أخبار عاجلة

«تياترو» على مسرح السلام.. عرض يدافع عن الحلم في مواجهة الترند والشهرة الزائفة

«تياترو» على مسرح السلام.. عرض يدافع عن الحلم في مواجهة الترند والشهرة الزائفة
«تياترو» على مسرح السلام.. عرض يدافع عن الحلم في مواجهة الترند والشهرة الزائفة

قدّم عرض «تياترو»، على خشبة مسرح السلام، تجربة مسرحية لافتة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية عن فرقة تحاول إعادة افتتاح مسرح مهجور، لتتحول إلى عمل فني يدافع عن الحلم والموهبة الحقيقية في مواجهة منطق «الترند» والشهرة السريعة.

العرض، من تأليف أحمد الملواني وإخراج أحمد فؤاد، يطرح رؤية فنية وإنسانية عن جيل كامل من الموهوبين الذين يسعون إلى إثبات وجودهم في واقع لا يكافئ دائمًا الأكثر موهبة، بقدر ما يفتح أبوابه أحيانًا للأسرع انتشارًا والأعلى ضجيجًا.

وتدور أحداث «تياترو» حول محاولة مجموعة من الفنانين إعادة الحياة إلى مسرح مهجور، في إطار يجمع بين الكوميديا والموسيقى والاستعراض والفكرة الاجتماعية، ليصبح المسرح داخل العرض رمزًا للحلم الذي يرفض الانهيار، وللفن الحقيقي الذي يقاوم محاولات التزييف والتهميش.

ويتصدر الفنان نور محمود بطولة العرض من خلال شخصية «آدم مندور»، التي يقدمها بوعي وحساسية، باعتباره شابًا يحاول الدفاع عن موهبته وحقه في الوجود داخل عالم مضطرب. ونجح نور محمود في تقديم الشخصية بصدق إنساني واضح، متنقلًا بين الإحباط والأمل، والانكسار والإصرار، بما جعل «آدم» أقرب إلى رمز لجيل كامل لا يزال متمسكًا بحلمه رغم الصعوبات.

وفي المقابل، يقدم الفنان عبدالمنعم رياض أحد أبرز وجوه الصراع داخل العرض، من خلال شخصية تحمل ملامح «الشرير الظريف»، وهي منطقة فنية لها تاريخ خاص في المسرح والسينما المصرية. واستطاع رياض أن يمنح الشخصية حضورًا لافتًا، دون أن يسقط في التقليد، مقدمًا نموذجًا لشخصية تعبث بالأحلام وتدفع نحو النجومية الزائفة، لكنها تمتلك كاريزما تجعل الجمهور يتوقف أمامها ويتأمل دوافعها.

ويحضر الفنان أحمد السلكاوي بقوة من خلال شخصية «عم بسيوني»، الفنان القديم الذي يرفض الاستسلام لخراب المسرح. وبدت الشخصية وكأنها تحمل ذاكرة المسرح المصري، بما تمتلكه من حنين وخبرة وإيمان بقيمة الخشبة، في أداء يعكس خبرة السلكاوي الطويلة وعلاقته الممتدة بالمسرح.

كما لعبت الأغاني دورًا محوريًا في بناء الحالة الدرامية للعرض، إذ لم تأتِ كلمات الشاعر طارق علي كمجرد فواصل غنائية بين المشاهد، بل تحولت إلى جزء أساسي من تطور الشخصيات وكشف مشاعرها. ونجح طارق علي في تقديم أغانٍ مسرحية تخدم الفعل الدرامي وتعمّق الفكرة الرئيسية للعمل.

وفي الأداء النسائي، برزت ألحان المهدي من خلال شخصية «دنيا»، التي تبدو في ظاهرها مصدرًا للطاقة الإيجابية، بينما تكشف الأحداث أنها من أكثر الشخصيات احتياجًا إلى هذه الطاقة. وقدمت ألحان أداءً يجمع بين الرقة والقوة، والتفاؤل والوجع الداخلي، في صورة شابة تؤمن بالحلم رغم كل أسباب الإحباط.

وكان محمد يوركا من أبرز مفاجآت العرض، بعدما فرض حضوره على الخشبة منذ ظهوره الأول. واعتمد يوركا على كوميديا نابعة من الموقف والشخصية، لا على الإفيه الجاهز، ليقدم أداءً يؤكد امتلاكه خيالًا مسرحيًا وقدرة على ضبط الإيقاع الكوميدي.

وقدمت شيرين الشاذلي شخصية مسرحية متماسكة التفاصيل، إذ نجحت في تجسيد ملامح نجمة كبيرة في السن، من خلال أداء يعتمد على دقة الحركة والنبرة وطريقة النظر والإيقاع، دون أن تتحول هذه التفاصيل إلى مجرد أدوات للضحك، بل ظلت جزءًا من البناء الدرامي للشخصية.

كما ظهر فادي رأفت من خلال شخصية «فارس» بأداء حيوي يجمع بين خفة الظل والبعد الإنساني، ليؤكد امتلاكه أدوات ممثل مسرحي قادر على التنقل بين الكوميديا والموقف الدرامي بسلاسة.

وجاءت سمر النجيلي عبر شخصية «ساندي» لتقدم نموذجًا لشخصية متعددة الطبقات، تجمع بين السخرية والارتباك والطموح والوجع، في انعكاس واضح لصورة إنسان يبحث عن النجاح وسط عالم أصبحت فيه الشهرة السريعة طريقًا مغريًا، وإن كان أقل عمقًا من طريق الموهبة الحقيقية.

أما هاجر البدوي، فقد ظهرت كواحدة من أبرز اكتشافات العرض، من خلال شخصية «فاطمة»، التي تجمع بين الخجل والموهبة والمرح. ونجحت في تقديم شخصية مؤثرة تجمع بين الغناء والتمثيل والكوميديا، مع إضافة تفاصيل خاصة جعلت حضورها قريبًا من الجمهور.

وقدم أبانوب بحر شخصية «محروس»، الحرامي التائب نصف توبة، في واحدة من أصعب المهمات الكوميدية داخل العرض، إذ اعتمدت الشخصية على قدرة الممثل على خلق الضحك والاستمرار في ذاكرة الجمهور. ونجح أبانوب في تقديم شخصية كوميدية ذات حضور واضح داخل العمل.

كما أضاف الفنان علاء الحريري بعدًا خاصًا للتجربة، مستفيدًا من قدرته المعروفة على محاكاة الأصوات، لكن داخل النسيج الدرامي للعرض لا كفقرة منفصلة، بما أكد وعيه المسرحي وقدرته على توظيف موهبته في خدمة العمل.

ولم يقتصر حضور الفنان تامر عبدالمجيد على الأداء التمثيلي، بل امتد إلى العزف الحي للموسيقى التصويرية، وهو عنصر منح العرض دفئًا وحيوية خاصة، وأسهم في تعزيز التواصل المباشر بين الخشبة والجمهور.

كما شارك في العرض باسم سليمان ونهلة كمال، اللذان انضما إلى التجربة في توقيت متأخر، لكنهما نجحا في الاندماج داخل النسيج الجماعي للعرض، بما عكس قدرتهما على التعامل باحترافية مع متطلبات العمل المسرحي.

وعلى مستوى العناصر الفنية، أسهم مهندس الديكور أحمد أمين في تحويل الديكور إلى عنصر درامي فاعل، يجسد الصراع بين الحلم والخراب، وبين الفن الحقيقي والزيف. كما جاءت موسيقى المايسترو شهاب محمد عزت شريكًا أساسيًا في صناعة الحالة الشعورية للعمل.

وقدمت أميرة صابر أزياءً عكست طبيعة الشخصيات وتفاصيلها النفسية، بينما لعبت إضاءة أبو بكر الشريف دورًا واضحًا في صناعة المعنى والجمال البصري. وجاءت استعراضات محمد بلال لتؤكد أن الحركة داخل العرض ليست مجرد عنصر جمالي، بل لغة درامية موازية للكلمة والموسيقى.

وبهذا، يبدو «تياترو» أكثر من مجرد عرض مسرحي ناجح جماهيريًا، إذ يقدم تجربة تجمع بين المتعة والفكرة، والضحك والتأمل، والحلم والواقع. فقد نجح أحمد فؤاد في تحويل الكوميديا إلى وسيلة لمقاومة اليأس، بينما كتب أحمد الملواني نصًا يدافع عن الموهبة الحقيقية في مواجهة الشهرة الزائفة.

ويؤكد العرض في مجمله أن المسرح المصري لا يزال قادرًا على إنتاج تجارب جماعية نابضة بالحياة، وأن الفن الحقيقي قد يتعرض للتهميش أو التعثر، لكنه يظل قادرًا على العودة والدفاع عن نفسه كلما وجد فريقًا يؤمن بقيمته.