في ظل اشتداد موجات الحر في أوروبا واتجاه معظم المدن إلى توسيع الاعتماد على أجهزة التكييف، اختارت فرنسا منذ تسعينيات القرن الماضي مسارًا مختلفًا يقوم على تطوير واحد من أضخم أنظمة التبريد الحضري في العالم، يعتمد على استغلال مياه نهر السين لتقليل الحاجة إلى وحدات التبريد الفردية.
يمتد النظام، الذي تشغله شركة “فريشور دو باريس” ضمن شبكة تابعة لامتياز تديره بلدية باريس، على نحو 120 كيلومترًا من الأنابيب تحت الأرض، ويقوم بتوزيع مياه مبردة إلى متاحف ومكاتب ومستشفيات ومدارس، إضافة إلى مؤسسات كبرى مثل متحف اللوفر وقصر غراند باليه وعدد من الفنادق والمناطق الإدارية.
ضخ مياه نهر السين عبر شبكة أنابيب رئيسية لتبريد باريس
وحسب تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، تقوم آلية العمل على ضخ مياه باردة مستخلصة من نهر السين عبر شبكة أنابيب رئيسية، بالتوازي مع أنابيب أخرى تنقل المياه الدافئة العائدة من مباني المدينة.
وبين الشبكتين، يسمح مبادل حراري بانتقال الطاقة الحرارية من المياه الساخنة إلى الباردة دون اختلاط مباشر بين السوائل، في عملية تشبه انتقال الحرارة بين وعاءين منفصلين.
بعد ذلك تُعاد المياه المبردة إلى المباني المرتبطة بالنظام، فيما تعود مياه السين إلى مجراها الطبيعي بدرجة حرارة أعلى بشكل طفيف.
وقد طور هذا المشروع في تسعينيات القرن الماضي من قبل شركة تابعة لمرفق الكهرباء في باريس (إنجي)، في إطار رؤية تهدف إلى مكافحة ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية” وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
وتخطط باريس لتوسيع الشبكة إلى نحو ثلاثة أضعاف حجمها الحالي بحلول عام 2042، بحيث تشمل جميع أحياء المدينة وأكثر من 3000 مبنى، بينها مستشفيات ومؤسسات تعليمية ودور رعاية، في محاولة لتحويل التبريد الحضري من خدمة مخصصة للمباني الكبرى إلى بنية تحتية شاملة على مستوى المدينة.
منظومة حضرية متكاملة قادرة على تلبية الطلب المتزايد
وقال متحدث باسم الشركة إن التوسع المستقبلي يستهدف الانتقال من نموذج يخدم القطاعين العام والتجاري الكبير إلى منظومة حضرية متكاملة قادرة على تلبية الطلب المتزايد على التبريد في العاصمة الفرنسية.
ورغم أن النظام لا يلغي هذا الأثر بالكامل إذ يعيد جزءًا محدودًا من الحرارة إلى نهر السين فإن الدراسات الأولية لا تُظهر تأثيرات بيئية كبيرة، حيث تبقى التغيرات الحرارية ضمن نطاقات خاضعة للرقابة البيئية.
وتؤكد تقديرات خبراء الطاقة أن التبريد الحضري أكثر كفاءة من أنظمة التكييف التقليدية من حيث استهلاك الكهرباء والانبعاثات، وهو ما يفسر اهتمام مدن أخرى مثل ستوكهولم وتورنتو بتجارب مماثلة.




