يشكل الاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب محطة مفصلية في مسار الأزمات الإقليمية المتشابكة، وسط آمال بإسهامه في خفض التوتر واحتواء بؤر الصراع المشتعلة في الشرق الأوسط وخاصة ملفي غزة ولبنان.
ويُنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه فرصة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية، بما قد ينعكس على ملفات غزة ولبنان واليمن وسوريا، ويحد من احتمالات التصعيد العسكري، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات غير مسبوقة تتطلب حلولًا دبلوماسية قادرة على تعزيز الاستقرار.
المحاريق: الأردن كان مهتما بشكل كبير بنتائج الحرب أكثر من مجرياتها
بداية من الأردن، قال سامح المحاريق الإعلامي الأردني، إنه بدمج الإيرانيين ملف لبنان داخل الاتفاق الأخير أعتقد أن ذلك يمثل بابًا واسعا لعودة إيرانية تجاه لبنان، خاصة أنها ستستثمر ذلك في مواجهة مؤسستي الرئاسة والحكومة في لبنان، وتربك التفاوض القائم مع الجانب الإسرائيلي برعاية أمريكية، ويمكن أن فشل الاتفاق في المدى البعيد مرتبط بالملف اللبناني نظرا لوجود القوات الإسرائيلية فعليا داخل لبنان، إلا إذا تم التوافق على أن الخطوط الحمراء الجديدة مرتبطة بالضاحية الجنوبية وبيروت وليس الجنوب اللبناني.
وأضاف المحاريق في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أنه بالنسبة للأردن فإن مواقفها واضحة تماما وتفكر عمليا في ملف الضفة الغربية والتوجه الإسرائيلي لفرض الأمر الواقع بما يخدم مصالحها ويؤدي الى افشال وتقويض السلطة الوطنية، بمعنى أن الأردن كان مهتما بشكل كبير بنتائج الحرب أكثر من مجرياتها.
وأشار الإعلامي الأردني إلى أن التوجه الأردني هو لوقف الإجراءات الإسرائيلية المحتملة في الضفة الغربية من خلال التفاهم مع الأمريكيين والأوروبيين والشركاء العرب.
وحول ملف غزة، قال “المحاريق” إن مصير القطاع أصبح ملفًا أمنيًا اسرائيليًا وبدأ يفقد زخمه الدولي، ومن الضروري وبعد الاتفاق أن يتم إعادة التركيز على غزة التي خرجت من المعادلة الإيرانية مع التأكيد بأن حضورها السابق لم يكن سوى استثمارًا خطابيًا ومعنويًا لا يتعلق بالأولويات الإيرانية التي تركز على مصالحها في المنطقة والجبهات القائمة من خلال وكلائها وحلفائها.
جودة: اتفاق واشنطن طهران قد يغيّر طبيعة الأزمات في الشرق الأوسط
ومن قطاع غزة، قال المحلل السياسي الفلسطيني محمد جودة، إن أي اتفاق سلام أو تفاهم استراتيجي بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة نهاية الأزمات في الشرق الأوسط، لكنه يغيّر طبيعة هذه الأزمات فالمنطقة عاشت خلال العقدين الماضيين على إيقاع الصراع الأمريكي الإيراني، وكان جزء كبير من التوتر في غزة ولبنان والعراق وسوريا انعكاسًا لهذا الاشتباك غير المباشر.
وتابع جودة في تصريحات خاصة لـ"الدستور": “اليوم، إذا افترضنا أن الطرفين توصلا إلى تفاهم مستقر وليس مجرد هدنة سياسية مؤقتة، فإننا نكون أمام انتقال من مرحلة إدارة الصراع بالقوة إلى مرحلة إدارة المصالح بالتفاوض، وهذا تحول مهم جدًا”.
وحول ملف غزة، قال جودة لا أعتقد أن الاتفاق وحده قادر على إنتاج حل سياسي نهائي، فجوهر الأزمة هناك فلسطيني-إسرائيلي بالدرجة الأولى، لكن ما يمكن أن يتغير هو البيئة الإقليمية المحيطة بالحرب فكلما تراجع التوتر بين واشنطن وطهران، تقل احتمالات استخدام غزة كساحة رسائل متبادلة بين القوى الإقليمية والدولية، وهذا قد يفتح المجال أمام ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بوقف النار وإعادة الإعمار وإدارة القطاع، ومع ذلك، ستظل العقبات الكبرى مرتبطة بمستقبل الحكم في غزة، وشكل السلطة الفلسطينية، والموقف الإسرائيلي من أي تسوية سياسية.
وحول ملف لبنان، أشار “جودة” إلى أنه يقف أمام مرحلة مختلفة تمامًا، فلبنان كان تاريخيًا من أكثر الساحات تأثرًا بالعلاقة الإيرانية الأمريكية وإذا استقر التفاهم بين الطرفين، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية وإعادة الاعتبار لدور الدولة اللبنانية.
ولفت إلى أن ذلك لن يحدث بصورة دراماتيكية أو سريعة، لكننا قد نشهد انتقالًا تدريجيًا من منطق المواجهة العسكرية المفتوحة إلى منطق التوازنات السياسية والأمنية.
وأوضح أن المسألة الأهم هنا أن المنطقة كلها تبدو متجهة نحو ما يمكن تسميته “مرحلة خفض المخاطر”، أي أن لا أحد من القوى الكبرى أو الإقليمية يمتلك مصلحة حقيقية في حرب واسعة جديدة الولايات المتحدة تريد التفرغ لأولويات أخرى، وإيران تحتاج إلى استقرار اقتصادي، والدول العربية تركّز على التنمية والاستثمارات، وحتى إسرائيل تواجه تحديات داخلية وأمنية تجعلها أكثر حذرًا تجاه الحروب المفتوحة.
وتابع “لكن في المقابل، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل فالشرق الأوسط مليء بالنزاعات التي أصبحت لها ديناميكياتها الذاتية، غزة ليست مجرد ملف إيراني، ولبنان ليس مجرد ساحة نفوذ، وسوريا والعراق واليمن لكل منها حساباته الداخلية المعقدة، لذلك فإن الاتفاق، حتى لو كان تاريخيًا، لن يصنع سلامًا شاملًا بين ليلة وضحاها”.
واختتم: "التقدير الأقرب للواقع هو أننا قد نشهد خلال السنوات المقبلة انخفاضًا في مستوى الاشتعال الإقليمي، مع استمرار بؤر التوتر نفسها ولكن ضمن سقوف أقل خطورة، بمعنى آخر المنطقة قد تخرج من مرحلة الحروب الكبرى إلى مرحلة التسويات الجزئية والهدن الطويلة، وهو تطور مهم، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى السلام الشامل الذي ينهي جذور الصراعات القائمة.
مستقبل المناطق المشتعلة مرهون بنجاح الاتفاق
ومن قطاع غزة أيضا، قال ثائر أبو عطيوي مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين، إن مستقبل المناطق التي مازالت مشتعلة بالتصعيد والحروب في أعقاب اتفاق السلام بين واشنطن وطهران، بالتأكيد يبقى مرهون بمدى نجاح وتقدم الاتفاق وضمان تنفيذ بنوده بين واشنطن وطهران، لأننا نتحدث اليوم على عدة جبهات إقليمية مؤهلة للتصعيد لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بإيران والتي على رأسها الجبهة اللبنانية وحزب الله، والجبهة اليمنية والحوثيين، أما جبهة غزة والحرب المستمرة عليها فهي جبهة منفصلة عن أي اتفاق، ولم تشر إليها طهران لا من قريب أو بعيد وأكدت ضرورة إنهاء التصعيد الإسرائيلي والحرب على لبنان وحزب الله لانجاح الإتفاق المقرر عقده وتوقيعه الجمعة المقبلة في جنيف.
وأشار أبو عطيوي في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، إلى أن ملف لبنان ومستقبل التطورات والمستجدات الميدانية المتعلقة به مرهون بنجاح الاتفاق بين واشنطن وطهران، وهنا أؤكد ومن خلال التصريحات الأمريكية أن واشنطن لا تعارض وتوافق على ربط الملف اللبناني بمصير الاتفاق مع طهران ودعم نجاحه، بعيدا عن التصريحات الإعلامية والسياسية لقادة حكومة الاحتلال الإسرائيلي وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو الذي أوضح في تصريحات جديدة له إن الحرب لم تنته على لبنان، وهنا ستبقى قضية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وستكون محل نقاش وتفاوض أمريكي إيران بعد توقيع الاتفاق بينهما، وهنا من الممكن أن تسيير الأوضاع نحو تهدئة التصعيد الإسرائيلي وإيقافه على الأراضي اللبنانية.
وحول مستقبل المناطق والجبهات الأخرى، قال "أبوعطيوي" من الممكن أن تقوم إسرائيل بتحويل تصعيدها العسكري ضد جماعة الحوثيين في اليمن، ومواصلة التصعيد أيضا على مناطق محددة في الأراضي السورية.
وأكد أن الملف اللبناني وما يتعلق في حزب الله، من الممكن تسويته وإيجاد حلول ذات قواسم مشتركة ترضي الجميع في حال نحاج الاتفاق بين واشنطن وطهران وتطبيق بنوده، لأن احد هذه البنود اشتراط طهران وقف الحرب الإسرائيلية على حزب الله والانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وشدد أن الأزمة في غزة هي الأكثر صعوبة، لأنه غير مرتبط باتفاق طهران مع واشنطن، ولأنه الملف الذي له خصوصيته في إطار ما بات يعرف في خطة ترامب مجلس السلام لغزة.
وهنا يبقى مستقبل المناطق التي مازالت بها التصعيد والحروب مشتعلة بالمنطقة مرهون في تسوية إقليمية أمريكية إسرائيلية شاملة تضمن استعادة الهدوء والاستقرار للمنطقة بأكملها ضمن رؤية استراتيجية واضحة تقوم على إنهاء الصراع والحروب على كافة الجبهات في المنطقة.
يونس: الملف اللبناني لم يكن قابلًا للفصل عن المعادلة الإقليمية
ومن لبنان، قال أحمد يونس الباحث السياسي اللبناني، إن التفاهم الذي أُبرم بين واشنطن وطهران لم يقتصر على كونه اتفاقًا ثنائيًا بين خصمين إقليميين ودوليين، بل يتجاوز ذلك ليشكل نقطة تحول قد تعيد رسم المشهد السياسي والأمني في عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، فالحروب التي اشتعلت خلال السنوات الأخيرة لم تعد نزاعات محلية معزولة، بل أصبحت مرتبطة بشبكة معقدة من المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية، ما يجعل أي تفاهم بين القوى المؤثرة عاملًا مباشرًا في إعادة صياغة مستقبل تلك الساحات.
وأوضح يونس في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أنه في غزة، من المرجح أن يفتح الاتفاق الباب أمام ضغوط دولية أكبر باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد فواشنطن التي تسعى إلى حماية مناخ التهدئة الإقليمي لن تكون معنية بعودة المواجهات الواسعة التي قد تهدد التفاهم الجديد وفي المقابل، قد تجد الأطراف الفلسطينية نفسها أمام مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية، رغم أن العقبات لا تزال كبيرة في ظل الخلافات الداخلية الفلسطينية والمواقف الإسرائيلية المتشددة.
وحول الملف اللبناني، قال يونس أثبتت التطورات الأخيرة أن الملف اللبناني لم يكن قابلًا للفصل عن المعادلة الإقليمية، فالرهان على معالجة الوضع اللبناني بمعزل عن التفاهمات الكبرى لم ينجح في إنهاء العمليات العسكرية أو فرض استقرار دائم، واليوم يبدو أن لبنان عاد ليكون جزءًا من منظومة التفاهمات الإقليمية، الأمر الذي وفر فرصة لوقف إطلاق النار وخفض مستوى التصعيد، غير أن هذه الفرصة تبقى رهنًا بمدى التزام جميع الأطراف بتحويل الهدنة الحالية إلى استقرار مستدام.
وأشار يونس إلى أن التحدي الأهم يتمثل في الموقف الإسرائيلي فنجاح أي تفاهم إقليمي لن يقاس بما يُكتب في الاتفاقات، بل بمدى انعكاسه على الأرض فإذا التزمت إسرائيل بمقتضيات المرحلة الجديدة، فقد تشهد المنطقة بداية انتقال تدريجي من منطق المواجهة إلى منطق التسويات، أما إذا استمرت في اعتماد العمليات العسكرية كوسيلة لفرض الوقائع، فإن احتمالات التوتر ستبقى قائمة مهما بلغت قوة الضمانات السياسية.
واختم يونس تصريحاته مشددًا على أن المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي فإما أن يشكل الاتفاق الأمريكي الإيراني مدخلًا إلى إعادة ترتيب ملفات غزة ولبنان وسواهما ضمن إطار استقرار طويل الأمد، وإما أن يبقى مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الأزمات من دون أن تعالج أسبابها العميقة، والأرجح أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد أي من هذين المسارين سيفرض نفسه على واقع الشرق الأوسط.



