ترسيخ مبادئ المواطنة وتعزيز الوحدة الوطنية، عبر حزمة من التشريعات والإجراءات التنفيذية والمشروعات التي استهدفت معالجة ملفات ظلت عالقة لعقود، إلى جانب دعم دور الكنائس باعتبارها شريكًا أصيلًا في بناء المجتمع.
الكنيسة والدولة يعزفان لحنًا مشتركًا
ومن أبرز الخطوات التي اتخذتها الدولة في هذا الإطار، إصدار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس رقم 80 لسنة 2016، كأول تشريع ينظم بصورة واضحة إجراءات بناء الكنائس وترميمها وتقنين أوضاعها، بما أسهم في إنهاء العديد من الإشكاليات المرتبطة بهذا الملف على مدار سنوات طويلة.
وفي سياق تنفيذ القانون، شُكلت لجنة حكومية مختصة لتوفيق أوضاع الكنائس والمباني الخدمية التابعة لها، وواصلت أعمالها بصورة منتظمة حتى وافقت على تقنين أوضاع 3804 كنائس ومبانٍ خدمية تابعة لمختلف الكنائس حتى عام 2026، في خطوة عكست استمرار جهود الدولة لتسوية الأوضاع القانونية لتلك المنشآت.
وفي إطار دعم الاستقلال المالي والإداري للطوائف المسيحية، صدر عام 2020 قانون إنشاء هيئة أوقاف الكنيسة الكاثوليكية وهيئة أوقاف الطائفة الإنجيلية، بما وفر إطارًا قانونيًا مستقلًا لإدارة الأوقاف التابعة للطائفتين.
وعلى صعيد حماية دور العبادة، أعادت الدولة إعمار وترميم جميع الكنائس والمنشآت الكنسية التي تعرضت للحرق أو التخريب جراء أحداث العنف والإرهاب، ولا سيما الاعتداءات التي أعقبت فض اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013، وذلك على نفقة الدولة، في رسالة أكدت التزامها بحماية دور العبادة وصون النسيج الوطني.
وشهد عام 2019 افتتاح كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، التي تُعد أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط، وأحد أبرز الصروح الدينية المسيحية في المنطقة، بما يعكس اهتمام الدولة بتوفير دور العبادة داخل المدن الجديدة ومشروعات التنمية العمرانية.
وامتد هذا الاهتمام إلى إنشاء كنائس جديدة داخل المدن والمجتمعات العمرانية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع التوسع العمراني الذي تشهده الدولة، فضلًا عن المشاركة في ترميم وتطوير عدد من الأديرة والكنائس التاريخية والمواقع التراثية، حفاظًا على التراث القبطي المصري.
إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة
كما أولت الدولة اهتمامًا بإحياء مسار رحلة العائلة المقدسة، من خلال تطوير نقاط المسار المختلفة، باعتباره مشروعًا دينيًا وسياحيًا وثقافيًا يعكس مكانة التراث القبطي في مصر، ويعزز من مقومات السياحة الدينية.
وعلى المستوى السياسي، شهدت السنوات الماضية تعزيزًا لتمثيل الأقباط في مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب المناصب التنفيذية والقيادية، في إطار ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والمواطنة، فيما أكدت الدولة بصورة مستمرة، في خطابها الرسمي، مبادئ المواطنة والمساواة وعدم التمييز، باعتبار جميع المصريين شركاء في الوطن.
كما استمر التنسيق والتشاور بين مؤسسات الدولة والكنائس المصرية في مختلف القضايا الوطنية والمجتمعية، بما يعكس انتظام الحوار المؤسسي والتعاون المشترك في القضايا ذات الاهتمام العام.
وفي السياق ذاته، ومنذ عام 2015، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات عيد الميلاد المجيد، وزار الكاتدرائية 11 مرة لتقديم التهنئة، إضافة إلى مشاركة واحدة عبر تقنية الفيديو كونفرانس خلال جائحة كورونا، فضلًا عن زيارة خاصة لتقديم واجب العزاء عقب حادث الكنيسة البطرسية عام 2016، وهو ما اعتبره كثيرون رسالة تؤكد قيم المواطنة ووحدة النسيج الوطني.
كما اتخذ الرئيس موقفًا حاسمًا عقب استشهاد 21 مصريًا قبطيًا في ليبيا عام 2015، إذ قدم العزاء لأسر الضحايا، مؤكدًا أن دماء المصريين لا تفرق بين مسلم ومسيحي، وأعقب ذلك توجيه ضربات لمعاقل تنظيم داعش، في رسالة أكدت التزام الدولة بحماية جميع أبنائها والدفاع عنهم دون تمييز.
وعلى مدار الفترة من عام 2014 وحتى الآن، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي البابا تواضروس الثاني والقيادات الكنسية في مقر رئاسة الجمهورية في العديد من المناسبات، شملت لقاءات مع رؤساء الطوائف المسيحية المصرية، ووفود الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ورؤساء كنائس الشرق الأوسط، إلى جانب وفد مجلس الكنائس العالمي، بما يعكس انتظام التواصل المؤسسي بين مؤسسة الرئاسة والكنائس المصرية، ودعم الدولة للحوار والتعايش وتعزيز قيم المواطنة.
وتعكس مجمل هذه الخطوات مسارًا متواصلًا من التعاون بين الدولة والكنائس المصرية خلال السنوات الأخيرة، في إطار رؤية تستند إلى ترسيخ المواطنة، وصون حرية ممارسة الشعائر الدينية، وتعزيز التماسك المجتمعي باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار الدولة وبناء الجمهورية الجديدة.




