضلًا عن تأثيرها السلبي على ناقلات السيروتونين والدوبامين، مما يصيب المريض ببلادة وخمول وتدهور معرفي نهارًا.
وامتدادًا لهذا العبث الدوائي، رصدنا مؤخرًا اتجاهًا بالغ الخطورة، وهو استخدام بعض مضادات الذهان ذات التأثير المهدئ كعقار "الكويتيابين" (Quetiapine) بجرعات عشوائية للنوم، بل وصل الأمر ببعض المرضى إلى تعاطي أدوية شديدة التعقيد والحساسية مثل "الكلوزابين" (Clozapine) دون إدراك لخطورة هذا الفعل؛ فالكلوزابين دواء خطير لا يُوصف إلا في حالات الفصام المستعصية ويحتاج لمتابعة صارمة لكرات الدم البيضاء، وتحويله إلى "حبة منومة" هو جريمة طبية يرتكبها المريض في حق جسده. هذه الأدوية لم تُخلق لعلاج أرق بسيط، بل لإعادة ضبط كيمياء مخ واجهت اضطرابات ذهانية كبرى.
وهنا يجب أن نقف بوضوح؛ فالدواء قد ينجح في إطفاء إشارة التحذير مؤقتًا، لكنه لا يزيل الحريق. قد ينام المريض قسرًا الليلة، لكنه سيستيقظ غدًا ليجد القلق نفسه، أو الاكتئاب عينه، أو الضغوط الحياتية التي خنقته في البداية ما زالت تنتظره على باب غرفته.
الطب النفسي يتعامل مع الأرق كـ "عرض" وليس كمرض مستقل. الأرق هو مرآة لعشرات الأسباب: قد يكون القناع الخفي لاضطراب قلق متجذر، أو بداية نوبة اكتئاب جسيم، أو خلل في الساعة البيولوجية، أو انعكاس لأمراض عضوية كاضطرابات الغدة الدرقية وانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم. لذلك، نحن لا نعالج شاشات الأرق، بل نعالج "الإنسان" الذي يعاني خلفها، ونسأل بدقة: ما الذي يبقيك مستيقظًا حتى الفجر؟
إننا نعيش في عصر مسموم تكنولوجيًا ورقميًا؛ سيل من الإشعارات لا ينقطع، تدفق إخباري مرعب، مقارنات اجتماعية طاحنة على مدار الساعة. يصطحب الإنسان هاتفه وعقله المثقل بالتوتر إلى الفراش، وينتظر من مخه أن ينام فورًا! والحقيقة الإكلينيكية تقول: إن معظم الناس اليوم لا يعانون من "نقص المنومات"، بل يعانون من "انعدام الهدوء".
الطريق إلى نوم صحي وآمن لا يبدأ أبدًا من جوف شريط دواء، بل يبدأ من استعادة "نظافة النوم" (Sleep Hygiene): تنظيم المواعيد، عزل الشاشات الزرقاء قبل النوم بساعتين على الأقل، تقليل الكافيين، ومواجهة الضغوط النفسية بالعلاج السلوكي المعرفي.
النوم ليس رفاهية يمكن شراؤها من الصيدلية، بل هو عملية ترميم بيولوجية مقدسة للمخ والجسد؛ والإنسان لا يحتاج دائمًا إلى "حبة تساعده على النوم"، بل يحتاج بشجاعة إلى علاج "ما يمنعه من النوم".
- استشاري الطب النفسي والأعصاب


