مع افتتاح متحفها الجديد بالعاصمة الإدارية، أقيمت احتفالية كبيرة، بمناسبة مرور مائتى سنة على إنشاء وزارة الخارجية، أمس الأول الخميس، جرى خلالها استحضار الإرث العريق للدبلوماسية المصرية، واستبقها الرئيس عبدالفتاح السيسى بتهنئة أبناء الوزارة، نساءً ورجالًا، الذى عملوا على مدار الأجيال المتعاقبة، بكل إخلاص وكفاءة، فى تمثيل الدولة المصرية لدى دول العالم والمنظمات الدولية.
بدأ العدّ، بصدور قرار إنشاء «ديوان التجارة والأمور الأفرنكية»، سنة ١٨٢٦، الذى حدّد محمد على صلاحياته فى التعامل مع الأجانب فى مصر، وبعض الأمور مع المجتمع الدولى، أو «بحر بره»، كما كانوا يصفونه فى ذلك الوقت. وقد يصبح العيد رقم ١٤٨، لو تعاملنا مع أول ظهور للوزارة بشكلها الحالى، نسبيًا: نظارة الخارجية، التى كانت واحدة من نظارات الحكومة المصرية الأولى، «مجلس النظار»، التى تشكلت سنة ١٨٧٨، واتسعت فيها صلاحيات هذه النظارة، لتشمل المعاهدات الدولية والمطابع والمطبوعات «الأورباوية»، طبقًا لما جاء فى «الأمر العالى» بشأن اختصاص النظَّار.
قبل الديوان والنظارة، يقول التاريخ إن ملوك مصر القديمة تبادلوا الرسائل مع نظرائهم فى الدول الأخرى، خصومًا كانوا أو أصدقاء، فى أزمنة الحرب والسلام. ويمكنك الرجوع إلى ألواح أو رسائل «تل العمارنة»، التى تم اكتشاف ٣٨٢ منها، لتدرك أن لدينا أقدم السجلّات الدبلوماسية فى التاريخ، أو لتستنتج منها، كما استنتج عالم المصريات البريطانى سيريل ألدريد، أن ملوكنا تبنّوا، سياسة خارجية واعية، مكّنتهم من السيطرة على العديد من الممالك، بدعمهم قادتها الضعفاء، أو إضعاف الأقوياء منهم.
نحو ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة، مرّت على هذه الألواح أو الرسائل. كما مرّت ثلاثة آلاف ومائتى سنة، إلا قليلًا، على معاهدة السلام، التى وقعها الملك رمسيس الثانى مع هاتوسيلى، أو خاتوشيلى الثالث، ملك الحيثيين، المعروفة باسم «معاهدة قادش»، والتى تُعد أول معاهدة مكتوبة عرفها العالم. وكانت لفتة طيبة أن يشير الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، إلى هذه المعاهدة، فى كلمته، خلال احتفالية الخميس، ليستخلص منها، أو ليؤكد، أن الدبلوماسية المصرية، على مدار القرنين الماضيين، كانت امتدادًا للنهج الدبلوماسى، الذى أرساه قدماء المصريين، وانعكاسًا للدولة المصرية، بكل ما حملته من قيم الحكمة والاتزان والاعتدال، والقدرة على الجمع بين المرونة فى المقاربات، والثبات على المبادئ.
المهم، هو أن الخارجية المصرية، منذ أن كان اسمها «ديوان التجارة والأمور الأفرنكية»، ثم نظارة أو وزارة، كانت تمثِّل أهم مظاهر السيادة الوطنية، على امتداد تاريخ مصر الحديث، بما فى ذلك خلال سنوات الاحتلال العثمانى أو البريطانى. ولن نختلف لو رأيت أن هذه السيادة كانت تتناقص أو تتزايد، طبقًا لاتساع أو ضيق مساحة الاستقلال الوطنى. فقط، سنشير إلى أن النظارات تحولت إلى وزارات، مع تغيير لقب الخديو إلى السلطان، وأن وزارة الخارجية تم إلغاؤها، سنة ١٩١٤، وتحولت اختصاصاتها إلى المندوب السامى البريطانى، وكانت إعادتها أحد مطالب ثورة ١٩١٩، الذى لم تستجب له دولة الاحتلال، إلا فى ١٥ مارس ١٩٢٢، وهو اليوم الذى صار عيدًا، سنويًا، للدبلوماسية المصرية.
لن نختلف، أيضًا أو طبعًا، لو رأيت أن الاستقلال الصورى، الذى حصلت عليه مصر، بتصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢، لم يصبح استقلالًا فعليًا، إلا بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، أو بخروج آخر جندى بريطانى فى ١٨ يونيو ١٩٥٦. لكن ما يمكن الخلاف عليه، أو بشأنه، هو ذلك الدور المهم، والمحورى، الذى لعبته دبلوماسية دولة ٢٣ يوليو، فى تعزيز دور ومكانة مصر، على المستويين الإقليمى والدولى.
.. وأخيرًا، لا نعتقد أننا فى حاجة إلى الإشارة للنقلة النوعية، التى شهدتها الدبلوماسية المصرية، منذ منتصف ٢٠١٤، بتبنى دولة ٣٠ يونيو سياسة الاتزان الاستراتيجى، التى تجمع بين الثبات على المبادئ، والانفتاح على العالم، واحترام القانون الدولى، وإعلاء قيم الحوار وتسوية النزاعات بالطرق السلمية.



