كانت "أم إبراهيم" تضع آمالًا كبيرة في قلبها وقلب طفلها الذي كان يكبر داخل رحمها في أيام الحرب الإسرائيلية المظلمة التي عاشتها غزة، فكانت تخشى على جنينها وتدعو الله أن تحمله وتضعه في أحضانها سالمًا.
كانت تحلم بأن ترى عينيه، وأن يشعر بلمسة يديها التي رافقته طوال فترة الحمل، ولكن حُلمها تحول إلى واقع مرير بعد أن أفاقت على صرخات الأطباء، التي دوت في قلبها كرصاصة، مُخبرين إياها أن مولودها يعاني من مشكلة صحية خطيرة وأن قلبه لم يكتمل نموه.
عندما جاء الطفل إلى العالم في مستشفى النصر بقطاع غزة، كان على عكس ما تتوقعه كل أم في هذه اللحظة، فلم يصرخ كما تفعل جميع الأطفال عند ولادتهم، ولم يطلب الرضاعة، بل كان مجرد صوت ضعيف لثوانٍ معدودة، ثم ساد الصمت: "الطفل يعاني من عدم اكتمال نمو القلب، حيث فقد البطين الأيسر وتوقف ضخ الدم إلى جسمه".
كان هذا التشخيص بمثابة حكم بالموت للأم التي بدأت رحلة معانتها، حيث لم يكن في قطاع غزة أي مركز طبي متخصص لعلاج هذه الحالات المعقدة بعد الدمار الشامل الذي حلّ بالقطاع، لتقتصر الرعاية فقط داخل المخيمات.
وبالإضافة إلى مشكلة قلب الطفل، كانت "أم إبراهيم" أيضًا ضحية للغازات السامة التي استخدمها الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب، تقول: "لقد كنت أتنفس سمومًا في كل لحظة، كيف يمكن لأم أن تطمئن على جنينها عندما تكون الحياة نفسها في خطر؟".
وفي خضم هذه التجربة، لم تكن سوى للأم إلا الدعاء ومواجهة الحقيقة المرة، وأن تُراعي طفلها بأي وسيلة ممكنة على أمل أن يغيّر الله حال البلاد، وأن يشفي ابنها الوحيد الذي لازال يعاني من أزمات تنفسية حادة على مدار الشهور الماضية.
حالة "إبراهيم" لم تكن الوحيدة في غزة، إذ زادت حالات التشوهات الخلقية بين المواليد في القطاع خلال الحرب الإسرائيلية، حيث وصل عدد المهددون بخطر التشوهات الخلقية في غزة إلى نحو 55 ألف جنين ولدوا خلال الـ18 شهر الأخيرة، بسبب استخدام إسرائيل لذخائر محظورة دوليًا وفقًا لتقارير وزارة الصحة الفلسطينية.
كما أظهرت بيانات وزارة الصحة الفلسطينية تسجيل قرابة 5 آلاف مولود بأوزان غير طبيعية، إلى جانب حوالي 4 آلاف حالة ولادة مبكرة، وأكثر من 6 آلاف حالة وفاة داخل الرحم، إضافة إلى نحو 5 آلاف حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل.
«الدستور» في هذا التحقيق ترصد الواقع المرير الذي تعيشه ثلاث أسر في قطاع غزة، وتكشف معاناة قاسية لم يروها الواقع ولم تكشفها الإحصاءات الرسمية، في محاولة لتسليط الضوء على معاناة الأطفال الفلسطينيين والأمهات المكلومات داخل المخيمات، بما يعكس مخاطر كبيرة على مستقبل الأمن القومي الفلسطيني خلال العقود المقبلة.
أسماء.. الجميع كان ينتظر بكاؤها "عندما يكون البكاء أملًا في النجاة"
في مستشفى العودة شمالي غزة، كان والد الرضيعة أسماء دهوك في صدمة كبيرة بعد ولادة طفلته قبل أشهر، مُصابة بفتاق العصعص وتشوهات في الرأس، ففي منزلهم الكائن في حي الصفطاوي شمال غزة، تعيش الطفلة أيامها الأخيرة، حيث أكد الأطباء أن حالتها ميؤوس منها.
يحكي والدها بألم وقسوة لـ"الدستور" رفض المستشفى قبولها في قسم الحضانة، لأن الأطباء رأوا أن لا جدوى من بقائها، حيث كانت الطفلة أقل من كيلوهين جرامًا، وعلى الرغم من أنّ جميع أعضائها سليمة إلا أنها وُلدت بتشوهات كبيرة بالرأس: "نغذيها الآن عن طريق أنبوب في أنفها، وكل يوم تزداد حالتها سوءًا، ولا تبكي، والعائلة تراقبها وتحرص على إرضاعها كل ساعتين، تخيل أن يكون بكاء الطفلة أملًا للجميع في النجاة!".
وحسب ما ذكره الأب، فإن العائلة لم تشهد حالات ولادة مشابهة في السابق، حيث وُلد شقيقا الطفلة في صحة جيدة، ولهذا، يعتقد "دهوك" أن ما حدث هو نتيجة مباشرة للإشعاعات والغازات السامة التي تتسرب من القصف اليومي: "لم يكن هناك شخص في غزة لم يتأثر بهذه الإشعاعات، ومنذ بداية الحمل كانت الفحوصات تبشرنا بأن حالة الطفلة جيدة، لكننا فوجئنا بعد الفحص في مستشفى آخر قبل الولادة بأسبوع بأن الطفلة بها تشوهات كبيرة بالرأس ومصابه بفتاق العصعص".
ثلاثون يومًا من الألم.. "فاطمة": عندما يكون القدر رحيمًا بها
في مشهد مأساوي آخر، وُلدت الطفلة فاطمة أحمد سعيد، في حي الشجاعية إحدى مدن قطاع غزة، لتبدأ قصة من الألم والحزن، حيثُ طوال فترة الحمل، أظهرت الفحوصات الطبية أن الجنين في صحة جيدة، لكن المفاجأة كانت صادمة عند ولادتها، حيث وُلدت الطفلة مع مشاكل صحية معقدة؛ فقد عانت من الاستسقاء الدماغي، بالإضافة إلى إصابتها بمتلازمة داون.
بقلب يفطر دمًا تحكي والدتها سميّة عبدالله: "الطبيب أخبرنا بأنَّ طفلتنا لن تعيش طويلًا، ولكن فاطمة وُلدت على قيد الحياة، إلا أنَّها جاءت بمشاكل صحية كارثية، فكانت تعتمد على أنبوب للتغذية عبر أنفها، ولم تلبث أن نُقلت إلى الحضانة، حيث أمضت أيامًا عدة تحت المراقبة الطبية، لكن الأطباء أخبروا العائلة أن العلاج لا فائدة منه، وبعد عدة محاولات مع مستشفيات مختلفة، رفضت جميعها استقبالها بسبب حالتها الحرجة".
وبينما كانت العائلة تأمل في أي فرصة للحياة لطفلتها، قرر الوالد نقلها إلى مستشفى آخر، ولكن القدر كان أسرع: "في الطريق إلى المستشفى، توفيت فاطمة بعد 30 يومًا من ولادتها"، بكت الأم كثيرًا على طفلتها التي تمنت أن تكبر، غير أن الظروف الإنسانية القاسية بسبب الحصار المستمر والقصف المتواصل، الذي أدّى إلى نزوح العائلة إلى مركز إيواء ضيق مع أكثر من خمسين فردًا، ومعاناتهم من النقص الحاد في الغذاء والرعاية الصحية: "لم نكن نجد سوى ما يسد رمقنا، وكنا نعيش في خوف دائم.. كل شيء مررنا به ترك بصمته على حياتنا وحياة طفلتي".
ملك تولد بلا رأس.. وجدّها: "الحالة ميؤوس منها"
في مايو 2025، شهد قطاع غزة حادثة مأساوية هزت العالم أجمع، بعد أن وُلدت الطفلة ملك أحمد القانوع في مستشفى العودة شمالي غزة، بدون دماغ، حيثُ كانت بمثابة صدمة ليس فقط لعائلتها، بل لكثير من سكان القطاع الذين تناقلوا الخبر بسرعة، مُشيرين إلى أن هذه الحالة تُعتبر واحدة من سلسلة الحوادث المؤلمة التي تعكس تصاعد التشوهات الخلقية بين المواليد في غزة، نتيجة لتأثيرات الحرب المستمرة والظروف البيئية الصعبة.
وصف الأطباء الحالة بأنها ميؤوس منها، حيث وُلدت الطفلة بوزن كيلوجرامين و800 جرام، مع جميع الأعضاء الحيوية سليمة باستثناء الدماغ، فيقول أبو محمود القانوع جدها: "في البداية رفض المستشفى استقبالها في قسم الحضانة لأنها حالة ميؤوس منها، والأطباء أخبروني أنه لا فائدة من بقائها في الحضانة لأنها ستشغل المكان دون فائدة، وهناك أطفال آخرون يمكن إنقاذ حياتهم"، مُشيرًا إلى أن الطفلة كانت تتغذى عبر أنبوب في أنفها، فيما كانت حالتها الصحية تتدهور يومًا بعد يوم.
وأوضح أنَّ الأم تراقب طفلتها الصغيرة "ملك" عن كثب، حيث تقوم بإرضاعها، ورغم جميع المحاولات، مؤكدًا أنَّ هذه الحادثة، التي تعد واحدة من العديد من حالات التشوهات بين المواليد في القطاع، الأثر المباشر للظروف القاسية التي يمر بها غزة، بما في ذلك التعرض للإشعاعات الذي كان ينتج عن القصف المستمر من قبل الاحتلال، إضافة إلى تفاقم المجاعة وسوء التغذية التي عانت منها النساء الحوامل، مما ساهم في ارتفاع معدلات التشوهات بين المواليد.
رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر: هذه الحالات غالبًا ما تترافق مع تأخر عقلي وحركي
قال الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي في خانيونس، إن تشوهات الأطفال كانت موجودة في غزة قبل الحرب، لكن من الواضح أن هذه الحالات قد ازدادت بشكل ملحوظ بعد اندلاع النزاع.
في حديثه لـ"الدستور" أوضح الفرا أن تشكيل الجنين في رحم أمه يعتمد على ثلاث طبقات خلايا: الداخلية، الوسطى، والخارجية، مُشيرًا إلى أنَّ الطبقة الخارجية هي المسؤولة عن تكوين الجهاز العصبي والجلد، بما في ذلك الأنبوب العصبي الذي يتطور ليصبح الدماغ والنخاع الشوكي".
وأضاف: "لكي يتشكل الأنبوب العصبي بشكل صحيح، يعتمد على عناصر غذائية مثل الأحماض الدهنية الأساسية وحمض الفوليك والفايتيك، وهذه العناصر أصبحت مفقودة بشكل كبير في النظام الغذائي للنساء الحوامل في القطاع".
وأشار إلى أن الفوليك أسيد، الذي يُعتبر بديلًا لبعض هذه العناصر، لا يفي بالغرض نفسه، خاصة مع غياب توفره بسبب إغلاق المعابر لفترات طويلة: "عندما تعاني النساء من نقص في هذه العناصر الغذائية، يمكن أن يولد الطفل بلا دماغ أو بتشوهات في دماغه، مثل نقص في بعض الأجزاء مع زيادة السائل الدماغي أو وجود تشوهات في العمود الفقري".
كما حذر من أن هذه الحالات غالبًا ما تترافق مع تأخر عقلي وحركي، قائلًا: كأطباء، نأمل أن يرحم الله الأطفال، وأن لا يُجبروا على العيش مع إعاقات دائمة".
منظمة "هيومان رايتس ووتش": النساء الحوامل في غزة في خطر بسبب القصف الإسرائيلي
في 28 يناير 2025، أكدت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في تقرير لها أن النساء الحوامل في قطاع غزة يواجهن تهديدات كبيرة بسبب استمرار القصف الإسرائيلي على القطاع، موضحًا التقرير أن "إسرائيل تفرض ظروفًا قاسية تهدد الحمل والولادة، مما يعرض حياة المواليد الجدد للخطر".
كما سلطت المنظمة الضوء على استهداف المنظومة الصحية في غزة بشكل متعمد، وهو ما أثر بشكل بالغ على قدرة الحوامل والمواليد الجدد في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، مركزة في تقريرها على أن هذه الظروف المتردية تسببت في تدهور الوضع الصحي للنساء الحوامل، حيث أظهرت دراسات لخبراء صحة الأمومة أن نسبة الإجهاض التلقائي ارتفعت بشكل كبير، حيث وصلت إلى 300% من النسبة الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، منذ الهجوم الإسرائيلي على غزة في السابع من أكتوبر 2023.
مدير مجمع الشفاء: القطاع شهد استخدام كافة أنواع الأسلحة الفتاكة
الدكتور محمد أبو سليمة، مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة وطبيب الأطفال، أكدّ أن القطاع عانى من تداعيات كارثية جراء العدوان الذي لأكثر من عامين من قبل الاحتلال الإسرائيلي على غزة، مشيرًا إلى أن القطاع شهد استخدام كافة أنواع الأسلحة الفتاكة، بما في ذلك الأسلحة التي لم يتم التعرف عليها بعد، فضلًا عن أسلحة التجويع والتعطيش، بالإضافة إلى استهداف المنظومة الصحية بشكل كامل.
وأشار الدكتور أبو سليمة في تصريحات لـ"الدستور" إلى أن تلك الظروف الصعبة أدت إلى زيادة كبيرة في حالات الولادات المبكرة بين الأمهات، بالإضافة إلى ظهور تشوهات خلقية واضحة لدى العديد من المواليد، موضحًا: "لقد رأينا زيادة ملحوظة في حالات التشوهات الخلفية للأطفال حديثي الولادة، نتيجة التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لهذه الحرب".
وأضاف: "الأمهات في غزة يعانين من سوء التغذية الحاد وفقر الدم بسبب نقص الطعام الصحي، وتضطر الكثير منهن للاعتماد على المعلبات التي تفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية، إضافة إلى غياب المكملات الضرورية مثل حمض الفوليك.
كما أن نقص المتابعات الطبية خلال فترة الحمل وعدم حصولهن على المياه الصالحة للشرب يزيد من تفاقم الوضع، مؤكدًا أن هذه الظروف تؤدي إلى زيادة كبيرة في تشوهات الأجنة، وهو ما يعتبر تحديًا صحيًا قد يستمر لسنوات عديدة.
وأشار إلى أن التأثيرات السلبية لهذه الأوضاع قد تمتد إلى الأجيال القادمة، حيث ستعاني هذه الأجيال من مشاكل صحية متعددة بسبب التلوث البيئي والمجاعة التي تعصف بالقطاع، موضحًا: "نحن أمام مشكلة خطيرة قد تؤثر على المستقبل، ويمكن أن نجد أنفسنا في مواجهة تحديات كبيرة في السنوات القادمة، مثلما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية".
وطالب الدكتور أبو سليمة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الوضع الصحي المتدهور في القطاع، بالإضافة إلى أهمية إعادة بناء الرعاية الصحية بشكل كامل، والسماح بإيصال الرعاية الطبية للسيدات الراغبات في الإنجاب، إلى جانب ضرورة توفير الغذاء والماء الصحي للأمهات.
كما شدد على ضرورة إنشاء مختبرات متخصصة لإجراء التحاليل الجينية والمخبرية للكشف عن الأسباب التي تؤدي إلى التشوهات، وتوفير المكملات الغذائية والفيتامينات الضرورية للأمهات الحوامل.
وفيما يتعلق بالحالات التي يتم رصدها، قال الدكتور أبو سليمة: "لاحظنا بشكل خاص زيادة في التشوهات الخلقية خلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، حيث تم تسجيل حالات تتعلق بتشوهات في القلب والجهاز الهضمي والجهاز العصبي، بالإضافة إلى تشوهات في الأطراف العلوية والسفلية وحالات الشفة الأرنبية".
مدير عام وزارة الصحة في غزة: الاحتلال يستخدم أسلحة ذات تأثير إشعاعي وكيميائي
يوضح مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش، أن قطاع غزة شهد زيادة كبيرة في حالات التشوهات الخلقية، مشيرًا إلى أن الحرب الإسرائيلية كان لها تأثير سلبي على صحة النساء الحوامل.
وأضاف "البرش" في حديثه مع "الدستور" أنَّ هناك عدة عوامل تساهم في تفشي هذه الظاهرة، من أبرزها الإشعاعات الناتجة عن القصف الإسرائيلي، واستخدام المتفجرات المحرمة دوليًا، بالإضافة إلى نقص الأدوية والفيتامينات الضرورية لتكوين الدماغ.
وأشار "البرش" إلى أن الخبراء الصحيين أكدوا استخدام إسرائيل لأسلحة تجريبية ذات تأثير إشعاعي وكيميائي، التي تستهدف مناطق صغيرة في غزة، مما ترك آثارًا مدمرة على صحة الحوامل والأجنة.
الشروف: الحرب خلّفت صدمات نفسية عميقة تطال النساء والأطفال على نحو خاص
أكد اللواء حابس الشروف مدير معهد فلسطين للأمن القومي، أن الواقع النفسي للمدنيين في قطاع غزة مرّ بمرحلة شديدة القسوة، نتيجة الصدمات الجماعية والفردية التي خلفتها الحرب، موضحًا أن آثارها النفسية لا تقتصر على اللحظة الراهنة، بل تمتد إلى المدى البعيد، لتصيب أجيالًا كاملة من النساء والأطفال.
وقال "الشروف" إن النساء يتحملن العبء الأكبر في النجاة ورعاية الأطفال وسط الدمار، ما يضاعف مشاعر الإنهاك والضغط النفسي، مُشيرًا إلى أن كثيرًا من الأطفال باتوا يربطون بين أي صوت مفاجئ- كإغلاق باب أو سقوط إناء- وبين الانفجار، ما يخلق لديهم "ذاكرة خوف" ترافقهم لسنوات طويلة.
وأضاف مدير معهد فلسطين للأمن القومي في تصريحات لـ"الدستور" أن فقدان الأمان والطمأنينة بات شعورًا عامًا لدى العائلات التي فقدت منازلها، وتضطر إلى التنقل المستمر من مكان إلى آخر، وهو ما ولّد إحساسًا دائمًا بعدم الاستقرار، كما سجلت ارتفاعات ملحوظة في معدلات الأرق وفقدان الشهية ونوبات البكاء المفاجئة، خصوصًا بين الأمهات اللواتي يشعرن بالعجز أمام احتياجات أطفالهن.
وأوضح "الشروف" أن كثيرًا من الناجين يعانون من لحظات استرجاع مؤلمة لمشاهد الانفجارات أو الأحبة تحت الركام، في ظل حالة خوف مزمن تجعل الجسم في تأهب دائم كأن الخطر لم ينتهِ بعد، بالإضافة إلى الشعور بالعجز، خاصة لدى الآباء والأمهات الذين فقدوا القدرة على حماية أطفالهم.
وبيّن أن الصدمات الآنية تتحول مع مرور الوقت إلى آثار طويلة المدى، أبرزها القلق المستمر والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، بما يشمل الكوابيس المتكررة، صعوبة التركيز، والعزلة عن الآخرين، فضلًا عن "تبلّد المشاعر" الناتج عن الإنهاك النفسي الشديد.
وأشار المسؤول الفلسطيني إلى أن النساء في غزة يواجهن مسؤوليات مضاعفة تتمثل في رعاية الأطفال والبحث عن الغذاء والماء والحفاظ على تماسك الأسرة وسط غياب مقومات الحياة، ما يجعلهن في حالة توتر دائم وقلق مستمر.
وفيما يتعلق بالأطفال، أوضح أن انقطاع الرعاية الصحية ترك آثارًا نفسية عميقة وشعورًا لدى السيدات بالحرمان من اكتمال أجنّتهم، بينما انعكست الحرب على سلوكهم من خلال ألعاب مرتبطة بالقصف والاختباء، إلى جانب اضطرابات النوم والتبول اللاإرادي الناتجة عن فقدان الأمان.
واختتم مدير معهد فلسطين للأمن القومي تصريحه بالتأكيد على أن جيلًا كاملًا ينشأ اليوم مشوّهًا على أصوات الانفجارات، ما يهدد بتكوين ذاكرة جماعية مثقلة بالتشوهات الجسدية، ويستدعي تدخلًا طبيًا وإنسانيًا عاجلًا لحماية ما تبقّى من التوازن الطبي لأهالي غزة.
مدير الهلال الأحمر الفلسطيني: الأطفال مهددون بالتشوهات نتيجة نقص الإمكانيات الطبية
أكد بشار مراد مدير عام الهلال الأحمر الفلسطيني أن تركّز الجهود خلال فترة الحرب الأخيرة انصبّ بشكل كامل على مواجهة الكارثة الإنسانية الكبرى المتمثلة في حرب الإبادة، مما أدى إلى إغفال عدد من الملفات الصحية الخطيرة التي تستدعي تدخلًا عاجلًا ومتابعة دقيقة.
وأوضح "مراد" أن انهيار المنظومة الصحية وتدمير المستشفيات بشكل واسع حال دون رصد أو توثيق العديد من القضايا، وعلى رأسها ارتفاع معدلات التشوهات الخُلقية بين المواليد، وانتشار الأمراض المزمنة دون توفر العلاج اللازم، إضافة إلى وفاة أعداد متزايدة من مرضى الفشل الكلوي نتيجة انقطاع الدواء وانهيار خدمات الغسيل الكلوي.
وأشار مسؤول الهلال الأحمر الفلسطيني إلى أن آلاف المرضى ماتوا بصمت نتيجة غياب الرعاية الطبية الأساسية في ظل الحصار والدمار الشامل، بينما المستشفيات التي ما زالت تعمل بشكل جزئي تفتقر إلى الإمكانات التشخيصية اللازمة لرصد هذه الحالات، ما يجعل كثيرًا من الأطفال يولدون بتشوهات خطيرة دون تلقي الرعاية الطبية المناسبة.
وشدد في تصريحات لـ"الدستور" على أن القطاع الصحي يعيش واحدة من أسوأ مراحله في التاريخ الحديث، وأن أي جهد لإعادة الإعمار يجب أن يبدأ بإنقاذ الإنسان الفلسطيني قبل الحجر، داعيًا إلى فتح تحقيق صحي شامل حول أسباب ارتفاع هذه الحالات، التي قد ترتبط بالتلوث الناتج عن القصف واستخدام أسلحة محرّمة دوليًا، مشددًا على ضرورة تدخل منظمة الصحة العالمية والجهات المعنية لمتابعة هذا الملف الإنساني العاجل، وإطلاق برامج علاجية ورقابية لحماية الأجيال القادمة من تداعيات الحرب المستمرة.
طبيب أطفال يحذر: نرى ما لم نره منذ 20 عامًا.. القطاع الطبي يعاني من أسوأ مرحلة في التاريخ
حذّر الدكتور أسعد عطية النواجحة، استشاري الأطفال وطب حديث الولادة بمجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، من ارتفاع غير مسبوق في معدلات التشوهات الخلقية بين المواليد داخل أقسام الحضانة، مؤكدًا أن القطاع الصحي عاش فترة الحرب واحدة من أسوأ مراحله في التاريخ الحديث نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة.
وقال الدكتور النواجحة إن أقسام الحضانة شهدت زيادة كبيرة في حالات الولادة المبكرة، خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، موضحًا أن ذلك يعود إلى الظروف القاسية التي عاشتها السيدات الحوامل في ظل النزوح، وسوء التغذية، وغياب المتابعة الطبية المنتظمة، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة الأجنة ونموهم الطبيعي.
وأضاف النواجحة في تصريحات لـ"الدستور" أن التشوهات الخلقية في ازدياد مقلق، مشيرًا إلى أن الطواقم الطبية صارت تشاهد حالات لم ترها من قبل في حياتها المهنية، قائلًا: "قبل ثلاثة أشهر استقبلنا مولودًا في ظهره كتلة لحمية صلبة أشبه بالصخرة، طوال عشرين عامًا من عملي لم أر مثلها من قبل".
وأكد النواجحة أن استمرار المعاناة وتدهور الخدمات الطبية يُنذر بعواقب طويلة الأمد، حيث تؤثر هذه التشوهات على مستقبل الأجيال وعلى الأمن القومي الفلسطيني نفسه، موضحًا أن بعض الحالات لا يمكن علاجها وستظل تعاني لعقود قادمة.
وختم تصريحه قائلًا: "نحن في قلب الحدث نرى ما لا يراه أحد من خارج غزة.. كل يوم نُعالج جروح أطفال لا تلتئم، والتشوهات باتت مشهدًا يوميًا مؤلمًا اعتدنا عليه من كثرتها، والضحايا الحقيقيون هم الأهالي الذين يدفعون ثمن حرب لا ترحم".




