لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بمنأى عن التحولات التي تفرضها عقيدة "أمريكا أولًا"، إذ تشير مؤشرات متزايدة إلى أن تل أبيب لم تعد تتمتع بالمكانة الاستثنائية التي لطالما ميزتها داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.
فبعد أشهر فقط من التنسيق العسكري الأمريكي الإسرائيلي في الضربات التي استهدفت إيران، تواجه إسرائيل واقعًا سياسيًا مختلفًا، يتسم بتراجع مستوى الدعم غير المشروط، وصعود أصوات داخل الإدارة الأمريكية تدعو إلى إعادة تعريف العلاقة وفقًا للمصالح الأمريكية أولًا.
"فانس" يوجه رسالة غير مسبوقة لتل أبيب
أثار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس جدلًا واسعًا بعدما أكد أن إسرائيل "لم يعد لديها تقريبًا أي حلفاء في العالم"، محذرًا الحكومة الإسرائيلية من المجازفة بخسارة "الحليف الأقوى والأخير"، في إشارة إلى الولايات المتحدة.
وجاءت تصريحات فانس خلال مؤتمر صحفي، شدد فيه على أن الرئيس دونالد ترامب هو الزعيم الوحيد الذي لا يزال يظهر تعاطفًا واضحًا مع إسرائيل، ملمحًا إلى أن استمرار الدعم الأمريكي لم يعد أمرًا مضمونًا كما كان في السابق.
إسرائيل ليست استثناءً
ووفقًا لما نقلته مجلة "بوليتيكو" الأمريكية عن سبعة مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين ومصادر مطلعة، فإن تصريحات فانس ليست موقفًا شخصيًا، بل تعكس تحولًا أوسع داخل الإدارة الأمريكية، يقوم على أن إسرائيل لم تعد استثناءً من سياسة "أمريكا أولًا".
وقال مسؤول إسرائيلي للمجلة إن تل أبيب كانت تعتقد أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستمنحها وضعًا استثنائيًا في السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن هذا التصور اصطدم بواقع مختلف، مضيفًا: "كنا ساذجين عندما اعتقدنا أننا سنظل استثناءً دائمًا."
فتور في الاتصالات رغم التحالف العسكري
ورغم استمرار التعاون الأمني والعسكري، تكشف مصادر مطلعة عن تراجع ملحوظ في وتيرة التواصل السياسي بين الجانبين.
ففي عام 2025، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن خمس مرات، بينما زار ترامب إسرائيل مرة واحدة فقط، ولا توجد حتى الآن ترتيبات معلنة لزيارة جديدة إلى البيت الأبيض، كما تراجع عدد الاتصالات الهاتفية بين القيادتين بصورة لافتة.
كانت الحكومة الإسرائيلية تراهن في البداية على تجاوز فانس والتركيز في تعاملها مع ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلا أن الدور الذي لعبه نائب الرئيس في ملف المفاوضات مع إيران عزز حضوره داخل الإدارة، وأظهر أن تأثيره في صناعة القرار أكبر مما كانت تتوقعه تل أبيب.
كما أن مذكرة التفاهم الأخيرة الخاصة بالملف الإيراني تجاهلت عددًا من التحفظات الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته دوائر إسرائيلية مؤشرًا إضافيًا على تراجع قدرتها على التأثير في القرار الأمريكي.
ترامب يرفع سقف الانتقادات
وخلال الأشهر الماضية، شهدت لهجة ترامب تجاه إسرائيل تغيرًا واضحًا، بعدما انتقل من الدعم التقليدي إلى توجيه انتقادات حادة لحكومة نتنياهو.
ووصف ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي في إحدى المناسبات بأنه "مجنون"، اعتراضًا على تحركات عسكرية في لبنان، قبل أن تتراجع إسرائيل عن تنفيذ ضربة كانت تستهدف بيروت.
إسرائيل بين القلق والرهان على تغير المواقف
ورغم تنامي التوتر، لا تزال الحكومة الإسرائيلية تراهن على أن مواقف ترامب قد تتغير، وتواصل التركيز على ما تحقق خلال ولايته، وفي مقدمة ذلك إنهاء الحرب في غزة واستعادة عدد من الرهائن.
لكن ذلك لم يمنع تصاعد الانتقادات داخل الإعلام الإسرائيلي لفانس وعدد من المقربين من ترامب، حيث شن إعلاميون محسوبون على نتنياهو هجومًا حادًا على نائب الرئيس، كما وجهوا انتقادات إلى مبعوثين أمريكيين بارزين، متهمين إياهم بالتخلي عن المصالح الإسرائيلية.
يتوقع مسؤولون في واشنطن وتل أبيب أن تتسع فجوة الخلاف خلال الأشهر المقبلة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في البلدين.
فمصير نتنياهو السياسي أصبح أكثر ارتباطًا بمواقف البيت الأبيض، بينما يواجه الحزب الجمهوري انقسامًا متزايدًا بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، في وقت يلقي فيه احتمال ترشح جيه دي فانس للرئاسة عام 2028 بظلاله على مستقبل هذه العلاقة.




