أخبار عاجلة

«الذهب الجاف».. كيف تحولت مصر من استيراد البيض المجفف إلى تصديره؟

«الذهب الجاف».. كيف تحولت مصر من استيراد البيض المجفف إلى تصديره؟
«الذهب الجاف».. كيف تحولت مصر من استيراد البيض المجفف إلى تصديره؟

 

يشهد قطاع الدواجن والتصنيع الغذائي في مصر تحولًا اقتصاديًا وصناعيًا غير مسبوق، بعد إعلان الاتحاد العام لمنتجي الدواجن بدء تصدير “البيض البودرة" أو البيض المجفف إلى الأسواق الخارجية لأول مرة في تاريخ البلاد، في خطوة تعكس تطور الصناعة الغذائية المصرية وقدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية، إلى جانب تعظيم القيمة المضافة للمنتجات المحلية وتحويل فائض الإنتاج إلى مصدر جديد للعملة الأجنبية.

وبحسب البيانات المعلنة، فقد انطلقت أول شحنة مصرية من صفار البيض المجفف بوزن بلغ نحو 30 طنًا، أي ما يعادل 30 ألف كيلوجرام، متجهة إلى المملكة الأردنية الهاشمية، لتكون أول دولة تستقبل المنتج المصري رسميًا.

 كما يجري حاليًا الإعداد لشحنات جديدة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، مع وجود خطط مستقبلية للتوسع نحو أسواق عربية وخليجية أخرى، بينها السوق العراقية، فضلًا عن استهداف عدد من الأسواق الأفريقية والأوروبية خلال المراحل المقبلة.

ويُعد هذا التطور نقلة كبيرة في مسار قطاع الدواجن المصري، خاصة أن مصر كانت حتى وقت قريب تعتمد على استيراد البيض المجفف من دول أجنبية مثل البرازيل وبولندا وأوكرانيا وهولندا، لتغطية احتياجات مصانع الأغذية والفنادق الكبرى،  إلا أن إدخال خطوط إنتاج حديثة وتكنولوجيا متطورة في مجال التصنيع الغذائي ساهم في توطين الصناعة محليًا وتحقيق الاكتفاء الذاتي، قبل الانتقال إلى مرحلة التصدير الخارجي.

ويؤكد مسؤولو القطاع أن مصر تمتلك فائضًا كبيرًا في إنتاج بيض المائدة، يتجاوز أحيانًا 20% من حجم الاستهلاك المحلي، وهو ما أتاح فرصة لتحويل هذا الفائض إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة بدلًا من تعرضه للخسائر أو انخفاض الأسعار نتيجة زيادة المعروض في الأسواق.

كيف يتم تصنيع البيض البودرة؟

ويتم تصنيع البيض البودرة من خلال مراحل صناعية دقيقة تعتمد على تكنولوجيا مشابهة لتكنولوجيا تجفيف الحليب، حيث يبدأ الأمر باستقبال البيض الطازج من المزارع المعتمدة، ثم غسله وتعقيمه وفرزه، قبل نقله إلى خطوط فصل آلية لفصل الصفار عن البياض وفقًا لنوع المنتج المطلوب. 

وبعد ذلك يخضع البيض السائل لعمليات بسترة حرارية دقيقة للقضاء على البكتيريا والميكروبات، وعلى رأسها بكتيريا “السالمونيلا”، لضمان سلامة المنتج وجودته.

 وفي المرحلة النهائية، يتم إدخال السائل إلى غرف تجفيف عملاقة تعمل بتقنية الرذاذ الحراري “Spray Drying”، حيث تُزال المياه بالكامل ويتحول البيض إلى مسحوق جاف يمكن تخزينه لفترات طويلة.

ويشهد البيض المجفف طلبًا عالميًا متزايدًا بسبب استخداماته الواسعة في الصناعات الغذائية المختلفة، إذ توجد ثلاثة أنواع رئيسية منه تشمل بودرة بياض البيض المستخدمة في الحلويات والمارشملو والمنتجات البروتينية، وبودرة صفار البيض المستخدمة في صناعة المايونيز والصلصات، إضافة إلى بودرة البيض الكامل التي تدخل في صناعة المخبوزات والمكرونة والوجبات الجاهزة.

ولا يُستخدم البيض البودرة عادة داخل المنازل كبديل مباشر للبيض الطازج، بل يُوجَّه بشكل أساسي للمصانع والفنادق الكبرى وسلاسل الأغذية، نظرًا لسهولة تخزينه واستخدامه داخل خطوط الإنتاج، فضلًا عن تقليل نسب الفاقد الناتجة عن الكسر أو التلف مقارنة بالبيض التقليدي.

ويرى خبراء الصناعة الغذائية أن الإقبال العالمي على البيض البودرة يعود إلى عدد من المزايا الاقتصادية واللوجستية المهمة، أبرزها انخفاض تكاليف النقل والتخزين، وامتلاكه فترة صلاحية طويلة تتراوح بين سنة وسنتين دون الحاجة إلى سلاسل تبريد معقدة، بالإضافة إلى سهولة شحنه بكميات كبيرة واستخدامه بشكل سريع داخل المصانع.

وفيما يتعلق بالسوق المحلية، شدد الاتحاد العام لمنتجي الدواجن على أن تصدير البيض البودرة لن يؤثر على أسعار البيض أو توافره للمستهلك المصري، موضحًا أن الكميات المخصصة للتصدير لا تمثل سوى أقل من 1% من إجمالي الإنتاج المحلي، وبالتالي لا يوجد أي تأثير سلبي على احتياجات السوق الداخلية.

وأكد الاتحاد أن التصدير يمثل عنصر دعم مهم لصناعة الدواجن المصرية، لأنه يساعد على امتصاص الفائض من الإنتاج خلال فترات زيادة المعروض، ما يحمي المربين من الخسائر ويضمن استمرارهم في الإنتاج والتوسع داخل القطاع، خاصة أن صناعة الدواجن تُعد من الصناعات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

ويرى متخصصون أن نجاح مصر في تصدير البيض البودرة يعكس حصول المنتج الغذائي المصري على ثقة دولية جديدة، بعد نجاح الشركات المحلية في تطبيق المعايير العالمية الخاصة بالجودة والسلامة الغذائية، وهو ما قد يفتح الباب أمام توسع أكبر للصادرات المصرية من المنتجات الغذائية المصنعة خلال السنوات المقبلة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وزيادة حصيلة النقد الأجنبي.

كما يعكس نجاح تصدير البيض المجفف تطور المنظومة الرقابية والبيطرية في مصر، حيث جاء هذا الإنجاز بعد اعتماد عدد من المنشآت الداجنة المصرية كمزارع ومنشآت معزولة خالية من مرض إنفلونزا الطيور وفقًا لمعايير المنظمة العالمية لصحة الحيوان، وهو ما منح الصادرات المصرية “شهادة ثقة دولية” ساعدتها على تجاوز القيود والحظر الذي كان مفروضًا على صادرات الدواجن لسنوات. ويؤكد ذلك نجاح جهود وزارة الزراعة والهيئة القومية لسلامة الغذاء في تطبيق المعايير الصحية والرقابية العالمية.

ومن الناحية البيئية، يُنظر إلى البيض البودرة باعتباره منتجًا أكثر استدامة مقارنة بالبيض الطازج، إذ لا يحتاج إلى شاحنات تبريد ضخمة أو استهلاك مرتفع للطاقة أثناء النقل، كما يقلل من نسب الهدر الناتجة عن الكسر والتلف، ما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بعمليات الشحن والتخزين، وتُعد هذه المزايا عنصر جذب مهم للشركات العالمية التي أصبحت تفضل الموردين الملتزمين بمعايير الاستدامة البيئية.