أخبار عاجلة

صرخة حسن جمعة "الجون أوفسايد يا أستاذ خالد"

صرخة حسن جمعة "الجون أوفسايد يا أستاذ خالد"
صرخة حسن جمعة "الجون أوفسايد يا أستاذ خالد"

هناك أشياء كثيرة تجعل كرة القدم تستحق الاحترام، لكنها تصبح أكثر استحقاقًا حين تدفع مفكرًا كبيرًا بحجم صديقنا محمد مختار العريان إلى أن يحضر مبكرًا إلى مقهى كهرمانة، متابعًا مباراة لمنتخب مصر في كأس العالم في مواجهة ايران، جاء بشغف المشجع البسيط، لا بتجهم المهموم السياسي أو تعالي النخبة، تلك صورة بديعة تقول إن الإنسان الحقيقي لا يخجل من انفعالاته الجميلة، بل يطور اهتماماته باستمرار وفق ما يفرضه الواقع، ويبقى حاضرًا في نبض الناس، مشاركًا لهم أفراحهم وأحزانهم، لذلك فإن الاحتفاء بمحمد العريان في هذه اللقطة هو احتفاء بالعقل الكبير الذي لم تمنعه مكانته من أن يجلس بين الناس ينتظر هدفًا لمصر، أو يحزن لهدف يدخل مرماها.
لكن كرة القدم كانت تخبئ لي في ذلك اليوم درسًا آخر، أكثر عمقًا، وأكثر إنسانية، كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، والقلوب تكاد تخرج من صدورها، ثم جاءت الصدمة، هدف إيراني قاتل سقط في شباك المنتخب المصري، فكأن الصمت ابتلع المقهى كله، شعرت بأن شيئًا انكسر داخلي، لم أحتمل البقاء، فغادرت المقهى مكتئبًا، أمشي بلا هدف، كأن الهزيمة ليست في مباراة لكرة القدم، بل في قطعة من الروح.
ابتعدت عشرات الأمتار عن المقهى، ولم أكن أعلم أن الدراما لم تنته بعد، داخل المقهى كان حكم المباراة يراجع الهدف عبر تقنية الفيديو، لحظات قليلة بدت كأنها دهر كامل، ثم جاءت المفاجأة التي أشعلت الدنيا.. الهدف ملغى... تسلل... أوفسايد.
وفي اللحظة التي انفجر فيها المقهى فرحًا، كان هناك رجل لم يكتف بأن يفرح مع الجالسين، ولم يكتف بالتصفيق أو الصياح،
ترك كل شيء خلفه.
اندفع إلى الشارع يبحث عني، كان هذا الرجل هو حسن جمعة، رأيته يعدو كطفل اكتشف كنزًا، يلوح بيديه، وعلى وجهه ابتسامة واسعة لا تعرف التكلف، وهو يهتف بأعلى صوته "أوفسايد يا أستاذ خالد... أوفسايد!"
يا الله...
أي قلب هذا الذي يفكر في حزن صديقه وسط فرحة عامة؟ أي معدن نادر يجعل الإنسان يترك الجمع كله، ويجري خلف شخص واحد، فقط لأنه يعرف أن الحزن قد سبقه إلى الطريق؟ لم يكن حسن يحمل لي خبرًا رياضيًا، بل كان يحمل إليَّ فرحة كاملة، كان يريد أن يسبق الخبر إلى قلبي، قبل أن يصل إلى أذني، وكان يريد أن يمحو تلك الغيمة التي رآها في وجهي وأنا أغادر المقهى منكس الرأس.
هذه اللقطة الصغيرة، التي قد يراها غيري مجرد موقف عابر، كانت بالنسبة إليَّ واحدة من أجمل ما رأيت في حياتي.
لأنها كشفت لي حسن جمعة كما هو، ليس مجرد ناقد أدبي جاد، يعرف كيف يزن النصوص بميزان المعرفة والذوق، ويقرأ ما وراء الكلمات، ويكشف ما يختبئ بين السطور.
وليس مجرد قارئ متذوق يمتلك حسًا جماليًا استثنائيًا، يلتقط التفاصيل التي تمر على الآخرين دون أن ينتبهوا إليها، وليس فقط مثقفًا ملتزمًا اجتماعيًا وسياسيًا، يعرف أن الثقافة ليست زينة للعقول، بل مسؤولية تجاه الوطن والناس، كل ذلك صحيح، لكن القيمة الحقيقية في حسن جمعة أنه إنسان،
إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
رقيق الإحساس، وفيٌّ للأصدقاء، نبيل في مشاعره، صادق حتى العظم، يشع وطنية كما يشع صدقًا، ويمنح من حوله إحساسًا نادرًا بأن الخير لا يزال يعيش بين الناس، مهما ازدحم العالم بالقسوة.
أعترف أنني في تلك اللحظة لم أعرف كيف أرد، لم أقل له كلامًا كثيرًا، ولم أجد عبارة تليق بما فعله، كل ما استطعت أن أفعله هو أن أتأمله، كنت أنظر إلى هذا الفتى النادر، فأشعر أن المستقبل لا يزال بخير ما دام فيه أشخاص من طينته.
كنت أرى أمامي نموذجًا لإنسان لم تفسده الحياة، ولم تسرق منه الثقافة أو متاعب العمر ذلك الطفل الجميل الذي يسكن القلب، وكم نحن بحاجة إلى هذا الطفل.
في زمن أصبح كثيرون فيه يتعاملون مع الآخرين بالحسابات الباردة، يخرج حسن جمعة من المقهى راكضًا لأن صديقًا له حزين.
في زمن تتراجع فيه المشاعر أمام المصالح، يثبت حسن أن المحبة الحقيقية لا تزال ممكنة، وفي زمن يظن البعض أن الوطنية مجرد شعارات، يثبت حسن أن الوطنية تبدأ من الفرح الصادق لانتصار منتخب بلدك، ومن الحرص على أن تشارك هذا الفرح مع من تحب.
ربما لن يذكر تاريخ كرة القدم تلك اللحظة الصغيرة، وربما لن يسجلها معلق المباراة، لكن الذاكرة الإنسانية تحتفظ بأشياء لا تكتبها الإحصاءات، تحتفظ بإنسان يركض في الشارع وهو يهتف "أوفسايد يا أستاذ خالد." وتحتفظ بصديق أعاد إلى صديقه الابتسامة قبل أن يعود اللعب إلى الملعب.
شكرًا لكرة القدم، لأنها لم تمنحنا مباراة فقط، بل منحتنا لحظة إنسانية خالصة،
وشكرًا لحسن جمعة، لأنه ذكرني بأن أجمل ما في الحياة ليس الهدف الذي أُلغي، ولا المباراة التي استمرت، وإنما الإنسان الذي عرف أن يركض خلف حزن صديقه ليبدله فرحًا.
سلامًا لك يا حسن...
أيها الناقد الكبير، والإنسان الأكبر