شهدت مدينة إيفيان الفرنسية، على هامش أعمال قمة مجموعة الدول السبع الصناعية «G٧» مؤخرًا، لقاء محوريًا ومهمًا جمع الرئيس عبدالفتاح السيسى بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
لم يكن هذا اللقاء مجرد بروتوكول عابر على هامش قمة دولية، بل جاء فى توقيت إقليمى ودولى فائق الحساسية، ليعيد رسم ملامح الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن فى ظل تحولات جيوسياسية كبرى تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم.
وحملت كلمات الرئيس السيسى، خلال اللقاء، رسائل واضحة حول موقع مصر فى المعادلة الإقليمية. ففى حديثه لم يكتفِ الرئيس السيسى بالتأكيد على عمق العلاقات الثنائية فحسب، بل وضع هذه العلاقات فى سياقها الأوسع كركيزة للاستقرار والسلم الإقليمى.
ولقد أدرك الجانب الأمريكى، من خلال تقدير الرئيس ترامب الدور المحورى للقاهرة، أن أى محاولة لترتيب أوراق المنطقة أو احتواء النزاعات فيها لا يمكن أن تنجح دون التنسيق الوثيق مع مصر.
هنا تبرز الرسالة المصرية القوية بأن القاهرة ليست مجرد طرف فى الأزمات، بل صانع للتوازن ومنصة أساسية لأى مسار تفاوضى ناجح. وقد تجسّد ذلك فى إشادة واشنطن بدور مصر فى دعم المسارات التفاوضية، ما يمنح الدبلوماسية المصرية تفويضًا ضمنيًا بالاستمرار فى لعب أدوار الوساطة والقيادة.
وتضمن اللقاء إشارة لافتة من الرئيس السيسى إلى الاتفاق الأمريكى الإيرانى الأخير، حيث هنّأ الرئيس السيسى نظيره الأمريكى على هذا الإنجاز. هذه الخطوة ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل رسالة استراتيجية تفيد بأن مصر تدعم كل جهد يؤدى إلى إنهاء الحرب والتصعيد فى المنطقة.
إن الموقف المصرى هنا يحمل بُعدًا عظيمًا، فالقاهرة تدرك أن استقرار الإقليم مرهون بقدرة القوى الكبرى على إدارة تناقضاتها بعيدًا عن ساحات المنطقة. ومن خلال دعم هذا الاتفاق، تؤكد مصر أنها مستعدة لتسخير كل إمكاناتها لضمان أن يفتح هذا الاتفاق الباب فعليًا لحلول مستدامة وليس مجرد تهدئة مؤقتة، ما يعكس حكمة الرؤية المصرية فى التعامل مع الملفات الشائكة.
ورغم انشغال العالم بقمم الاقتصاد والتحالفات الصناعية، حرص الرئيس السيسى على وضع القضية الفلسطينية فى صلب المباحثات. إن التأكيد على أن تسوية هذه القضية أمر أساسى وجوهرى لتحقيق السلام الدائم هو رسالة موجهة ليس فقط للإدارة الأمريكية، بل للمجتمع الدولى فى إيفيان. وتدرك مصر أن أى إنجازات اقتصادية أو اتفاقات إقليمية ستظل هشة ما لم تتم معالجة القضية الأم. هذه الرسالة تعكس تمسك القاهرة بالثوابت الوطنية والقومية، وتذكير دائم للشركاء الدوليين بأن السلام فى الشرق الأوسط له مدخل واحد لا يمكن تجاوزه.
واتفق الزعيمان على تكثيف التشاور والتنسيق السياسى، ما يشير إلى مرحلة جديدة من العمل المشترك. ولم يعد اللقاء يقتصر على الملفات الأمنية التقليدية، بل يمتد ليشمل رؤية مشتركة للتحديات العالمية.
إن وصف ترامب الرئيس السيسى بالصديق العزيز ليس تعبيرًا عن تقارب شخصى بقدر ما هو انعكاس لقناعة أمريكية بأن مصر هى الشريك الأكثر موثوقية فى منطقة تعج بالمتغيرات. ويمكن قراءة لقاء «إيفيان» كوثيقة سياسية تؤكد أن مصر فى ٢٠٢٦ ليست تلك التى كانت عليها فى عقود مضت، فهى لاعب رئيسى يمتلك زمام المبادرة.
ولذلك كانت الرسائل المصرية التى حملها الرئيس السيسى إلى ترامب بمثابة ثقة بالنفس ووضوح فى الرؤية، مؤكدة أن القاهرة باقية على مواقفها الراسخة، ومستمرة فى الانفتاح على كل القوى الدولية، بما يخدم المصالح الوطنية المصرية وأمن واستقرار الإقليم ككل.




