فرض عرض «عالم تنة ورنة»، الذي قدمه نادي مسرح الطفل بقصر ثقافة المنصورة، نفسه كتجربة مسرحية لافتة داخل عروض ومهرجانات مسرح الطفل، بعدما جمع بين معالجة إنسانية لقضية اضطراب طيف التوحد، وطرح فني يفتح نقاشًا أوسع حول أزمة الهوية البصرية في مسرح الطفل المصري.
واعتمد العرض، من تأليف نسرين نصيف وإخراج محمد خليل، على بناء عالم درامي جاذب للأطفال، من خلال توظيف الموسيقى والاستعراضات والألوان والإيقاع السريع، وهي عناصر ساعدت على إبقاء الأطفال في حالة تفاعل مع الأحداث طوال مدة العرض، ومنحت التجربة طابعًا بصريًا وحركيًا مناسبًا لطبيعة جمهورها المستهدف.
وتدور أحداث العرض حول الطفل «مهند»، الذي يعيش في عالمه الخاص ويتفاعل مع شخصيتي «تنة» و«رنة»، إلى جانب التليفزيون والساعة، في إطار خيالي يحاول الاقتراب من عالم الطفل المختلف، دون الوقوع في الصور النمطية المرتبطة باضطراب طيف التوحد.
وقدّم العرض شخصية «مهند» بصورة إنسانية، باعتباره طفلًا يمتلك خصوصيته وطريقته المختلفة في التفاعل مع المحيطين به، إلى جانب قدرة استثنائية في العمليات الحسابية، وهي الموهبة التي تتحول مع تطور الأحداث إلى نقطة فارقة في نظرة أسرته والآخرين إليه.
ومن خلال هذا البناء الدرامي، سعى العرض إلى ترسيخ عدد من القيم التربوية والإنسانية، أبرزها قبول الآخر، ورفض التنمر، والتأكيد على أن الاختلاف لا يمثل نقصًا، بل قد يكون مدخلًا للتميز والإبداع إذا وجد الطفل الدعم والفهم والرعاية المناسبة.
ورغم نجاح العرض في تقديم رسالة إنسانية مهمة، فإنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا نقديًا حول الشكل البصري المستخدم في بعض عروض الطفل، خاصة مع اقتراب ملامح بعض الشخصيات وأسمائها من نماذج كرتونية عالمية مألوفة، وهو اتجاه بات يتكرر في عدد من التجارب المسرحية الموجهة للأطفال.
ويطرح هذا الأمر تساؤلًا حول اعتماد بعض عروض الطفل على قوالب بصرية جاهزة أو مستوردة، بدلًا من البحث عن شخصيات تنتمي إلى البيئة المصرية وتعبر عن ثقافة الطفل المحلي، بما يمنحه فرصة لرؤية عالمه الحقيقي على خشبة المسرح.
فالطفل المصري لا يحتاج فقط إلى عرض ممتع أو شخصيات مبهجة، بل يحتاج إلى رموز بصرية قريبة من وجدانه، تحمل ملامح مجتمعه، وتستند إلى مفردات بيئته، سواء من خلال الألعاب الشعبية أو الحكايات المصرية أو التراث المحلي أو الخيال المرتبط بالشارع والبيت والمدرسة.
وأثبت تاريخ المسرح المصري أن بناء هوية بصرية محلية في مسرح الطفل ليس أمرًا صعبًا، إذ نجحت تجارب رائدة في تقديم شخصيات مستوحاة من البيئة المصرية والحكايات الشعبية، واستطاعت أن تبقى في ذاكرة أجيال كاملة لأنها منحت الطفل صورة قريبة منه، وجعلته يشعر بأن المسرح يعبر عنه وعن عالمه.
وتبرز أهمية هذه القضية في أن الصورة تعد من أكثر العناصر رسوخًا في ذاكرة الطفل، فهو يتذكر شكل الشخصية وألوانها وحركتها قبل أن يتذكر الحوار أو التفاصيل الدرامية، ما يجعل الهوية البصرية عنصرًا أساسيًا في عملية بناء الوعي والانتماء، وليس مجرد جانب شكلي أو جمالي داخل العرض.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة روح الابتكار المحلي في عروض الطفل، والبحث عن شخصيات جديدة قادرة على التعبير عن الثقافة المصرية، بدلًا من الاكتفاء باستلهام النماذج الأجنبية أو الاقتراب منها بصريًا، خصوصًا أن المسرح يمتلك قدرة كبيرة على صناعة رموز تبقى في ذاكرة الأطفال لسنوات طويلة.
والمفارقة أن عرض «عالم تنة ورنة» يمتلك بالفعل مقومات قوية لبناء هذه الهوية، إذ ينطلق من قضية واقعية داخل الأسرة المصرية، ويناقش اضطراب طيف التوحد، ويرصد ظاهرة التنمر، ويقدم رسالة واضحة حول ضرورة احتواء الأطفال المختلفين ودعمهم.
وكان من الممكن أن يمتد هذا الانتماء إلى العالم الخيالي للعرض نفسه، بحيث يستلهم رموزه من الثقافة المصرية، ويقدم شخصيات أكثر ارتباطًا بالبيئة المحلية، بما يعزز قرب العرض من الطفل، ويمنحه طابعًا مصريًا واضحًا لا يقل جاذبية عن النماذج العالمية.
ولا يعني هذا الطرح رفض الاستفادة من التجارب العالمية في مسرح الطفل، فالفنون بطبيعتها تتطور عبر الحوار والانفتاح وتبادل الخبرات، لكن الفارق يبقى واضحًا بين التأثر الفني الذي يقود إلى الإبداع، وبين التقليد أو الاستنساخ الذي يضعف حضور الهوية المحلية.
وبذلك، يمكن النظر إلى «عالم تنة ورنة» باعتباره تجربة مسرحية مهمة من حيث رسالتها الإنسانية وقدرتها على جذب الأطفال، وفي الوقت نفسه فرصة لفتح نقاش جاد حول مستقبل الهوية البصرية في مسرح الطفل المصري، وضرورة صناعة شخصيات محلية قادرة على البقاء في ذاكرة الأجيال الجديدة.



