أكد طلعت عبدالقوى، رئيس الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية، أن المجتمع المدنى المصرى شهد تحولات كبيرة فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، بعد الاعتراف بدوره كشريك أساسى فى التنمية، مشيرًا إلى أن السنوات الماضية شهدت إعادة رسم ملامح العمل الأهلى ودوره فى دعم خطط التنمية والحماية الاجتماعية، سواء عبر تطوير التشريعات، أو توسيع المشاركة فى صنع السياسات العامة.
واعتبر «عبدالقوى»، خلال حواره مع «الدستور»، أن تأسيس التحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى مثّل خطوة تاريخية فى مسيرة العمل الأهلى بمصر، تضاف إلى ما تحقق من إنجازات بصدور مواد قانون ١٤٩ لسنة ٢٠١٩، لافتًا إلى أنه يجرى التوجه لزيادة عدد الجمعيات والمؤسسات الأهلية، مع رفع كفاءتها وقدراتها، لتوسيع نطاق خدماتها وزيادة أعداد المستفيدين منها.
■ بداية.. كيف ترى وضع المجتمع المدنى فى مصر خلال السنوات الماضية؟
- شهد المجتمع المدنى فى مصر تحولًا كبيرًا بعد ثورة ٣٠ يونيو، سواء على المستوى التشريعى أو المؤسسى، وقبل الثورة كان العمل الأهلى يخضع لقانون ٨٤ لسنة ٢٠٠٢، الذى منح الجهة الإدارية سلطات واسعة فى إشهار الجمعيات ومتابعة أنشطتها، أما بعد إقرار دستور ٢٠١٤ فتم إقرار تعديلات كثيرة أسهمت فى تعزيز استقلالية المجتمع المدنى ومنحته مساحة أكبر للمشاركة فى جهود التنمية وخدمة المواطنين.
وتم النص فى الدستور على ضمانات غير مسبوقة، أسفرت عن تخصيص المادة ٧٥ للعمل الأهلى، وهى خطوة اعتبرناها أول انتصار حقيقى للمجتمع المدنى، وهذه المادة أكدت حق المواطنين فى تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية بمجرد الإخطار، ومنحتها الشخصية الاعتبارية دون الحاجة إلى موافقات مسبقة، كما نصت على عدم جواز حل الجمعيات إلا بحكم قضائى.
وهذه المبادئ الدستورية فرضت ضرورة تطوير التشريعات المنظمة للعمل الأهلى بما يتوافق مع الدستور الجديد، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة مختلفة اتسمت بمزيد من الاعتراف بدور المجتمع المدنى كشريك أساسى فى التنمية.
■ كيف انعكس هذا التطور الدستورى على القوانين المنظمة للعمل الأهلى؟
- بعد صدور الدستور أصبح من الضرورى مراجعة قانون الجمعيات الأهلية رقم ٨٤ لسنة ٢٠٠٢، لأنه كان يتضمن نصوصًا لم تعد متوافقة مع المبادئ الدستورية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بإشهار الجمعيات وحلها، وصدر بعد ذلك قانون ٧٠ لسنة ٢٠١٧ لمعالجة بعض هذه الإشكاليات، لكنه واجه العديد من الملاحظات من مؤسسات المجتمع المدنى.
ومن هنا جاءت استجابة الدولة لمطالب الحوار، وأعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى عن وقف العمل بالقانون قبل صدور لائحته التنفيذية، وكلف الحكومة بإجراء حوار مجتمعى واسع يشارك فيه العاملون بالقطاع الأهلى والخبراء والشباب، بهدف الوصول إلى قانون أكثر توافقًا مع احتياجات العمل الأهلى ومتطلبات التنمية.
والاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية كان له دور محورى فى إدارة وتنظيم الحوار المجتمعى حول قانون العمل الأهلى الجديد، وقد شاركت فى هذا الحوار الجمعيات والمؤسسات الأهلية والاتحادات النوعية والإقليمية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية والخبراء والمتخصصون فى مختلف المحافظات.
وتم خلال الحوار الاستماع إلى مختلف الآراء والمقترحات، وتم رفع التوصيات التى أسهمت فى صياغة قانون ١٤٩ لسنة ٢٠١٩، الذى جاء معبرًا بصورة أكبر عن احتياجات القطاع الأهلى، وحقق العديد من المطالب التى نادى بها العاملون فى المجال لسنوات طويلة، ما جعله يمثل نقطة تحول مهمة فى مسيرة العمل الأهلى المصرى.
■ ما أبرز المزايا التى تضمنها قانون تنظيم العمل الأهلى؟
- القانون حمل العديد من المزايا المهمة، فى مقدمتها تأكيد مبدأ الإشهار بالإخطار، ومنح الجمعيات الشخصية الاعتبارية بمجرد استكمال الإجراءات القانونية، كما وسع من نطاق عمل الجمعيات فى مجالات التنمية المختلفة، وأنشأ صندوقًا لدعم مشروعات العمل الأهلى، وخصص بابًا كاملًا للتطوع باعتباره إحدى ركائز التنمية المجتمعية.
وأيضًا ألغى القانون عقوبات الحبس فى المخالفات المتعلقة بالعمل الأهلى واستبدلها بغرامات مالية، وأكد أن حل الجمعيات أو مجالس إداراتها لا يكون إلا بحكم قضائى، وهذه الضمانات وفرت بيئة أكثر استقرارًا للعمل الأهلى وأسهمت فى زيادة دوره التنموى.
وبالإضافة إلى ذلك، حرص قانون ١٤٩ لسنة ٢٠١٩ على تنظيم مسألة التمويل بشكل واضح وشفاف، ومنح الجمعيات الحق فى الحصول على التمويل من الخارج، لكنه وضع إجراءات تضمن الرقابة والشفافية، مع إلزام أى جمعية بإخطار الجهة الإدارية المختصة بطلب التمويل والانتظار للمدة القانونية المحددة، وفى حال عدم وجود اعتراض خلال هذه المدة يعتبر الطلب مقبولًا، كما أن عملية صرف الأموال تخضع للمتابعة وفقًا للقواعد المنظمة.
وهذه الآليات أسهمت فى تحقيق التوازن بين دعم أنشطة الجمعيات وضمان الشفافية الكاملة فى مصادر التمويل وأوجه إنفاقه، بما يعزز الثقة فى مؤسسات المجتمع المدنى ودورها الوطنى والتنموى.
■ ماذا مثّل إعلان عام ٢٠٢٢ عامًا للمجتمع المدنى بالنسبة للجمعيات؟
- عندما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى ٢٠٢٢ عامًا للمجتمع المدنى كان هذا بمثابة رسالة تقدير كبيرة للعاملين فى القطاع الأهلى، وفى الوقت نفسه حمل تكليفًا بمضاعفة الجهود لخدمة المواطنين.
وهذا الإعلان أكد أن الدولة تنظر إلى المجتمع المدنى باعتباره شريكًا رئيسيًا فى تحقيق التنمية المستدامة، كما شهدت هذه المرحلة تطورات مهمة من بينها تعزيز الشراكات بين مؤسسات الدولة والجمعيات الأهلية، وظهور كيانات جديدة قادرة على توحيد الجهود وتنسيق المبادرات، بما يحقق أكبر استفادة للمواطنين فى مختلف المحافظات.
وقد شهد المجتمع المدنى فى مصر تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التشريعات المنظمة للعمل الأهلى أو على مستوى حجم المشاركة فى قضايا التنمية المختلفة، وأصبح للجمعيات والمؤسسات الأهلية دور أكبر وأكثر تأثيرًا فى المجتمع.
كما اتسعت مجالات نشاط الجمعيات لتشمل العديد من القطاعات التنموية والاجتماعية، وأصبح المجتمع المدنى شريكًا أساسيًا للدولة فى تنفيذ خطط التنمية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وهذا التطور انعكس أيضًا فى زيادة التمثيل المؤسسى للمجتمع الأهلى داخل العديد من الجهات واللجان الوطنية.
■ هل أثر تأسيس التحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى على نشاط المجتمع المدنى فى مصر؟
- تأسيس التحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى كان خطوة تاريخية فى مسار العمل الأهلى المصرى، فقد جمع تحت مظلته عددًا كبيرًا من المؤسسات والجمعيات والكيانات التنموية، بهدف تنسيق الجهود وتجنب الازدواجية فى تقديم الخدمات، وقد شرفت برئاسة اللجنة التى وضعت النظام الأساسى للتحالف عند تأسيسه.
وتكمن أهمية التحالف فى قدرته على توحيد الموارد والخبرات وتنفيذ مبادرات واسعة النطاق فى مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتمكين الاقتصادى، بما يعزز دور المجتمع المدنى كشريك فاعل فى تحقيق أهداف التنمية الشاملة.
كما يمثل التحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى إحدى أهم الخطوات التى شهدها القطاع الأهلى خلال السنوات الأخيرة، إذ نجح فى توحيد جهود عدد كبير من المؤسسات والجمعيات تحت مظلة واحدة، وقد أسهم هذا التنسيق فى زيادة كفاءة العمل وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة فى مجالات الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية وتوفير الدعم الغذائى.
كما شارك التحالف فى تنفيذ العديد من المبادرات والمشروعات التنموية التى استهدفت الفئات الأكثر احتياجًا، وأصبح نموذجًا ناجحًا للتكامل بين مؤسسات المجتمع المدنى بما يخدم أهداف التنمية الشاملة.
■ إلى أى مدى يشارك المجتمع المدنى حاليًا فى دعم وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات الوطنية؟
- أصبح المجتمع المدنى شريكًا مهمًا فى إعداد ومتابعة العديد من الاستراتيجيات الوطنية التى تتبناها الدولة، فقد شاركت مؤسسات المجتمع الأهلى فى إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بمراحلها المختلفة، كما أسهمت فى الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية، بالإضافة إلى مشاركتها فى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
وخلال السنوات الماضية، يجرى التشاور بشكل مستمر مع ممثلى الجمعيات والمؤسسات الأهلية فى عدد من الملفات المهمة التى تمس حياة المواطنين، وهذه المشاركة تعكس قناعة الدولة بأهمية الاستفادة من خبرات المجتمع المدنى وقدرته على نقل احتياجات المواطنين ومشكلاتهم إلى صنّاع القرار، بما يسهم فى وضع سياسات أكثر ارتباطًا بالواقع.
وأيضًا أصبح هناك تمثيل واضح للمجتمع المدنى فى عدد من الجهات والهيئات الوطنية، وهو ما يعكس مكانة العمل الأهلى كشريك فى التنمية، فممثلو المجتمع الأهلى يشاركون فى بعض الأجهزة واللجان المعنية بحماية المستهلك والقضايا السكانية والبيئية، كما يسهمون فى المجالس التنفيذية بالمحافظات من خلال رؤساء اتحادات الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
كذلك، يشارك ممثلو القطاع الأهلى فى عدد من اللجان والصناديق المعنية بدعم العمل التنموى، وتساعد هذه المشاركة على نقل الخبرات الميدانية التى تمتلكها الجمعيات إلى الجهات المعنية، بما يسهم فى تحسين الخدمات وتطوير السياسات العامة.
■ كان لاتحاد الجمعيات دورٌ فى التصدى لمحاولات أخونة العمل الأهلى قبيل ثورة ٣٠ يونيو.. فما تفاصيل هذا الدور؟
- شهدت تلك الفترة محاولات للسيطرة على مؤسسات المجتمع المدنى، خاصة خلال فترة حكم جماعة الإخوان، وفى انتخابات الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية، فى عام ٢٠١٣، تنافست قائمة وطنية حملت اسم «قائمة الأمل» مع قائمة مدعومة من جماعة الإخوان، واختارت الجمعية العمومية القائمة الوطنية التى ضمت عددًا من الشخصيات المشهود لها بالكفاءة والخبرة.
وكانت هذه الانتخابات محطة مهمة أكدت استقلالية المجتمع الأهلى ورفضه أى محاولة للهيمنة أو توظيف العمل الأهلى لخدمة أهداف سياسية أو تنظيمية بعيدة عن مصالح المجتمع.
وفى تلك الفترة أيضًا تم طرح ملف جمعية الإخوان على الاتحاد العام لإبداء الرأى، وفقًا للإجراءات القانونية المعمول بها آنذاك، وبعد دراسة الوقائع والملابسات المرتبطة بمقر الجمعية والأنشطة التى ارتبطت به عقد مجلس إدارة الاتحاد جلسة ناقش خلالها الأمر بشكل موسع، وانتهى إلى إبداء الرأى القانونى، الذى تم رفعه إلى وزارة التضامن الاجتماعى، لاتخاذ ما تراه مناسبًا وفقًا للقانون.
وقد جاءت هذه الخطوات فى إطار الالتزام بالقانون والحفاظ على أمن المجتمع واستقراره، بعيدًا عن أى اعتبارات أخرى. وفى التعامل مع الجمعيات والكيانات التابعة للإخوان بعد ثورة ٣٠ يونيو، كان هناك حرص شديد على تحقيق التوازن بين تطبيق القانون والحفاظ على الخدمات المقدمة للمواطنين، لأن بعض هذه الجمعيات، والتى تخطى عددها ألف جمعية، كانت تدير حضانات ومراكز رعاية ومشروعات خدمية ووحدات غسيل كلوى وأنشطة يستفيد منها آلاف المواطنين. ولذلك، تم استبعاد العناصر المتورطة فى إرهاب الجماعة، وإسناد الإدارة إلى لجان متخصصة من وزارة التضامن الاجتماعى ومؤسسات المجتمع المدنى، مع استمرار تقديم الخدمات للمواطنين وعدم توقفها، وهذا النهج حافظ على حقوق المستفيدين والعاملين فى تلك المؤسسات، وفى الوقت نفسه ضَمَن عدم استغلال العمل الأهلى فى أنشطة مخالفة للقانون.
ماذا عن دور المجتمع المدنى فى الحماية الاجتماعية؟
- يلعب المجتمع المدنى دورًا محوريًا فى منظومة الحماية الاجتماعية، إذ يشارك بشكل مباشر فى تقديم الدعم للأسر الأولى بالرعاية فى مختلف المحافظات، وتنفذ الجمعيات الأهلية برامج متنوعة تشمل المساعدات النقدية والعينية، ودعم المشروعات الصغيرة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسر الأكثر احتياجًا، كما تسهم فى تنفيذ العديد من المبادرات التى استهدفت تحسين مستوى المعيشة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين.
وتؤكد التجربة أن التعاون بين الدولة والمجتمع المدنى فى هذا المجال حقق نتائج إيجابية، وأسهم فى الوصول إلى شرائح واسعة من المستفيدين.




