أخبار عاجلة

«خلى السلاح صاحى».. كيف نجحت مصر فى حماية حدودها على جميع الجهات الاستراتيجية؟

«خلى السلاح صاحى».. كيف نجحت مصر فى حماية حدودها على جميع الجهات الاستراتيجية؟
«خلى السلاح صاحى».. كيف نجحت مصر فى حماية حدودها على جميع الجهات الاستراتيجية؟

فى الأمثال الشعبية المصرية تختبئ أحيانًا حكم كاملة داخل كلمات قليلة، ومن بين عشرات الأمثال التى تناقلها المصريون جيلًا بعد جيل تبقى عبارة «العفى محدش ياكل لقمته» واحدة من أكثرها قدرة على اختصار معنى القوة وحماية الحقوق وصون المكتسبات.

وقد استخدم الرئيس عبدالفتاح السيسى هذه المقولة فى إحدى الفعاليات منذ سنوات، ليؤكد بها أن حماية الأوطان ومقدرات الشعوب لا تتحقق إلا بالقدرة والقوة واليقظة الدائمة، خاصة أن المصريين لم يكونوا يقصدون بها فقط الرجل الذى يحافظ على رزقه وبيته وأهله، بل كانوا يصفون حالة أوسع من الاستعداد الدائم والقدرة على الدفاع عما يملكون، مع عدم السماح لأحد بالاعتداء على حقوقهم أو الانتقاص منهم.

ومع التأكيد على أن الدول مثل البشر، ولا اختلاف بينهما حول تلك القاعدة، فإن الوطن الذى لا يحمى حدوده ولا يصون مقدراته ولا يمنع العابثين من الاقتراب من ثرواته يصبح معرضًا لأن يفقد جزءًا من أمنه واستقراره ومستقبله.

872.jpeg

وسط إقليم مضطرب ودول تتفكك.. تحولت الحدود إلى خط دفاع عصى على الاختراق

لم يكن ملف تأمين الحدود بالنسبة لمصر مجرد مهمة أمنية وعسكرية تقليدية، وإنما قضية وجود ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومى والتنمية والاستقرار.

وبعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، وجدت الدولة المصرية نفسها أمام واقع محلى وإقليمى شديد الاضطراب، إذ كانت المنطقة بأكملها تمر بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ عقود، فهناك دول تتفكك، وجيوش تنهار، وتنظيمات إرهابية مسلحة تتمدد، وحدود تتحول إلى ممرات مفتوحة أمام السلاح والمخدرات والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.

فى تلك الأثناء، لم تكن مصر تواجه تهديدًا واحدًا، وإنما كانت تواجه طيفًا واسعًا من المخاطر المتشابكة، التى تتحرك فى أكثر من اتجاه وفى أكثر من توقيت.

وعلى الحدود الغربية، كانت الفوضى التى ضربت دولة ليبيا الشقيقة تفتح المجال أمام انتشار السلاح والجماعات المسلحة وشبكات التهريب.

ومن الجنوب، كانت تحديات الهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود، بما فيها المنقبون عن الذهب بطرق غير شرعية ومهربو البشر، تفرض نفسها بقوة.

أما السواحل الممتدة على البحرين المتوسط والأحمر فكانت تمثل بدورها ساحات مفتوحة، تحاول شبكات التهريب استغلالها لتحقيق مكاسب غير مشروعة، إلى جانب أطماع أطراف أخرى ظنت أن الدولة المصرية غير قادرة على تأمين مقدراتها.

ولكل ذلك، بدأت الدولة المصرية فى إعادة بناء منظومة متطورة ومتكاملة لتأمين الحدود، لا تعتمد فقط على الوجود العسكرى التقليدى، وإنما على مفهوم أشمل، يقوم على المراقبة المستمرة، والرصد المبكر، والتدخل السريع، والتنسيق الكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.

877.jpg

وبالنظر إلى خريطة مصر، ندرك حجم المهمة التى تتولاها قوات حرس الحدود، وأجهزة الدولة بشكل يومى، والتى لا تحرس حدودًا بسيطة، وإنما تؤمن ما يقرب من ٥٥٨٥ كيلومترًا من الحدود والسواحل، تمتد معظم مسافاتها عبر صحارى شاسعة، ووديان، وجبال، ومسطحات مائية، وممرات بحرية، ومنافذ ومعابر متنوعة.

ولا يجب أن ننسى أيضًا مدى طول الحدود الساحلية، البالغ نحو ٢٩٩٥ كيلومترًا، والتى تشمل سواحل البحرين المتوسط والأحمر، والساحلين الشرقى والغربى لخليج السويس، إضافة إلى المجرى الملاحى لقناة السويس.

أما عن الحدود البرية، فهى تبلغ نحو ٢٥٩٠ كيلومترًا، وتمتد غربًا مع ليبيا، وجنوبًا مع السودان، إلى جانب شبكة واسعة من الطرق والمحاور الداخلية المرتبطة بالمناطق الحدودية.

وكل هذه الأرقام لا تعكس مجرد مسافات جغرافية فحسب، بل تعكس حجم المسئولية الملقاة على عاتق القوات المكلفة بحماية تلك الحدود، فكل كيلومتر يحتاج إلى مراقبة وتأمين واستطلاع وقدرة على التحرك والتعامل مع أى تهديد محتمل.

من هنا، جاء الاعتماد على منظومة مراقبة حديثة ومتطورة تعتمد على شبكة واسعة من الرادارات، والمنظومات الكهروبصرية، وأجهزة الرؤية الليلية، ووسائل الاستطلاع المختلفة، إلى جانب أنظمة القيادة والسيطرة، التى تسمح بتجميع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار فى الوقت المناسب.

ورغم هذا التطور، إلا أنه لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تصنع النجاح، ففى قلب هذه المنظومة يقف المقاتل المصرى الذى يعمل فى ظروف استثنائية وعلى مسافات بعيدة عن المدن والعمران، وساعات طويلة من المراقبة والاستطلاع والتحرك فى بيئات قاسية، من جبال وعرة إلى صحارى ممتدة وسواحل مفتوحة، بمهام يومية لا تتوقف، وذلك لأن التهديدات نفسها لا تتوقف فى المقابل.

ولأن طبيعة المخاطر تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فقد شهدت قوات حرس الحدود عملية تحديث واسعة، اعتمدت على التكنولوجيا الحديثة والتطوير المستمر فى التسليح والمعدات، وهو ما تؤكده القوات المسلحة بشكل دائم، مع توضيح أن منظومة التأمين الحالية تقوم على مفهوم متكامل، يجمع بين الفرد المقاتل والتسليح والمعدة والمركبة ونظم الاستطلاع والاتصالات الحديثة، مع دعم القوات بأجهزة كشف متطورة ورادارات ومنظومات مراقبة حديثة ومركبات تتناسب مع طبيعة الأرض المصرية المختلفة، سواء فى المناطق الصحراوية أو الساحلية أو الجبلية.

وتشمل منظومة التأمين أيضًا لانشات للمرور الساحلى القريب، وأجهزة للفحص باستخدام الأشعة السينية، والكلاب الحربية المدربة على اكتشاف المهربات بمختلف أنواعها، إضافة إلى وسائل اتصال عالية الكفاءة، التى تسمح بالتواصل الفورى وتبادل المعلومات بين الوحدات المختلفة.

ولا يقتصر التطوير على المعدات فقط، بل يمتد إلى تحديث خطط التأمين وأساليب العمل، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة، خاصة أن عصابات التهريب والجريمة المنظمة أصبحت تستخدم وسائل أكثر تطورًا وتعقيدًا مما كان عليه الحال فى السابق.

تفكيك شبكات الجريمة العابرة للحدود وشل حركة الاقتصاد الموازى

فى الجنوب؛ حيث تتقاطع بعض مسارات التهريب والتنقيب غير المشروع والهجرة غير الشرعية، نفذت قوات إنفاذ القانون بالتعاون مع أجهزة وزارة الداخلية حملات موسعة استهدفت عددًا من البؤر الإجرامية التى تستغلها التنظيمات والشبكات غير المشروعة.

وأسفرت تلك الحملات عن ضبط متورطين فى أنشطة غير قانونية، ومصادرة أسلحة وذخائر، وأجهزة اتصال لاسلكية، ومبالغ مالية، ومعدات تستخدم فى عمليات التنقيب العشوائى عن الثروات التعدينية.

وتعكس هذه العمليات طبيعة التهديدات الجديدة التى تواجهها الدول الحديثة؛ فلم تعد الجريمة المنظمة نشاطًا محدودًا يمارسه أفراد بصورة عشوائية، وإنما أصبحت شبكات عابرة للحدود تمتلك مصادر تمويل، ووسائل اتصال، وخطط حركة معقدة، وتسعى إلى استغلال أى فراغ أمنى أو جغرافى لتحقيق أهدافها، ولهذا لم تعد مواجهة هذه الظواهر تعتمد فقط على رد الفعل، وإنما على العمل الاستباقى وجمع المعلومات والرصد المستمر والتحرك السريع قبل أن تتطور التهديدات أو تنتقل إلى مراحل أكثر خطورة.

أصبحت مهمة حماية الحدود المصرية لا تقتصر على الصحارى والمنافذ البرية فقط، فهناك جبهة أخرى لا تقل أهمية؛ تتمثل فى السواحل والممرات الملاحية، خاصة أن مصر تمتلك واحدًا من أهم الممرات البحرية فى العالم وهو قناة السويس، التى لا تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد المصرى فحسب، بل تعد أحد أهم مسارات التجارة العالمية، ولهذا يتمتع المجرى الملاحى للقناة بأعلى درجات التأمين والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة وأجهزة الدولة المعنية.

وتضطلع قوات حرس الحدود بدور أساسى فى أعمال التفتيش والتأمين ومراقبة حركة العابرين عبر المعابر والأنفاق والمعديات والكبارى التى تربط ضفتىّ القناة، بما يضمن الحفاظ على أمن هذا المرفق الاستراتيجى الحيوى، كما تمتد مهام التأمين إلى المسطحات المائية ومناطق البواغيز وموانئ الصيد والسواحل المختلفة. ويجرى تنفيذ أعمال المراقبة والاستطلاع والرصد المستمر لمنع أى محاولات تسلل أو تهريب أو أنشطة غير قانونية.

ولأن الأمن القومى لم يعد مسئولية جهة واحدة، فإن نجاح منظومة تأمين الحدود يعتمد بدرجة كبيرة على التنسيق والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة؛ فهناك تعاون مستمر بين قوات حرس الحدود والقوات البحرية لتأمين السواحل والمياه الإقليمية ومواجهة التهديدات البحرية المختلفة، كما يجرى التنسيق مع القوات الجوية لتأمين الحدود البرية الشاسعة وتبادل المعلومات حول التحركات المشبوهة ومسارات التهريب المحتملة، إضافة إلى توفير الدعم والاستطلاع والنجدة عند الضرورة.

ويمتد هذا التعاون إلى الأفرع الرئيسية والتشكيلات التعبوية للقوات المسلحة، بما يضمن وجود صورة متكاملة للموقف على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، ولهذا لا يتوقف الأمر عند المؤسسات العسكرية فقط، بل يشمل أيضًا الوزارات والجهات المدنية المختلفة.

وتعتبر وزارة الداخلية شريكًا رئيسيًا فى تبادل المعلومات ومكافحة التهريب والتسلل والجريمة المنظمة، كما يجرى التنسيق مع وزارة الزراعة فيما يتعلق بحماية الثروة السمكية وتطبيق قوانين الصيد والبيئة، ومع وزارة السياحة فى تنظيم الأنشطة التى تتم داخل المناطق الصحراوية والحدودية، مثل رحلات السفارى والمعسكرات والأنشطة التى تتطلب تصاريح مسبقة.

ويمتد التعاون كذلك إلى وزارات البترول والثروة المعدنية والبيئة والنقل والرى وغيرها من الجهات المرتبطة بطبيعة العمل فى المناطق الحدودية، وهكذا تتحول عملية حماية الحدود من مهمة عسكرية منفردة إلى مشروع وطنى متكامل تشارك فيه مؤسسات متعددة تحت هدف واحد هو حماية الأمن القومى وصون مقدرات الدولة.

وتعكس حصيلة الضبطيات التى تحققت خلال الفترة الماضية حجم الجهد المبذول على الأرض؛ فالقيمة المالية للمضبوطات التى تم ضبطها تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات، وهو رقم يكشف عن أن المواجهة لا تدور فقط ضد مهربين أو متسللين، وإنما ضد اقتصاد مواز وشبكات إجرامية تسعى إلى تحقيق مكاسب ضخمة على حساب الدولة والمجتمع.

وعندما يجرى ضبط شحنة مخدرات بمئات الملايين من الجنيهات، أو إحباط عمليات تهريب بضائع بمليارات الجنيهات، أو منع الاستيلاء على ثروات تعدينية بصورة غير قانونية فإن الدولة لا تحمى حدودها فقط، بل تحمى اقتصادها أيضًا؛ فالأمن والتنمية ليسا مسارين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة. وكلما نجحت الدولة فى فرض السيطرة على حدودها، ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات وحماية الأسواق والحفاظ على مواردها وثرواتها.

وفى قلب هذه الصورة كلها تبرز حقيقة أساسية أكدت عليها القيادة السياسية أكثر من مرة، وهى أن حماية الحدود المصرية والأمن القومى المصرى تمثل مهمة رئيسية للقوات المسلحة، فمصر دولة لم تكن يومًا دولة اعتداء أو توسع.

وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسى مرارًا أن مصر تحترم حدود الآخرين ولا تتجاوزها، لكنها فى الوقت نفسه تمتلك القدرة والإرادة لحماية حدودها وأمنها القومى فى مواجهة أى تهديد، وتكتسب هذه الرسالة أهمية مضاعفة فى منطقة لا تزال تعانى من أزمات وصراعات ممتدة، إذ أصبحت قوة الدولة وقدرتها على حماية حدودها شرطًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار ومواصلة مسيرة التنمية.

ربما لا يرى المواطن المصرى يوميًا ما يحدث على امتداد آلاف الكيلومترات من الحدود والسواحل، لا يشاهد نقاط المراقبة البعيدة وسط الصحراء ولا الدوريات التى تتحرك ليلًا ونهارًا ولا عمليات الرصد والمتابعة التى تجرى على مدار الساعة، لكن نجاح تلك الجهود يظهر فى شىء آخر أكثر أهمية؛ أن تبقى الدولة مستقرة، وأن تستمر المشروعات فى العمل، وأن يتحرك الاقتصاد، وأن يعيش الناس حياتهم بصورة طبيعية.

فى المجمل لا تقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من أسلحة ومعدات، وإنما بقدرتها على حماية أرضها وثرواتها ومكتسباتها، وهنا يعود المثل الشعبى القديم ليكتسب معنى جديدًا فى عالم الدول والسياسة والأمن القومى؛ فكما يحافظ الرجل القوى على لقمة عيشه ولا يسمح لأحد بالاعتداء عليها، تحافظ الدول القوية على حدودها ومقدراتها ولا تسمح لأحد بتهديد أمنها أو العبث بثرواتها.

وفى زمن تتسارع فيه التحديات وتتعقد فيه التهديدات، تبدو قصة حماية الحدود المصرية واحدة من أهم قصص القوة الصامتة التى تُكتب كل يوم بعيدًا عن الأضواء، لكنها تبقى حاضرة فى كل مشروع تنموى، وكل طريق جديد وكل مدينة تنمو، وكل خطوة تخطوها الدولة نحو المستقبل.

 إحباط تهريب السلاح والمخدرات والبضائع والتنقيب والهجرة

إذا كانت التكنولوجيا توفر العين التى تراقب، فإن النتائج الميدانية تكشف حجم ما يحدث بالفعل على الأرض، لا سيما أنه خلال الفترة الماضية أعلن المتحدث العسكرى للقوات المسلحة عن نجاح قوات حرس الحدود فى ضبط عشرات الوقائع المرتبطة بتهريب الأسلحة والذخائر، وأسفرت تلك الجهود عن ضبط عشرات القطع من الأسلحة المختلفة، وآلاف الطلقات والذخائر المتنوعة، وربما تبدو هذه الأرقام مجرد بيانات جافة فى بيان رسمى، لكنها فى الحقيقة تحمل دلالات أعمق بكثير، فكل قطعة سلاح يتم ضبطها تعنى خطرًا لم يصل إلى وجهته، وكل شحنة ذخائر يتم اعتراضها تعنى جريمة محتملة تم إحباطها قبل أن تقع، وفى منطقة مضطربة تنتشر فيها التنظيمات المسلحة وشبكات الاتجار غير المشروع بالسلاح، يصبح منع تسرب هذه الأسلحة إلى الداخل أحد أهم خطوط الدفاع عن استقرار الدولة والمجتمع.

873.jpg

ولا تقل معركة مكافحة المخدرات أهمية عن مواجهة السلاح، خاصة أن شبكات تهريب المواد المخدرة لا تستهدف تحقيق أرباح مالية فقط، وإنما تمثل تهديدًا مباشرًا للمجتمعات، وللقدرة الإنتاجية للشعوب، فضلًا عن ارتباطها فى كثير من الأحيان بجرائم أخرى تشمل غسل الأموال والجريمة المنظمة، وخلال الفترة الماضية نجحت قوات حرس الحدود فى ضبط مئات الأطنان من المواد المخدرة المختلفة، إلى جانب مئات الآلاف من الأقراص المخدرة وكميات ضخمة من المواد المحظورة، وتكشف هذه الأرقام عن حجم المحاولات التى تستهدف السوق المصرية، كما تكشف فى الوقت نفسه عن حجم الجهد المبذول لمنع وصول هذه السموم إلى الداخل، وهنا الأمر لا يتعلق فقط بضبط شحنة أو القبض على مهرب، وإنما بحماية آلاف الأسر والشباب من الوقوع فى دائرة الإدمان وما يرتبط بها من آثار اجتماعية واقتصادية وأمنية معقدة.

على الصعيد ذاته، تخوض الدولة المصرية معركة أخرى لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام الإعلامى، لكنها لا تقل أهمية وهى مواجهة التهريب التجارى وإدخال البضائع غير خالصة الرسوم الجمركية، فالمهرب الذى يحاول إدخال بضائع بصورة غير قانونية لا يعتدى فقط على القانون، بل يعتدى على الاقتصاد الوطنى وعلى مبدأ تكافؤ الفرص داخل السوق، وخلال الفترة الماضية تم ضبط مئات الوقائع المتعلقة بالبضائع المهربة، شملت مواد بترولية، وسجائر، وكميات ضخمة من السلع المختلفة غير خالصة الرسوم الجمركية، تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات، وتكشف هذه الأرقام عن أن حماية الحدود لا ترتبط بالأمن فقط، وإنما تمتد أيضًا إلى حماية الاقتصاد الوطنى والحفاظ على موارد الدولة ومقدراتها المالية.

من بين الملفات التى فرضت نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة، يبرز ملف التنقيب غير المشروع عن الذهب والثروات التعدينية خاصة فى المناطق الصحراوية النائية والحدودية، إذ حاولت مجموعات وشبكات مختلفة استغلال الطبيعة الجغرافية الوعرة للقيام بأعمال بحث وتنقيب خارج الأطر القانونية، وقد يبدو الأمر للبعض مجرد مخالفة قانونية مرتبطة بالبحث عن الثراء السريع، لكنه فى حقيقته يمثل اعتداءً مباشرًا على ثروات الدولة ومواردها الطبيعية، ولهذا كثفت قوات إنفاذ القانون وقوات حرس الحدود جهودها لمواجهة هذه الظاهرة، وأسفرت الحملات عن ضبط عشرات الوقائع المرتبطة بالتنقيب العشوائى، ومصادرة أجهزة كشف معادن ومولدات كهربائية ومعدات حفر وتجهيز، إلى جانب كميات كبيرة من الأحجار المختلطة بخام الذهب.

فى تلك المواجهات، لا يتعلق الأمر فقط بتطبيق القانون، وإنما بحماية ثروات وطنية تمثل جزءًا من حقوق الأجيال القادمة، فالمعادن والثروات الطبيعية ليست ملكًا لأفراد أو مجموعات، وإنما هى جزء من مقدرات الدولة التى يجب الحفاظ عليها واستغلالها وفق القواعد القانونية والاقتصادية السليمة.

874.jpg

كما تمثل الهجرة غير الشرعية أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام الدول الحديثة، فخلف كل محاولة تسلل أو عبور غير قانونى تقف فى كثير من الأحيان شبكات منظمة تتاجر بأحلام البشر، وتستغل الظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الفئات لتحقيق أرباح ضخمة على حساب حياة الناس وسلامتهم، ولسنوات طويلة تحولت بعض المناطق الحدودية فى العالم إلى ممرات تستخدمها هذه الشبكات لنقل البشر بصورة غير قانونية عبر الصحارى أو البحار، فى رحلات محفوفة بالمخاطر قد تنتهى بالموت أو الاستغلال أو الوقوع فى قبضة عصابات الاتجار بالبشر، ومن هنا جاءت أهمية الجهود التى تبذلها الدولة المصرية لمكافحة هذه الظاهرة، فقد تمكنت قوات حرس الحدود خلال الفترة الماضية من إحباط عشرات الوقائع المرتبطة بالتسلل والهجرة غير الشرعية، وضبط عشرات الآلاف من المتسللين من جنسيات مختلفة على الاتجاهات الاستراتيجية كافة، وصلت فى البيان الأخير لقوات حرس الحدود لنحو ١٠٠ ألف حالة من جنسيات مختلفة حاولوا الدخول والخروج من مصر بشكل غير شرعى.

اللافت فى التجربة المصرية أنها نجحت فى تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الحسم الأمنى والبعد الإنسانى، فالدولة تتعامل مع شبكات التهريب باعتبارها تهديدًا أمنيًا تجب مواجهته، لكنها فى الوقت نفسه تلتزم بالقواعد الإنسانية والقانونية فى التعامل مع الأفراد الذين يتم ضبطهم أثناء محاولات التسلل أو العبور غير المشروع.