موقع تن لاينز الإخباري

وزير التعليم.. و«الهوية القومية»

وزير التربية والتعليم، محمد عبداللطيف، يستحق منا كل الدعم والمساندة فى الوقت الراهن. يتعرض لحملات هجوم منظمة؛ بسبب «مواد الهوية القومية». واجه «عبداللطيف»، من قبل، حملات انتقاد قوية. أنا شخصيًا، وفى هذه المساحة، انتقدت عددًا من قراراته، خاصة ما يتعلق بعجز المعلمين، وضعف المرتبات، والكثافات المرتفعة بالفصول، وغياب طلاب الصف الثالث الثانوى والصف الثالث الإعدادى عن فصولهم طوال العام، وعدم محاربة الدروس الخصوصية بالشكل السليم. وللصراحة، فإن كل هذه المشاكل، وأكثر من ذلك، ورثها الوزير الحالى من السابقين له فى المقعد الوزارى.

أدعو لدعم «عبداللطيف»؛ لأنه أصر على تنفيذ قراره التربوى بشكل حازم فيما يتعلق بخضوع طلاب المدارس الدولية لدراسة والامتحان فى مواد الهوية القومية، التى تشمل اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية. رصدت حملات هجوم قوية ضد الوزير، تتبناها كتائب منظمة، على وسائل التواصل الاجتماعى، من أولياء أمور وأصحاب ومديرى مدارس دولية، بعد رسوب أعداد كبيرة من الطلاب فى هذه المواد، أو بسبب تدخل الوزارة الحازم بإلغاء عمليات امتحانات شكلية داخل عدد من المدارس الدولية.

بعد الجدل، الذى أثير خلال الأيام الماضية حول هذه القضية، تأكدت أنه لا توجد حتى الآن نسبة رسمية معلنة على مستوى الجمهورية توضح بدقة نسبة الرسوب الإجمالية فى مواد الهوية القومية بالمدارس الدولية، لكن التقارير المتداولة تحدثت عن ارتفاع غير مسبوق فى نسب الرسوب، بعد اعتبار مواد «اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية» مواد نجاح ورسوب، وإلزام الطلاب بالحصول على ٧٠٪ على الأقل للنجاح فى كل مادة. بعض الزملاء من محررى التعليم أكد أن النتائج فى بعض الإدارات التعليمية شهدت «رسوبًا جماعيًا» فى المدارس التابعة لها.

لسنوات كثيرة حذّرنا من التعليم الأجنبى فى مصر، مثل النظام البريطانى «IGCSE»، أو الأمريكى «American Diploma»، أو الفرنسى، أو الألمانى، أو البكالوريا الدولية «IB»، وتداعياتها الاجتماعية والثقافية.

المدارس التى تقدمها باتت لا تخضع للقوانين أو القرارات الوزارية، بل تتعالى علينا، وفينا مَن يشجع ذلك وعلى أعلى مستوى. لا أحد ضد التعليم الأجنبى فى المدارس والجامعات، لكن لا بد من احترام التاريخ واللغة والتقاليد فى مصر. 

بحثت عن تجارب الدول الأوروبية مع التعليم الأجنبى، ووجدت ضوابط حازمة حول مواد الهوية الوطنية، لكننى هنا أكتفى بعرض ملخص لما تفرضه فرنسا وألمانيا على المدارس الأجنبية، وأعتقد أن مستشارى الوزير ومساعديه عندنا اطّلعوا على هذه الضوابط قبل إصدار القرار الوزارى. 

بداية، تختلف فرنسا وألمانيا فى التفاصيل، لكن هناك مبادئ مشتركة. المدارس الدولية أو الأجنبية هناك لا تُعفى من تدريس لغة البلد وثقافته وقيمه الأساسية.

فى فرنسا، اللغة الفرنسية مادة أساسية فى النظام التعليمى كله. التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية «المواطنة وقيم الجمهورية» مواد إجبارية فى المدارس الفرنسية طوال مراحل التعليم تقريبًا. أما المدارس الخاصة، المتعاقدة مع الدولة، فهى ملزمة بتطبيق المنهج الوطنى الفرنسى، بما فيه التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية.

أما فى ألمانيا، فيعتبر التعليم من اختصاص الولايات.. لذلك تختلف التفاصيل من ولاية لأخرى، لكن تدريس اللغة الألمانية مادة أساسية فى كل المدارس التى تمنح الشهادات الألمانية. التاريخ والتربية السياسية أو الاجتماعية من المواد الإلزامية عمومًا فى المناهج هناك.

المدارس الدولية، فى ألمانيا، قد تُدرِّس مناهج أجنبية «IB أو بريطانية أو أمريكية»، لكنها عادةً تُلزم الطلاب بدرجات متفاوتة من دراسة اللغة الألمانية والاندماج فى متطلبات الولاية التعليمية، خصوصًا إذا كانت تمنح مؤهلات معترفًا بها داخل ألمانيا.

أعود للقرار الوزارى، وأنا أزعم هنا أن القائمين على المدارس الدولية تعاملوا، هذا العام، مع تدريس مواد الهوية القومية باستخفاف. لم يعتقدوا أن الوزير، القادم من القطاع الخاص التعليمى وعائلته، تمتلك سلسلة مدارس خاصة ودولية، سينفذه بدقة وحزم وسرعة، لكنه خيّب آمالهم. 

وأنا أتصور، أيضًا، أن كل المدارس الدولية التى لم تدرس لطلابها هذه المواد كما ينبغى، أو اعتمدت على قدرتها بتنفيذ امتحانات شكلية، ستراجع نفسها وستبحث عن مدرسين مؤهلين لشرح هذه المواد فى المراحل الدراسية المختلفة، ابتداءً من العام الجديد. ستسعى لتنفيذ مواد القرار الوزارى بهذا الشأن.

وفى النهاية، أرى أنه كان من حق الوزير عبداللطيف أن يخرج عبر وسائل الإعلام ليشرح للرأى العام أفكاره ورؤية وزارته حول هذا القرار. لقد ترك الأمر للمتحدث الإعلامى، رغم أنه يفتقد الكاريزما اللازمة.

وأنا أظن أن الحملات التى تستهدف القرار الوزارى حول مواد الهوية الوطنية ستبقى لفترة، لكن ينبغى دعم الوزير، بل منعه من التراجع عن مواقفه وقراره. مصر دولة عظيمة، وعلى كل من يعيش ويدرس فيها أن يعتز بتاريخها وقيمها الدينية.. ولغتها الرسمية.

أخبار متعلقة :