تعتبر ظاهرة النينيو واحدة من أبرز الظواهر المناخية الدورية في نظام المناخ العالمي، والتي تنشأ نتيجة احترار غير طبيعي في سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى اضطراب في حركة الرياح وتوزيع الضغط الجوي وأنماط الأمطار، ورغم أن منشأ الظاهرة يقع في منطقة بعيدة عن الشرق الأوسط، فإن تأثيرها يمتد عبر ما يعرف بالروابط المناخية البعيدة، لتنعكس آثارها على درجات الحرارة، وكميات الأمطار، وتكرار موجات الجفاف أو السيول في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها شمال أفريقيا وحوض المتوسط.
وعلى المستوى العالمي، ترتبط الظاهرة غالبا بارتفاع ملحوظ في متوسط درجات حرارة الكوكب وزيادة حدة الظواهر المناخية المتطرفة، بينما في المنطقة العربية ومصر لا يظهر تأثيرها بشكل مباشر أو موحد، بل يتجلى في تغير أنماط الكتل الهوائية واحتمالات تزايد موجات الحر أو اضطراب فترات الأمطار.
مؤخرًا، أشارت تصريحات حكومية وتصريحات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى أهمية الاستعداد المبكر للتغيرات المناخية ودمج البعد المناخي في خطط الدولة، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة المياه والطاقة والزراعة، باعتبار أن هذه الظواهر لم تعد أحداثًا بعيدة، بل عوامل مؤثرة في الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
"الدستور" حاورت الدكتور هشام العسكري أستاذ الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض بجامعة تشابمان الأمريكية، للحديث عن ظاهرة النينيو من منظور علمي تطبيقي، وكيف يمكن قراءتها باستخدام بيانات الرصد الأرضي والأقمار الصناعية، وما الذي تعنيه لمصر والمنطقة العربية في ظل عالم يزداد احترارًا، وكيف يمكن تحويل هذا الفهم إلى أدوات للإنذار المبكر ودعم القرار في مجالات المياه والطاقة والتخطيط المناخي.
في البداية..
ما هي ظاهرة النينيو وكيف تؤثر على درجات الحرارة في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ مثل مصر والشرق الأوسط؟
يرتبط عملي البحثي بظاهرة النينيو والتذبذب الجنوبي ENSO من زاوية فهم تأثيرها على المناخ الإقليمي، الأمطار، الجفاف، والموارد المائية باستخدام الرصد الأرضي، الأقمار الصناعية، وتحليل البيانات المتقدمة، فقد تناولت في أبحاثي العلاقة بين ENSO وتغيرات الأمطار في مناطق مختلفة، من بينها الولايات المتحدة، كما درست تأثيرات إل نينيو على أمطار حوض النيل وإيراد النيل الأزرق باستخدام أدوات تحليل زمنية متقدمة، وامتد هذا العمل إلى فهم الجفاف في كاليفورنيا، والروابط المناخية البعيدة التي تجعل ظاهرة تبدأ في المحيط الهادئ قادرة على التأثير في مناطق بعيدة مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبشكل عام، يركز عملي على تحويل هذه الظواهر المناخية العالمية إلى معرفة تطبيقية تساعد في الإنذار المبكر، إدارة المياه، التخطيط الزراعي، والاستعداد لموجات الحر والجفاف.
ظاهرة النينيو ببساطة هي حالة من الاحترار غير الطبيعي في سطح مياه وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، قد يبدو للمشاهد أن هذا بعيد جدًا عن مصر والشرق الأوسط، لكن في علم المناخ لا توجد منطقة معزولة تمامًا، المحيطات والغلاف الجوي يعملان كمنظومة واحدة، وعندما تتغير حرارة جزء كبير من المحيط الهادئ، فإن ذلك يغير حركة الرياح، ومناطق الضغط الجوي، ومسارات الرطوبة والسحب، وبالتالي يؤثر على أنماط الحرارة والأمطار في مناطق بعيدة جدًا، وهو ما نسميه علميًا الروابط المناخية البعيدة أو teleconnections.
بالنسبة لمصر والشرق الأوسط، لا نقول إن النينيو يضرب المنطقة بنفس الطريقة المباشرة التي يؤثر بها على غرب أمريكا الجنوبية أو جنوب شرق آسيا، ولكن نقول إنه يستطيع أن يغيّر "الخلفية المناخية" التي تتحرك داخلها الكتل الهوائية، فقد يؤدي إلى تقوية موجات حر في بعض الفترات، أو تغيير فرص الأمطار، أو التأثير غير المباشر على أنماط الضغط الجوي في البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وشمال أفريقيا، لذلك فإن تأثيره عندنا غالبًا يكون غير مباشر، لكنه مهم، خصوصًا عندما يأتي فوق خلفية عالمية أكثر سخونة بسبب تغير المناخ.
ومن خبرتي البحثية، تعاملت مع النينيو ليس كعنوان إعلامي فقط، بل كإشارة مناخية يمكن قياسها وربطها بالأمطار والجفاف والموارد المائية، درسنا سابقًا علاقته بتغيرات الأمطار في الولايات المتحدة، ثم وسعنا هذا الفهم إلى حوض النيل والنيل الأزرق، لأن أي تغير في أمطار المنابع قد تكون له انعكاسات مهمة على إدارة المياه في مصر والمنطقة.

إلى أي مدى يمكن أن تساهم النينيو في رفع درجات الحرارة خلال صيف هذا العام مقارنة بالمعدلات الطبيعية؟
هنا يجب أن نكون دقيقين، النينيو لا يعني أن كل يوم في الصيف سيكون أكثر حرارة بسبب الظاهرة وحدها، ولا يعني أن كل منطقة ستتأثر بنفس القدر، لكنه يزيد من احتمال أن تكون درجات الحرارة العالمية أعلى من المتوسط، لأنه يضيف حرارة من المحيط الهادئ الاستوائي إلى الغلاف الجوي، ومع وجود تغير مناخي طويل المدى، تصبح هذه "الإضافة الطبيعية" أكثر خطورة لأنها تأتي فوق مستوى حراري عالمي مرتفع أصلًا.
حتى الآن، التحديثات الدولية تشير إلى أن النينيو مرجح بقوة خلال صيف 2026؛ فالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أشارت في تحديث مايو/ يونيو 2026 إلى احتمال يقارب 80% لظهور النينيو خلال يونيو/ أغسطس 2026، مع احتمالات تقترب أو تتجاوز 90% لاستمراره حتى الخريف على الأقل، كما تشير NOAA إلى أن الظروف كانت انتقالية من الحالة المحايدة نحو النينيو، مع احتمال مرتفع لظهوره واستمراره خلال شتاء نصف الكرة الشمالي 2026–2027.
بالنسبة لمصر والشرق الأوسط، لا أستطيع علميًا أن أقول إن النينيو وحده سيرفع الحرارة مثلًا بدرجتين أو ثلاث درجات في القاهرة أو الرياض أو بغداد، فالتأثير الإقليمي يعتمد على تفاعل النينيو مع أنظمة أخرى: البحر المتوسط، المحيط الهندي، منخفضات الهند الموسمية، المرتفعات الجوية، ورطوبة البحر الأحمر والخليج، لكن أستطيع القول إن وجود النينيو في صيف حار أصلًا يرفع احتمالية موجات حر أشد أو أطول، خاصة في المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية.
هل هناك تقديرات رقمية متوقعة لزيادة درجات الحرارة نتيجة النينيو على المستوى العالمي والإقليمي؟
على المستوى العالمي، تاريخيًا يرتبط النينيو بزيادة في متوسط حرارة الكوكب، وغالبًا تظهر ذروة أثره الحراري بعد أشهر من بداية الحدث، وقد رأينا أن النينيو 2023–2024 ساهم في دفع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية، مع أن العامل الأكبر على المدى الطويل هو الاحترار العالمي الناتج عن تراكم الغازات الدفيئة، وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الآن إلى أن معظم النماذج تتوقع أن يكون النينيو 2026 على الأقل متوسط القوة، وربما قويًا، لكن هناك عدم يقين في توقيت الذروة وشدتها.
رقميًا، لا بد من التفريق بين المتوسط العالمي والحرارة المحلية، فعلى المستوى العالمي، قد يضيف النينيو بضعة أعشار الدرجة المئوية إلى متوسط حرارة الكوكب خلال سنة الذروة أو السنة التالية، وهذا رقم يبدو صغيرًا لكنه ضخم جدًا عندما نتحدث عن متوسط الكوكب كله، أما على المستوى المحلي، فقد تظهر التأثيرات على شكل موجات حر ترفع الحرارة عدة درجات فوق المعدلات الطبيعية لعدة أيام أو أسابيع، لكن هذه القفزات المحلية لا تكون كلها بسبب إلنينيو وحده؛ بل بسبب تفاعل النينيو مع أنظمة الضغط والكتل الهوائية والجزر الحرارية الحضرية وتغير المناخ.
لذلك يمكن أن أقول أن النينيو لا يعطي رقمًا واحدًا صالحًا لكل دولة، فعالميًا قد يضيف بضعة أعشار الدرجة إلى المتوسط السنوي، لكن محليًا قد نرى موجات حر أعلى بكثير من المعدلات لعدة أيام أو أسابيع نتيجة تفاعل النينيو مع العوامل الإقليمية والمحلية.

ما الفرق بين تأثير ظاهرة النينيو وتأثير التغير المناخي طويل المدى الناتج عن الانبعاثات الكربونية؟
هذا سؤال مهم جدًا، فالنينيو ظاهرة طبيعية متكررة تحدث كل عدة سنوات نتيجة تفاعل المحيط الهادئ مع الغلاف الجوي، وقد تستمر عادة من عدة أشهر إلى سنة أو أكثر، ثم تنتهي أو تتحول إلى حالة محايدة أو إلى لا نينيا، أما التغير المناخي فهو اتجاه طويل المدى ناتج أساسًا عن تراكم غازات الاحتباس الحراري من حرق الوقود الأحفوري وتغير استخدامات الأراضي، وهو يرفع حرارة النظام المناخي كله على مدى عقود.
بمعنى بسيط، النينيو مثل "نبضة" أو "موجة" داخل النظام المناخي، أما التغير المناخي فهو "رفع مستوى البحر كله" الذي تتحرك فوقه هذه الموجة، لذلك لم يعد النينيو اليوم يحدث في مناخ طبيعي كما كان قبل مئة عام، بل يحدث فوق كوكب أكثر سخونة، ومحيطات أكثر دفئًا، وغلاف جوي قادر على حمل بخار ماء أكثر، ومدن أكثر هشاشة بسبب الكثافة السكانية والتوسع العمراني.
ولهذا أقول دائمًا، لا يصح أن ننسب كل موجة حر إلى النينيو وحده، ولا يصح أيضًا أن نتجاهل دوره، فالنينيو يغير الإيقاع الطبيعي من سنة إلى أخرى، بينما التغير المناخي يرفع خط الأساس الذي تبدأ منه كل موجة حر وكل موجة جفاف وكل عاصفة.
هل تؤدي النينيو فقط إلى ارتفاع درجات الحرارة.. أم أنها قد تتسبب أيضًا في تغيرات أخرى مثل الجفاف أو السيول أو العواصف؟
النينيو ليس ظاهرة حرارة فقط، هو ظاهرة تعيد توزيع الطاقة والرطوبة على مستوى واسع، ولذلك قد يؤدي في بعض المناطق إلى جفاف شديد، وفي مناطق أخرى إلى أمطار غزيرة وسيول وعواصف، مثلًا، قد ترتبط أحداث النينيو تاريخيًا بجفاف في أجزاء من جنوب شرق آسيا وأستراليا، وبأمطار غزيرة في أجزاء من الأميركتين وشرق أفريقيا، لكن النمط يختلف حسب قوة الحدث وموسمه وموقع الاحترار داخل المحيط الهادئ، تقارير WMO الحالية تشير إلى أن النينيو المتوقع قد يؤثر في أنماط الحرارة والأمطار عالميًا، مع مخاطر مناخية متطرفة تختلف من منطقة إلى أخرى.
بالنسبة لمنطقتنا، قد تظهر الآثار في صورة ارتفاع احتمالات موجات حر، أو تغير في أنماط الأمطار، أو زيادة عدم الانتظام بين فترات جفاف وفترات أمطار شديدة، وهذا مهم جدًا في دول تعاني أصلًا من ندرة المياه أو هشاشة البنية التحتية، في أبحاثنا على حوض النيل، كان الهدف هو فهم كيف يمكن لإشارة ENSO أن تظهر في أمطار حوض النيل وإيراد النيل الأزرق، لأن المسألة ليست أكاديمية فقط، بل مرتبطة بالأمن المائي والتخطيط طويل المدى.
إذن الرسالة للمواطن بسيطة: النينيو لا يعني حرارة فقط، بل يعني اضطرابًا في توازن النظام المناخي؛ قد يظهر كحرارة، أو جفاف، أو أمطار غزيرة، أو سيول، أو عواصف، حسب المكان والتوقيت.
كيف تؤثر موجات الحر المرتبطة بالنينيو على استهلاك الكهرباء والطاقة، خاصة في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة؟
موجات الحر تضغط على منظومة الطاقة من أكثر من اتجاه، أولًا، عندما ترتفع الحرارة، يزيد استخدام أجهزة التكييف والتبريد، وهذا يرفع الطلب على الكهرباء بشكل حاد، خصوصًا في ساعات الذروة، في مدن ضخمة مثل القاهرة، الرياض، جدة، دبي، بغداد، أو غيرها من المدن الحارة ذات الكثافة السكانية العالية، قد يتحول ارتفاع الحرارة من مشكلة مناخية إلى مشكلة طاقة وصحة عامة في نفس الوقت.
ثانيًا، الحرارة الشديدة قد تقلل كفاءة بعض مكونات شبكة الكهرباء، وتزيد الضغط على المحولات وخطوط النقل، كما قد تؤثر على كفاءة محطات التوليد نفسها، خصوصًا إذا ارتفعت حرارة مياه التبريد أو زاد الطلب على الوقود، وثالثًا، إذا جاء النينيو مصحوبًا بجفاف في بعض المناطق، فقد يؤثر أيضًا على الطاقة الكهرومائية أو على توفر المياه اللازمة لبعض العمليات الصناعية والزراعية.
ولذلك فإن التعامل مع النينيو لا يجب أن يكون من خلال هيئة الأرصاد فقط، بل من خلال منظومة كاملة تشمل الكهرباء، المياه، الصحة، الزراعة، والحماية المدنية، في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة، الإنذار المبكر مهم جدًا: نحتاج إلى توقع موجات الحر قبل حدوثها، إدارة أحمال الكهرباء، حماية كبار السن والعمال في الهواء الطلق، تعديل ساعات العمل عند الضرورة، وزيادة المساحات الخضراء وتقليل أثر الجزر الحرارية داخل المدن.
النينيو ليس مجرد خبر عن ارتفاع حرارة مياه في المحيط الهادئ، بل هو مؤشر على اضطراب واسع في منظومة المناخ العالمية، خطورته اليوم أنه يأتي فوق كوكب أكثر سخونة بسبب تغير المناخ، وبالتالي قد يضاعف احتمالات موجات الحر والجفاف والأمطار الشديدة، ومن خبرتي في الرصد الأرضي وتحليل البيانات، سواء في حوض النيل أو كاليفورنيا أو دراسات الجفاف، أرى أن الحل ليس في الخوف من الظاهرة، بل في تحويل العلم إلى إنذار مبكر وقرار عملي من حيث إدارة أفضل للمياه، واستعداد للطاقة، وحماية للصحة العامة، وتخطيط زراعي وحضري أكثر مرونة.
ما القطاعات الاقتصادية الأكثر تأثرًا بظاهرة النينيو مثل: الزراعة والموارد المائية والطاقة والصحة العامة؟
بالنسبة للقطاعات الاقتصادية الأكثر تأثرًا بظاهرة النينيو، يجب أن نوضح أن النينيو لا تؤثر فقط على درجات الحرارة، ولكنها قد تمتد إلى قطاعات حيوية جدًا مثل الزراعة، والموارد المائية، والطاقة، والصحة العامة، والنقل، وحتى الأمن الغذائي.
القطاع الزراعي يكون من أكثر القطاعات حساسية، لأن أي تغير في درجات الحرارة أو مواعيد الأمطار أو شدة الجفاف ينعكس مباشرة على المحاصيل، ومواعيد الزراعة، والاحتياج المائي، والإنتاجية، وفي دول مثل مصر، حيث الزراعة تعتمد على إدارة دقيقة للمياه، فإن ارتفاع درجات الحرارة يعني زيادة البخر والنتح، وبالتالي ارتفاع الاحتياجات المائية للمحاصيل، خصوصًا في الصيف.
قطاع الموارد المائية يأتي في قلب التأثير، لأن النينيو قد تغير أنماط الأمطار في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ من خلال الروابط المناخية العالمية، وبالنسبة لمصر، المسألة ليست أن النينيو ستؤدي تلقائيًا إلى نقص أو زيادة في مياه النيل، فهذا غير دقيق علميًا، ولكن الأهم أنها قد تكون من بين العوامل التي تؤثر على أنماط الأمطار في منابع النيل، خاصة النيل الأزرق والهضبة الإثيوبية.
لذلك فإن متابعة النينيو يجب أن تدخل ضمن منظومة أكبر تشمل رصد الأمطار، ومتابعة الفيضان، وتحليل بيانات الأقمار الصناعية، والنماذج المناخية والهيدرولوجية، وهذا ما ركزت عليه في عملي البحثي عندما درسنا العلاقة بين ENSO وإيراد النيل الأزرق وأمطار حوض النيل باستخدام أدوات تحليل زمنية متقدمة، لأن الأمن المائي لا يعتمد فقط على معرفة كمية المياه الحالية، بل على القدرة على قراءة الإشارات المناخية مبكرًا.
أما قطاع الطاقة فيتأثر بشدة خلال موجات الحر، لأن ارتفاع درجات الحرارة يدفع الناس إلى استخدام التكييف والتبريد بصورة أكبر، وبالتالي يرتفع الطلب على الكهرباء في ساعات الذروة، وفي المدن ذات الكثافة السكانية العالية، قد تتحول موجة الحر من ظاهرة مناخية إلى ضغط مباشر على شبكات الكهرباء ومحطات التوليد، كما أن ارتفاع الحرارة قد يقلل من كفاءة بعض مكونات الشبكة، ويزيد الضغط على المحولات وخطوط النقل، وإذا تزامن ذلك مع جفاف في بعض المناطق، فقد تتأثر أيضًا موارد المياه اللازمة لبعض أشكال إنتاج الطاقة أو التبريد الصناعي.
الصحة العامة أيضًا من القطاعات التي يجب أن نأخذها بجدية، موجات الحر تزيد من مخاطر الإجهاد الحراري، وضربات الشمس، ومشكلات القلب والجهاز التنفسي، خاصة لدى كبار السن، والأطفال، والعمال في الأماكن المفتوحة، وسكان المناطق الفقيرة أو المكتظة، كما أن تغير أنماط الأمطار والرطوبة قد يؤثر على انتشار بعض الأمراض المرتبطة بالمياه أو النواقل، حسب طبيعة كل منطقة، لذلك لا يمكن التعامل مع النينيو كملف أرصاد فقط، بل يجب التعامل معها كملف متعدد القطاعات يشمل المياه، والزراعة، والكهرباء، والصحة، والحماية المدنية.

هل هناك تجارب سابقة لسنوات شهدت ظاهرة نينيو قوية.. وما أبرز التداعيات التي حدثت خلالها عالميًا؟
بالنسبة للتجارب السابقة، شهد العالم عدة أحداث قوية للنينيو، من أبرزها أحداث 1982–1983، و1997–1998، و2015–2016، ثم حدث 2023–2024 الذي صنفته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ضمن أقوى خمسة أحداث مسجلة، خلال هذه السنوات، لم تكن التداعيات واحدة في كل مكان؛ فبعض المناطق شهدت جفافًا شديدًا وحرائق وتراجعًا في الإنتاج الزراعي، بينما شهدت مناطق أخرى أمطارًا غزيرة وفيضانات وانزلاقات أرضية واضطرابات في النظم البيئية والبحرية، وهذا يوضح أن النينيو لا تعني سيناريو واحدًا، بل تعني اضطرابًا واسعًا في توزيع الحرارة والرطوبة والأمطار حول العالم.
المهم هنا أن أحداث النينيو القوية أصبحت أكثر خطورة لأنها تأتي الآن فوق خلفية من الاحترار العالمي، فعندما حدثت النينيو في الماضي، كانت تعمل داخل نظام مناخي أبرد نسبيًا، أما الآن، فهي تحدث في عالم ارتفعت حرارته بالفعل بسبب تراكم غازات الاحتباس الحراري، لذلك فإن نفس الظاهرة الطبيعية قد تؤدي اليوم إلى آثار أشد، لأن خط الأساس الحراري للكوكب أصبح أعلى، وهذا ما رأيناه بوضوح في السنوات الأخيرة، حيث ساهمت النينيو مع الاحترار العالمي في دفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
ما الإجراءات التي ينبغي على الحكومات اتخاذها للتعامل مع الارتفاعات المتوقعة في درجات الحرارة وتقليل آثارها على المواطنين؟
أما عن الإجراءات التي ينبغي على الحكومات اتخاذها، فأول خطوة هي بناء منظومة إنذار مبكر فعالة تعتمد على البيانات وليس على رد الفعل المتأخر، كما يجب أن تكون هناك متابعة مستمرة لتحديثات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ومراكز التنبؤ الدولية، وبيانات الأقمار الصناعية، والنماذج المناخية، مع ترجمة هذه المعلومات إلى قرارات عملية داخل كل دولة، وفي قطاع المياه، يعني ذلك تحديث سيناريوهات الطلب المائي، ومتابعة الفيضان والأمطار على منابع الأنهار، وتحسين كفاءة الري، وتقليل الفاقد، والاستعداد لفترات ارتفاع الاستهلاك خلال الصيف.
في قطاع الطاقة، يجب الاستعداد المبكر لفترات ذروة الطلب، ورفع جاهزية شبكات الكهرباء، وتنسيق الرسائل العامة لترشيد الاستهلاك خلال موجات الحر دون الإضرار بالفئات الضعيفة، وفي قطاع الصحة، يجب تفعيل خطط التعامل مع موجات الحر، مثل التحذيرات المبكرة، وتجهيز المستشفيات، وتوعية المواطنين، وحماية العمال في الأماكن المفتوحة، وتوفير أماكن تبريد عامة عند الحاجة، وفي المدن، يجب التعامل مع الجزر الحرارية الحضرية من خلال زيادة الغطاء الأخضر، وتحسين تصميم الشوارع، واستخدام مواد عمرانية أقل امتصاصًا للحرارة، وتطوير نظم صرف قادرة على التعامل مع الأمطار الشديدة إذا حدثت.
من المهم أيضًا أن تكون الرسالة الإعلامية متوازنة، حيث أنه لا نريد أن نخيف الناس، ولا نريد أن نقلل من الظاهرة، المطلوب هو أن نقول للمواطن إن الدولة تتابع، وأن العلماء يحللون، والمؤشرات يتم تحديثها، والاستعداد المبكر أفضل بكثير من انتظار الأزمة، فالنينيو لا تعني بالضرورة كارثة، لكنها تعني أن علينا رفع درجة اليقظة، خاصة في قطاعات المياه، والزراعة، والطاقة، والصحة.
هل من المتوقع أن تتكرر ظواهر مناخية مشابهة بصورة أكبر في المستقبل.. وما العلاقة بين ذلك وبين التغيرات المناخية العالمية؟
أما عن المستقبل، فظاهرة النينيو نفسها ظاهرة طبيعية وليست ناتجة عن الإنسان بشكل مباشر، لكن التغير المناخي العالمي قد يجعل آثارها أكثر حدة وتعقيدًا، بمعنى آخر، التغير المناخي لا يخلق النينيو من العدم، لكنه يغير البيئة التي تحدث داخلها، فعندما يكون المحيط أكثر دفئًا، والغلاف الجوي أكثر قدرة على حمل بخار الماء، والمدن أكثر سخونة، تصبح موجات الحر والأمطار المتطرفة والجفاف أكثر خطورة، لذلك قد لا يكون السؤال فقط: هل ستتكرر النينيو أكثر؟ بل: هل ستصبح آثار النينيو والظواهر المشابهة أكثر شدة في عالم أكثر سخونة؟ والإجابة العلمية أن أخطار التطرف المناخي عمومًا تتزايد مع الاحترار العالمي.
ومن هنا تأتي أهمية دمج علم المناخ مع التخطيط الاقتصادي، فالتعامل مع النينيو والتغير المناخي لا يجب أن يكون موسميًا أو مؤقتًا، بل يجب أن يكون جزءًا من التخطيط الوطني للأمن المائي، والغذائي، والطاقة، والصحة، فنحن نحتاج إلى نماذج تنبؤ، وأقمار صناعية، وذكاء اصطناعي، وبيانات محلية، وخطط استجابة سريعة، ومن واقع عملي في دراسة النينيو وعلاقتها بالأمطار وإيراد النيل الأزرق والجفاف في مناطق أخرى، أرى أن القيمة الحقيقية للعلم ليست فقط في شرح الظاهرة، بل في تحويل هذه المعرفة إلى قرار يحمي المواطن والاقتصاد والموارد الطبيعية.




