فى الأسابيع الأخيرة، تصدّر عقارا الـ«كلوزابين وكلوزابكس» وغيرهما من المهدئات المشهد بين طلاب الثانوية العامة، بعدما لجأ بعض المراهقين إلى تداولها بحثًا عن الهدوء والنوم الجيد بعيدًا عن ضغوط ماراثون الامتحانات.
وعلى منصات مثل «تيك توك»، انتشرت مقاطع مصوّرة نشرها بعض الطلاب والمراهقين لشرائط هذه الأدوية على أنغام حزينة، مرفقة بعبارات تكشف عن إدمانها، مثل «درجة عشقى للمهدئات اللى باخدها كل يوم عشان أنام من غير قلق»، أو «بقيت آخد الـ(كلوزابكس) عشان أعرف أنام». هذا المشهد المقلق دفع وزارة الصحة والسكان إلى إصدار بيان تحذيرى، شددت فيه على أن عقار الـ«كلوزابين» ليس وسيلة للتعامل مع الضغوط النفسية أو اضطرابات النوم، بل هو دواء نفسى عالى الخطورة يُستخدم فى حالات مرضية محددة وتحت إشراف طبى صارم، لما قد يسببه من مضاعفات جسيمة تهدد الحياة.
فى التقرير التالى، ترصد «الدستور» خطورة هذه العقاقير وتأثيرها على صحة الشباب المراهقين، خاصة فى ظل اقتراب امتحانات الثانوية العامة.
نهاد جاد: عقارات مخصصة لعلاج أمراض نفسية خطيرة وتسبب التسمم الحاد
أطلقت الدكتورة نهاد جاد، استشارى السموم بكلية الطب جامعة الإسكندرية، تحذيرات متكررة عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك» من خطورة عقار الـ«كلوزابكس» وكل الأصناف المشابهة له، مؤكدة أنه من الأدوية المخصصة لعلاج أمراض نفسية خطيرة مثل الفصام والذهان، وأن استخدامه دون إشراف طبى يمثل تهديدًا مباشرًا للصحة.
وأوضحت نهاد جاد أن هذه العقاقير لا تُستخدم إلا بحذر شديد من قِبل أطباء النفس والأمراض العصبية، وبعد استنفاد محاولات العلاج بأدوية أقل خطورة فى أعراضها الجانبية، مشيرة إلى أن عقار الـ«كلوزابكس» قد يتسبب فى مضاعفات خطيرة مثل فشل عضلة القلب ونقص شديد فى كرات الدم البيضاء، خاصة مع الاستخدام المتكرر.
وأضافت أنه يؤدى إلى اضطراب شديد فى الوعى قد يصل إلى الغيبوبة التامة والوفاة نتيجة تسارع ضربات القلب، ما يستدعى وضع المريض على أجهزة التنفس الصناعى.
وأكدت أن معظم الحالات التى تراها خلال عملها تعود إلى جرعات زائدة يتناولها شباب تتراوح أعمارهم بين ١٢ و٢٥ عامًا دون وصفة طبية أو إشراف متخصص، مطالبةً بوقف بيع هذه الأدوية فى الصيدليات دون روشتة معتمدة، لما لها من تأثيرات خطيرة تصل إلى التسمم الحاد وتؤثر على الناقلات العصبية فى المخ.
وسردت إحدى الحالات التى تعاملت معها ضمن عشرات الحالات، حيث وصل شاب يبلغ من العمر ٢٥ عامًا إلى قسم الطوارئ يعانى من اضطراب شديد فى الوعى وارتفاع فى وظائف الكلى إثر تناول عقار الـ«كلوزابكس»، وتم وضعه على جهاز تنفس صناعى لمدة أربعة أيام، وأُجريت له جلسات غسيل كلوى، إضافة إلى بروتوكول علاجى مكثف، إلى أن استعاد وعيه بالكامل وتحسنت وظائف الكلى.
الالتهاب الرئوى وتسارع ضربات القلب ضمن الأعراض الجانبية
يستخدم عقار الـ«كلوزابين» بشكل أساسى فى علاج أعراض الفصام «انفصام الشخصية»، خاصة فى الحالات التى لا تستجيب للعلاجات التقليدية، إذ يساعد على تقليل الهلاوس والأفكار السلبية المصاحبة للمرض، كما يسهم فى الحد من السلوكيات الانتحارية لدى بعض المرضى.
كما يستخدم فى بعض الحالات المصابة باضطراب ثنائى القطب، لا سيما الحالات المقاومة للأدوية الأخرى سواء كعلاج منفرد أو ضمن بروتوكول علاجى مع أدوية أخرى، وفقًا لتقييم الطبيب المختص.
بجانب استخدامه فى بعض الاضطرابات الذهانية المرتبطة بأمراض أخرى، مثل الخرف ومرض باركنسون، إذ يُسهم فى السيطرة على الأعراض الذهانية المصاحبة لهذه الحالات وتحسين استقرار الحالة النفسية للمريض، مع التأكيد على ضرورة استخدامه تحت إشراف طبى دقيق نظرًا لطبيعته القوية وآثاره الجانبية المحتملة.
وتشمل الأعراض الجانبية لعقار الـ«كلوزابين»، المرفقة فى الروشتة الطبية التى لا يطلع عليها الكثيرون ممن يتعاطونه: التهاب رئوى والشعور بالنعاس بنسبة تصل إلى نحو ٤٦٪ من المستخدمين، والدوخة بنسبة ٣٩٪، فضلًا عن زيادة الوزن التى قد تصيب نحو ٣١٪ من الحالات.
كما قد يسبب العقار تسارعًا فى ضربات القلب بنسبة ٢٥٪، والإمساك بالنسبة نفسها تقريبًا، إضافة إلى الأرق الذى قد يظهر لدى ٢٠٪ من المرضى، والغثيان والقىء بنسبة ١٧٪، وسوء الهضم بنسبة ١٤٪.
وتشمل الأعراض، أيضًا، انخفاض ضغط الدم فى نحو ١٣٪ من الحالات، وارتفاع درجة حرارة الجسم بالنسبة ذاتها تقريبًا، إلى جانب إمكانية حدوث ارتفاع فى ضغط الدم لدى بعض المستخدمين، وهو ما يعكس تنوع التأثيرات الجانبية للعقار واختلافها من حالة لأخرى.
ويؤكد الأطباء أن هذه الأعراض تستوجب متابعة دقيقة خلال فترة العلاج، مع الالتزام بالجرعات المحددة والإشراف الطبى المستمر لتجنب أى مضاعفات محتملة.
محمد جمال: تجربته بهدف التهدئة تقود لسلوكيات خطرة
قال الدكتور محمد جمال، إخصائى الطب النفسى وطب نفس الأطفال والمراهقين، إن عقار «كلوزابين» ومشتقاته يعد من أقوى الأدوية المضادة للذهان، ويستخدم فى نطاقات علاجية محددة جدًا، مشيرًا إلى أنه لا يلجأ إليه فى بداية العلاج، وإنما يتم استخدامه فقط فى الحالات التى لا تستجيب للعلاج الدوائى التقليدى.
وأوضح «جمال» أن هذا العقار يتميز بفاعلية علاجية عالية فى بعض حالات الفصام والاضطرابات الذهانية، إلا أنه فى المقابل يحمل مجموعة من الآثار الجانبية التى تستوجب الحذر الشديد عند الاستخدام، وعلى رأسها احتمالية انخفاض كريات الدم البيضاء، إلى جانب تأثيرات محتملة على القلب والجهاز العصبى، ما يجعله من الأدوية التى تحتاج إلى متابعة دقيقة وتحاليل دورية منتظمة أثناء فترة العلاج.
وأضاف أن خطورة الدواء لا تكمن فى استخدامه الطبى الصحيح داخل الإطار العلاجى، وإنما فى سوء استخدامه خارج الإشراف الطبى، موضحًا أن بعض الأفراد يتعاملون معه على أنه دواء مُهدئ أو منوم سريع المفعول، رغم أنه لم يُصمم لهذا الغرض أساسًا، وهو ما قد يؤدى إلى مضاعفات صحية خطيرة وغير متوقعة.
وأشار إلى أن من أبرز الإشكاليات المرتبطة بهذا العقار استخدامه دون تقييم طبى شامل، أو دون الاطلاع على التاريخ المرضى الكامل للمريض، لافتًا إلى أن ذلك قد يؤدى إلى إعطاء الدواء لحالات غير مناسبة له، وهو ما قد يضاعف من احتمالات حدوث آثار جانبية خطيرة.
وتابع: «استخدام الـ(كلوزابين) يتطلب بروتوكولًا طبيًا واضحًا يبدأ بجرعات منخفضة جدًا ثم يتم رفعها تدريجيًا وفق استجابة الحالة»، مؤكدًا أن إعطاء جرعات كبيرة بشكل مفاجئ قد يؤدى إلى مضاعفات حادة، تصل فى بعض الحالات إلى فقدان الوعى أو الدخول فى حالات خطرة تستدعى التدخل الطبى العاجل.
وأضاف أن هناك حالات لا يجوز فيها استخدام الدواء، مثل بعض مرضى الصرع أو الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية معينة، ما يؤكد ضرورة أن يكون وصفه قائمًا على تشخيص دقيق وليس بشكل عشوائى أو بناءً على طلب المريض فقط.
وشدد على أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالعقار نفسه، وإنما بطريقة تداوله واستخدامه خارج الإطار الطبى السليم، لافتًا إلى أن تحوله إلى منوم يتم تداوله بين بعض الفئات بشكل غير طبى يمثل خطورة حقيقية.
وأكد أن الاستخدام غير المنضبط لبعض الأدوية النفسية قد يفتح الباب أمام إساءة الاستخدام، خاصة فى ظل وجود قابلية لدى بعض الأشخاص لتجربة الأدوية بهدف الحصول على تأثير مهدئ أو تغيير الحالة المزاجية، وهو ما قد يقود إلى سلوكيات خطرة. وشدد أستاذ الطب النفسى على أن الـ«كلوزابين» ومشتقاته ليس دواءً للإدمان ولا يُصنف كمادة مخدرة، لكنه قد يصبح خطيرًا عند استخدامه خارج الضوابط الطبية، داعيًا إلى عدم صرف الأدوية النفسية إلا من خلال روشتة طبية مختصة، وتحت إشراف طبيب نفسى فقط، مع التوعية بخطورة استخدامه كبديل للمهدئات أو المنومات.
«شعبة الصيدليات»: «هيئة الدواء» هى المختصة بإدراجه ضمن جداول المخدرات
قال الدكتور حاتم البدوى، سكرتير عام شعبة الصيدليات بالغرفة التجارية، إن تنظيم تداول الأدوية فى مصر، خاصة الأدوية التى تدرج ضمن جداول المخدرات، يجرى وفق آليات قانونية وقرارات تنظيمية واضحة تصدر من الجهات المختصة وهى هيئة الدواء.
وأوضح بدوى أن عملية إدراج أى مادة فعالة ضمن جداول المخدرات أو رفعها منها لا تجرى بشكل عشوائى أو فردى، وإنما تستند إلى دراسات ومعايير علمية ومرجعيات دولية، إلى جانب مراجعة ممارسات هيئات دوائية عالمية، مثل هيئة الدواء الأوروبية وغيرها من الجهات التنظيمية، مشيرًا إلى أن القرار النهائى فى هذا الشأن داخل مصر يختص به هيئة الدواء باعتبارها الجهة المنوطة بتنظيم وتداول الدواء.
وأضاف أن الهيئة هى المسئولة عن اتخاذ القرار بشأن ما إذا كانت أى مادة دوائية يجب إدراجها ضمن الجداول المُقيدة أو المخدرة، أو الإبقاء عليها خارج هذا التصنيف، وذلك بناءً على تقييم شامل يتضمن مدى خطورتها، واحتمالات إساءة استخدامها، وما إذا كانت قد تُظهر سلوكًا إدمانيًا أو آثارًا جانبية تستدعى التشديد فى تداولها.
وأشار إلى أن الصيادلة على أرض الواقع يتعاملون مع هذه المنظومة وفقًا للقانون واللوائح المنظمة، موضحًا أن أى دواء يجرى إدراجه ضمن جداول المخدرات يسجل فى دفاتر خاصة تعرف بدفاتر المخدرات، ويجرى التعامل معه بكميات محددة وآلية صرف دقيقة تضمن تتبع حركة الدواء من حيث الوارد والمنصرف.
وأكد أن الصيادلة يمتنعون عن صرف بعض الأدوية عند الاشتباه فى استخدامها بشكل غير طبى، رغم أن القانون يضع إطارًا تنظيميًا واضحًا للصرف، لافتًا إلى أن هذا يعكس مسئولية مهنية لدى العاملين فى القطاع الصيدلى.
وذكر أنه وفق هذا الحرص من الصيادلة من الممكن أن يتعرضوا للمساءلة القانونية فى حال رفضهم بيع الأدوية لمرضى، وقد يواجه مواقف يشتبه فيها بسوء استخدام بعض الأدوية، إلا أن التشريعات تمنحه الحق فى الامتناع عن الصرف فى حال وجود شك فى إساءة الاستخدام من المريض الذى يطلب الدواء، حفاظًا على سلامة المريض والمجتمع. وشدد على أن آليات تداول الأدوية المقيدة تمر بسلسلة من الإجراءات الرقابية والتنظيمية، تبدأ من قرار إدراج الدواء ضمن الجدول المختص، مرورًا بآليات التسجيل والتخزين والصرف، وصولًا إلى الرقابة والتفتيش، وذلك لضمان عدم إساءة استخدام هذه الأدوية أو تداولها خارج الإطار الطبى الصحيح.




