في الوقت الذي عمَّت فيه موجة من الارتياح الشديد وسائل الإعلام الإسرائيلية، عقب الإعلان عن اتفاق الإطار، مساء الجمعة الماضي، بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، حذّر رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، أبناء بلده من (الفتنة)، داعيًا إياهم إلى ضبط النفس، في مواجهة الاتفاق الذي وصفه نخبة من المحللين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، بالصفقة (الممتازة) و(الخطوة الاستراتيجية الناجحة).. ذلك أنه أقام معادلة تربط ما بين الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وبين تفكيك قدرات حزب الله العسكرية على يد الجيش اللبناني، بل إن محللًا عسكريًا للكيان، ذهب في تحليل لافت للقناة الثالثة عشرة العبرية، إلى ترجيح انفجار صراع داخلي في لبنان، معتبرًا أن الدولة العبرية ستستفيد من إشعال فتيل المواجهة بين المؤسسة الرسمية وحزب الله، وأن هذا السيناريو (ربما كان غاية مرسومة منذ البداية) حسب تعبيره.. لذا، حذّر رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، اللبنانيين من (الفتنة)، داعيًا إياهم إلى ضبط النفس، قائلًا، (يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة.. كونوا في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرًا فيُركب ولا ضرعًا فيُحلب)، وذلك بعد أن طغت حالة من الاستقطاب والتوتر على الساحة اللبنانية، وخرج أنصار حزب الله إلى شوارع بيروت ليل الجمعة، احتجاجًا على اتفاق الحكومة اللبنانية مع إسرائيل.
ينص اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، برعاية ودعم كاملين من الولايات المتحدة، إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل بصورة نهائية، والدخول في مفاوضات ثنائية مباشرة برعاية أمريكية، للتوصل إلى اتفاق سلام شامل.. استعادة القوات المسلحة اللبنانية سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية.. إعادة انتشار تدريجية للقوات الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية، وفق ترتيبات أمنية وآليات تحقق.. تولي الجيش اللبناني المسئولية الأمنية الكاملة تدريجيًا في المناطق المُتفق عليها، مع إطلاق جهود إعادة الإعمار وعودة المدنيين.. التزام الحكومة اللبنانية باحتكار السلاح وقرار الحرب والسلم، ومنع أي دور عسكري أو أمني للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.. تأكيد إسرائيل أنها لا تملك أي أطماع إقليمية في لبنان، وأن إنهاء تهديد الجماعات المسلحة، سيُلغي الحاجة إلى أي وجود عسكري إسرائيلي مستقبلي.. إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية بمشاركة ودعم الولايات المتحدة لضمان تنفيذ الاتفاق.. ربط أي مساعدات أمريكية جديدة للبنان، بتحقيق مراحل قابلة للتحقق في تنفيذ الاتفاق.. حشد دعم دولي لإعادة إعمار لبنان، وإنعاش اقتصاده، وإصلاح البنية التحتية.. منع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة أو الكيانات المرتبطة بها.. تشكيل مجموعات عمل لصياغة اتفاق سلام وأمن شامل، وفتح قنوات تواصل مباشرة ومستمرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة.. التزام الطرفين بوقف الأعمال العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية، والعمل على إعادة رُفات القتلى والإفراج عن المحتجزين.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد ظهر في خطاب مسجل، متوعدًا بعدم الإقلاع عن التمسك بـ (الحزام الأمني) ـ أو ما يُسمى بالخط الأصفر ـ ما بقي حزب الله مسلحًا، ومشترطًا أن يبدأ تمركز القوات اللبنانية في بقاع محددة، وفق استشارة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، على أن تنطلق التجربة من نطاقين اختباريين، وفق ما نقلته وسائل الإعلام العبرية.. وفي هذا الجو، شكك مراسل القناة الثانية عشرة العبرية، إلموج بوكير، في مدى جدوى بنود الاتفاق، مشيرًا إلى أن الاختبار يبقى مرهونًا بالواقع الميداني، وتحديدًا بقدرة وحدات الجيش اللبناني على التحرك بحرية في المناطق الجنوبية، مُذكّرًا بأن الحزب لن يتخلى عن ترسانته، وأن حكومة بيروت عاجزة عن حله، ورأى أنه (ينبغي ـ إلى جانب التثبيت الأمريكي واللبناني على الخط الأصفر ـ الاحتفاظ بحق إسرائيل في حرية الحركة).. هذه الحرية العملياتية تشمل، تفكيك (أي تهديدات ناشئة، أي استهداف ومنع محاولات الحزب لاستعادة قوته وتسليحه، وليس فقط الرد على الهجمات الموجهة ضد الجنود أو البلدات).
وأوضحت صحيفة (يديعوت أحرونوت)، أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تمركزه في المنطقة العازلة المُستحدثة، ولن يغادر معاقل مثل قلعة شقيف، كما أن عودة الأهالي اللبنانيين إلى مساكنهم لن تجري وفق الصيغة المرسومة حاليًا، مشيرة إلى إلزام الجيش اللبناني بتدمير البنى التحتية العسكرية في النقاط المحددة، وأي توسع في الانسحاب يتوقف على مدى إنجاز الالتزامات وفق تقدير المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.. وأبدى رئيس المجلس الإقليمي الإسرائيلي، (ماتيه آشر)، موشيه دافيدوفيتش، قلقه من التعجيل بسحب القوات الإسرائيلية، معتبرًا أن وجود الجيش على خط المواجهة يظل ضروريًا لحماية البلدات الشمالية، في ظل (عدم توفر قوة دولية قادرة على فرض نزع السلاح)، ورأى أن (الخطر سيستمر ما دام الحزب يحتفظ بوجود عسكري).. كذلك، ربطت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية، بين نجاح التفاهم و(إمكانية الوصول لسلام شامل مع الدولة اللبنانية)، بشرط إنهاء النفوذ الإيراني في البلاد!!.
*
وفي أول تعليق له بعد توقيع الاتفاق، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخطوة بأنها (إنجاز كبير لإسرائيل)، معتبرًا أن اتفاق الإطار يشكل (ضربة قوية لإيران) التي قال، إنها حاولت فرض انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.. وأضاف أن الاتفاق (يؤكد عدم وجود أي دور لإيران أو حزب الله في لبنان)، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية ستبقى في (الحزام الأمني) إلى حين تجريد حزب الله من سلاحه.. وكشف نتنياهو، أن إسرائيل ستسمح للجيش اللبناني ببدء فرض سيطرته على منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، إحداهما تقع خارج الحزام الأمني، فيما تقع الثانية داخل (المنطقة الموسعة) التي قال إن الجيش الإسرائيلي (لا يرغب في الاحتفاظ بها).. وشدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح بعودة السكان اللبنانيين، أو عناصر حزب الله إلى منطقة الحزام الأمني الخاضعة لسيطرتها، في إشارة إلى استمرار القيود الأمنية في تلك المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
وتوجّه الرئيس اللبناني، جوزيف عون، بالشكر إلى الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الرئيس، دونالد ترامب، على استضافة المفاوضات ورعايتها، ودعم الموقف اللبناني وصولًا إلى توقيع اتفاق الإطار.. كما شكر الدول الشقيقة والصديقة التي ساندت لبنان خلال مسار التفاوض، مؤكدًا حرصها على استقلاله وسيادته.. وأشاد عون بأداء الوفد اللبناني المفاوض، من دبلوماسيين وعسكريين، في واشنطن وبيروت، معتبرًا أن الاتفاق يمثل (الخطوة الأولى)، على طريق استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على جميع أراضيها.. كما حيّا (اللبنانيين الذين تحملوا تبعات الحرب، من قتل ودمار ونزوح، معتبرًا أن الاتفاق يُشكل بداية لترجمة تضحياتهم، إلى واقع يتيح عودة الأهالي إلى مناطقهم وإعادة إعمارها، في ظل دولة لبنانية تبسط سيادتها الكاملة على أراضيها، بعيدًا عن أي احتلال أو تبعية أو وصاية).
هكذا يقول الرئيس اللبناني، في الوقت الذي نقلت صحيفة (تايمز أوف إسرائيل) عن مسئول إسرائيلي قوله، إن انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان سيكون (محدودًا للغاية)، إذ سيقتصر على منطقتين تقعان خارج الحدود الأصلية للحزام الأمني الذي أنشأته إسرائيل في أبريل الماضي.. وأن القوات الإسرائيلية وسّعت خلال الشهرين الماضيين نطاق سيطرتها شمالًا، مضيفًا أن الاتفاق مع لبنان ينص على الانسحاب من منطقتين فقط من الأراضي التي ضُمّت لاحقًا إلى الحزام الأمني، دون أن يشمل ذلك قلعة الشقيف، التي استعادت إسرائيل السيطرة عليها في مايو.. وقد تمسكت إسرائيل خلال المفاوضات، بالإبقاء على الحدود الأصلية للحزام الأمني، معتبرة أن وجود هذه المنطقة داخل الأراضي اللبنانية ضروري، لإبعاد البلدات الإسرائيلية الحدودية عن مدى صواريخ حزب الله.. هذا الانسحاب المحدود من غير المرجح أن يرضي إيران أو حزب الله، اللذين يعتبران أن إسرائيل تنتهك مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران الأسبوع الماضي، والتي تنص على وقف دائم للعمليات العسكرية في لبنان.
*
في أول موقف من حزب الله عقب الإعلان عن الاتفاق، حذَّر النائب في البرلمان اللبناني عن الحزب، حسن فضل الله، من أن الاتفاق الذي وقعته الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة في واشنطن، لا يمكن (فرضه) سوى من خلال (حرب أهلية).. وقال فضل الله، الذي سبق لحزبه أن أعلن مرارًا عن رفضه التفاوض المباشر بين لبنان والدولة العبرية، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين (نتانياهو كان يفاوض نفسه.. وهذه السلطة اللبنانية، لن تستطيع تنفيذ الاتفاق الموقع في واشنطن، إلا إذا ذهبت بدعم أمريكي إلى حرب أهلية).. واعتبر أن الاتفاق (هو محاولة لتعطيل مسار إسلام آباد)، في إشارة الى التفاهم الإيراني ـ الأمريكي، الذي دخل حيز التنفيذ في السابع عشر من يونيو الحال، ونصّ على وقف الحرب في الشرق الأوسط على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان.
وأعلن الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن الحزب وحلفاءه أفشلوا ما وصفه بالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي، ودخلوا مرحلة جديدة، مشترطًا انسحابًا إسرائيليًا كاملًا وغير مشروط من لبنان، ومؤكدًا استمرار الحزب كركيزة لاستقلال البلاد واستعادة أراضيها.. ورسم قاسم، في كلمة خلال المجلس العاشورائي المركزي، سقفًا سياسيًا يقوم على السيادة الكاملة، داعيًا السلطة في بيروت إلى توحيد الصفوف ونبذ الإملاءات الخارجية.. وحدد الأمين العام لحزب الله مسار تحقيق السيادة اللبنانية، بالبقاء في إطار نتائج اتفاق السابع والعشرين من نوفمبر 2024.. وأوضح أن سقف أي حل مقبول يتمثل في السيادة الكاملة، وقال إن (ذلك يمكن تحقيقه على قاعدة، أن الجنوب اللبناني هو حصرًا جنوب نهر الليطاني).
وشدد قاسم على رفض أي وجود إسرائيلي على الأراضي اللبنانية، قائلًا، إنه (لا خيار أمام إسرائيل إلا الانسحاب الكامل من كل شبر من أرضنا اللبنانية، ووقف العدوان برًا وبحرًا وجوًا).. وأكد رفض أي تطبيع أو إلغاء لحالة العداء، (على إسرائيل أن ترحل دون قيد أو شرط.. إسرائيل في لبنان لا بسبب الصواريخ، بل لأنها تريد ابتلاعه واحتلاله)، مشيرًا إلى أن الحزب نشأ أصلًا، كرد فعل على ما وصفه بـ (العدوان والاحتلال الإسرائيلي للبنان).. وكشف قاسم، أن حزبه واجه حربًا وصفها بأنها (حرب إلغاء وجود لحزب الله وبيئته وشعبه).. وأن (العدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي) استهدف المدنيين ومختلف مقومات الحياة، لكن الحزب (استطاع أن يوقف هذا العدوان وأن يحقق إنجازًا عظيمًا).. ورأى أن (كل لبنان تحول إلى جنوب)، في إشارة إلى اتساع رقعة المواجهة، وأن الصبر (يصنع المستقبل، ويقلب المعادلات ويكسر جبروت الطاغوت).
وأضاف متوجهًا للدولة العبرية، (اركبوا أقصى خيلكم واستخدموا وحشيتكم وإجرامكم، لكننا لن نتراجع ولن نستسلم، وسندافع عن حقوقنا)، معتبرًا أن (المقاومة ستصمد وتحقق أهدافها ولو بعد حين).. وأشار إلى أن الجيش اللبناني انتشر في المنطقة الحدودية تنفيذًا لوقف إطلاق النار، فيما لم تلتزم إسرائيل ببنوده، مؤكدًا أن حزب الله ولبنان التزما بمضمون الاتفاق، في وقت واصلت فيه إسرائيل خروقاتها، معتبرًا أن الحكومة اللبنانية أضافت تنازلات مجانية من دون أن تقدم إسرائيل أي التزام.. وأضاف أن الدعوة إلى حصرية السلاح في توقيت تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية، وتتدخل فيه أمريكا، على حد وصفه، في (الوصاية على لبنان وتجريده من قوته)، تعني العمل لمصلحة ما تريده إسرائيل لا لمصلحة لبنان، (لا تطلبوا منا شيئًا بعد الآن، وليس مطلوبًا من الدولة اللبنانية أن تكون شرطيًا عند إسرائيل.. يجب أن يتوقف العدوان).. كما شدد على أن (إذا ذهب جنوب لبنان فلن يبقى لبنان)، معتبرًا أن جميع اللبنانيين معنيون بالدفاع عنه.
ثم وجه الأمين العام لحزب الله جملة مطالب للسلطة اللبنانية، دعاها فيها إلى توحيد الصف والموقف السياسي في مواجهة إسرائيل، والتوقف عن تنفيذ ما أسماه (إملاءات الوصاية ومصالح أمريكا وإسرائيل).. وشدد على ضرورة معالجة الأوضاع الاقتصادية وأموال المودعين وإعادة الإعمار وسد الفجوة الاجتماعية، على أن تُبحث استراتيجية الأمن الوطني لاحقًا بعد إتمام الانسحاب الإسرائيلي.. وحذر قاسم من أن (السلطة اللبنانية لا تستطيع أن تعادي أكثر من نصف الشعب اللبناني، وأن تستمر بشكل طبيعي)، مؤكدًا أن (البلد بمكوناته لا بمناصبه.. نمد لكم اليد والحزب معكم في سيادة لبنان.. إن سرتم في طريق السيادة، فنحن معكم).. وجدد التأكيد على أن حزبه مستمر بوجوده وقراراته وإمكاناته، ووصفه بأنه (عماد استقلال لبنان وتحريره).. وختم بالقول، إن (تحرير فلسطين سيبقى هو البوصلة).
*
قوبل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل بانقسام حاد بين اللبنانيين.. منهم من رحَّب به باعتبار أن الاتفاق انتصار للحل الدبلوماسي، في مقابل من انتقده بقسوة.. وسارع حزب الله إلى رفض الاتفاق عبر تظاهرات غاضبة لمؤيديه. بعد أن وصف الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الاتفاق بأنه (منعدم الوجود) و(مذلة وعار وتنازل عن السيادة).. وقال في بيان، إن أي محاولة لربط انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله تتجاوز (كل الخطوط الحمراء).. ويقول قياديو الحزب، إن الاتفاق يُمهِّد لحرب داخلية تحت شعار نزع سلاح حزب الله، إذ يرى قادة الحزب أن إسرائيل فشلت في القضاء على الحزب، وتريد من الجيش اللبناني تنفيذ المهمة.. وفي المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أنه رسم خريطة طريق للانسحاب الإسرائيلي، ووضع حدًا للهيمنة الإيرانية.. وأكد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني، يوسف رجي، أن الاتفاق مع إسرائيل يجسد (انتصار الحل الدبلوماسي وتغليب منطق الدولة ومؤسساتها على كل ما عداه).
مع تصاعد التوترات السياسية والأمنية في لبنان، خرجت تقديرات إسرائيلية تُحذر، من أن حزب الله لا يزال يمتلك ما يكفي من القوة العسكرية والحاضنة الشعبية لزعزعة استقرار البلاد، وحتى دفعها نحو حرب أهلية، وسط ربط مباشر بين تحركات الحزب والاستراتيجية الإيرانية الأوسع في المنطقة.. قالت المقدم احتياط في الجيش الإسرائيلي، ساريت زهافي، مؤسسة ورئيسة مركز (ألما) الإسرائيلي للأبحاث والتعليم، لصحيفة (جيروزاليم بوست)، إن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية ودعم شعبي، يتيحان له دفع لبنان نحو حرب أهلية، وذلك تعليقًا على خطاب نعيم قاسم، الذي لمح فيه الى امكانية دعوة أنصاره إلى إسقاط الحكومة اللبنانية، حينما قال، في خطابه، (من حق الشعب أن ينزل إلى الشارع ويسقط الحكومة، في مواجهة المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي، الذي يستهدف مؤسساتنا)، وهو ما اعتبرته زهافي تصريحًا (جاء على الأرجح بتوجيه وصياغة من إيران).
ورأت زهافي، أن الحزب أطلق خلال الأشهر الماضية سلسلة مواقف تصعيدية ضد الدولة اللبنانية، خصوصًا قبيل المحادثات مع إسرائيل، مُعتبرة أن خطاب قاسم الأخير يطرح تساؤلات، حول ما إذا كان مجرد رسالة ترهيب وضغط سياسي، أم توجيهًا فعليًا للطائفة الشيعية للتحرك في الشارع، (لا نعرف ما إذا كان ذلك سيؤدي فعلًا إلى حرب أهلية، لكنه بالتأكيد أعطى التوجيه)، معتبرة أن خطاب قاسم يحمل دعوة واضحة للسير في هذا الاتجاه.. اعتبرت زهافي أن تقييم خطورة تهديدات حزب الله، يجب أن ينطلق من كونه، بحسب وصفها، (مواليًا لإيران وليس للبنان)، وأن الحزب، عبر مبدأ (ولاية الفقيه)، أعلن ولاءه للمرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، كما فعل سابقًا مع والده، علي خامنئي، الذي اغتالته إسرائيل والولايات المتحدة، صبيحة بدء الحرب الأخيرة على إيران.
وربطت زهافي بين خطاب نعيم قاسم والضغوط السياسية التي تمارسها طهران على واشنطن، معتبرة أن الحزب قد يسعى من خلال التصعيد، إلى دفع الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، نحو إبرام اتفاق مع إيران، عبر التلويح بمزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، إذا لم تتم الاستجابة للمطالب الإيرانية المتعلقة بوقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.. إن أهداف حزب الله تتقاطع بالكامل مع أهداف إيران.. الحزب يسعى لتحويل لبنان إلى (دولة إسلامية تُدار تحت سلطة الجمهورية الإسلامية)، وأن تدمير إسرائيل ليس سوى جزء من مشروعه.. لذلك فإن اندلاع حرب أهلية (لن يكون خطوة غير منطقية) بالنسبة إليه.
وفي السياق نفسه، رأت أن الحزب بات أكثر ميلًا إلى التصعيد العسكري، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية عليه، وتصاعد الخطاب اللبناني المطالب بنزع سلاحه، خصوصًا مع إقرار تشريعات جديدة تدعو إلى نزع سلاح الحزب، حتى وإن لم تُنفذ عمليًا حتى الآن.. إن البيئة الشعبية الشيعية الداعمة لحزب الله، والتي وصفتها زهافي بأنها (أكبر طائفة دينية منفردة في لبنان)، تمتلك القدرة العددية على زعزعة استقرار البلاد بشكل خطير.. واستشهدت باستطلاع أجرته شركة أبحاث مستقلة عام 2022، قدًّر نسبة الشيعة في لبنان بنحو 32% من السكان، كما لفتت إلى استطلاع نشرته (الدولية للمعلومات) هذا الشهر، أظهر أن غالبية كبيرة من الشيعة لا تزال تؤيد حزب الله وتمسكه بالسلاح.
كان يمكن للسلطات اللبنانية تفادي الوصول إلى هذا المشهد، لو تحركت في وقت مبكر لنزع سلاح حزب الله، أو لو قامت بتطبيق القوانين التي أُقرت هذا العام والمتعلقة بهذه القضية.. وترى زهافي أن أي حملة (استباقية) ضد الحزب، ستحتاج إلى تنسيق مشترك بين الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني والجيش الأمريكي، إلى جانب منح صلاحيات للتحرك داخل الأراضي اللبنانية، خصوصًا وأن الطائرات المسيّرة الانتحارية من نوع FPV، التي أشاد بها نعيم قاسم في خطابه الأخير، قد تكون من بين القدرات العسكرية الجديدة، التي حصل عليها حزب الله خلال فترة وقف إطلاق النار، لأن هذا النوع من المسيّرات لم يكن حاضرًا بشكل واسع في المواجهات السابقة.
*
ورغم الزلزال السياسي في الشارع اللبناني، نتيجة الاتفاق بين بيروت وتل أبيب، برعاية أمريكية، إلا أن مناقشات جلسة (الكابينت) الإسرائيلي، فجّرت خلافات بشأن القيود المفروضة على تحركات الجيش الإسرائيلي في لبنان، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.. فخلال اجتماع للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشئون الأمنية والسياسية، يوم الخميس الماضي، اشتكى عدد من الوزراء، من أن الجيش الإسرائيلي بات يواجه قيودًا مفرطة في لبنان نتيجة اتفاق وقف إطلاق النار.. ورد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، على تلك الانتقادات قائلُا، (أنتم من أردتم وقف إطلاق النار)، في إشارة إلى أن القيود الحالية هي نتيجة مباشرة للاتفاق الذي أقرته الحكومة.. وسرعان ما اعترض وزير الأمن القومي، إيتمار بن جفير على هذا الطرح، مؤكدًا أنه لم يكن مؤيدًا لوقف إطلاق النار (لهذا السبب تحديدًا).. وقال بن جفير، (ماذا يحدث عندما يظهر تهديد جديد؟.. إذا رأيتم حزب الله يتسلّح من جديد، فلماذا لا تقومون بتفكيكه؟)، داعيًا إلى إسقاط اتفاق وقف إطلاق النار، ومعتبرًا أنه بعد إصابة عدد من جنود الجيش الإسرائيلي بقنبلة يدوية ألقاها أحد عناصر حزب الله، (يمكننا استهداف مئات الأهداف وقصفها).. وفي تصريحات للقناة السابعة الإسرائيلية، شدد بن جفير على أن (وقف إطلاق النار في لبنان لا يمكن أن يستمر).
ودافع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن سياسة الحكومة، مؤكدًا أن الجنود يملكون حرية الرد على أي تهديد مباشر، (نحن لا نفرض أي قيود على أي جندي)، وهو الموقف الذي أيده وزير الدفاع، إسرائيل كاتس، (هناك إيجابيات وسلبيات لوقف إطلاق النار، لكننا لا نعرّض أي جندي للخطر، وكل جندي يستطيع الرد فورًا).. وبحسب ما نقلته صحيفة (يديعوت أحرونوت)، قال نتنياهو خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر، إن الجنود الإسرائيليين يمكنهم الرد على أي تهديد فوري في لبنان، وأن واشنطن تتفهم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
*
■■ بقي أن نقول..
أن مواقف نعيم قاسم، تأتي في وقت تواصل فيه الدولة العبرية تنفيذ غارات جوية على مناطق مختلفة في لبنان، تقول إنها تهدف إلى منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية.. ورغم وقف إطلاق النار برعاية أمريكية قبل عام، لا يزال تبادل الاتهامات بانتهاك الاتفاق مستمرًا، فيما تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات شبه يومية.. وهنا، أشار قاسم إلى أن وقف إطلاق النار القائم لم يُحترم من قبل إسرائيل، وأن الحزب (تحمّل خمسة عشر شهرًا) دون تنفيذ بنود الاتفاق، التي تشمل وقف العدوان والإفراج عن الأسرى وبدء إعادة الإعمار، معتبرًا أن استمرار الهجمات بدعم أمريكي، يفرض خيار المواجهة.
وكان وقف إطلاق النار في لبنان، قد دخل حيّز التنفيذ في نوفمبر 2024، ونصّ على وقف الأعمال القتالية، وانسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من المواقع التي تقدم إليها خلال الحرب الأخيرة، على أن ينتشر الجيش اللبناني بالتوازي في المنطقة الحدودية، إلا أن إسرائيل ترفض الانسحاب من خمس تلال استراتيجية في الجنوب كان يفترض تسليمها خلال ستين يومًا من بدء تنفيذ الاتفاق، مما دفع مسئولين لبنانيين إلى القول إن الاتفاق ظل حبرًا على ورق من الجانب الإسرائيلي.. وقد سُجِّل أكثر من عشرة آلاف خرق إسرائيلي منذ بدء تنفيذ الاتفاق، شملت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وتوغلات وعمليات اغتيال.. وقد تسببت هذه الهجمات في تدمير منازل ومدارس وبنى تحتية، فيما اعتُبر محاولة لتعطيل جهود التعافي، وأثار مخاوف من الانزلاق إلى حرب جديدة، قد تكون أشد قسوة من تلك التي وقعت في سبتمبر الماضي.
وفي الخامس من أغسطس الماضي، كلف مجلس الوزراء اللبناني الجيش بوضع خطة لتجريد حزب الله من سلاحه قبل نهاية العام.. كما أقرّت الحكومة أهداف الورقة الأمريكية لتعزيز وقف الأعمال العدائية، في ضوء تعديلات لبنانية، إلا أن موافقة إسرائيل على الورقة لم تتحقق، مما اعتُبر تراجعًا أمريكيًا.. وفي انتظار القادم.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.



