ماذا ستقول يا رئيس هيئة التأمينات والمعاشات عندما تقف الأسبوع القادم أمام مجلس النواب لتشرح ما آلت إليه أزمة المعاشات ونظام CRM الذي استطاع تحويل حياة عشرات الآلاف من أصحاب المعاشات إلى متاهة بلا مخارج؟ ماذا ستقول للنواب وللرأي العام ولأصحاب الحقوق الذين يقفون كل يوم على أبواب مكاتب التأمينات وخطوط الهاتف وصفحات الشكاوى الإلكترونية بحثا عن إجابة لا تأتي؟
هل ستتحدث عن التطوير الرقمي؟ أم عن التحول التكنولوجي؟ أم عن الخطط المستقبلية؟ أم عن مؤشرات الأداء؟ أم أنك ستتحدث أخيرا عن الإنسان الذي ضاع وسط كل هذه المصطلحات البراقة؟
لسنا ضد التطوير، لم يكن أصحاب المعاشات يوما أعداء للتكنولوجيا، ولم يخرج أحد منهم مطالبا بالعودة إلى الدفاتر القديمة أو الأقلام الجافة أو الطوابير الطويلة، بالعكس، كل مواطن يحلم بإدارة حديثة تحترم وقته وكرامته وتنجز معاملاته بضغطة زر، لكن ما حدث لم يكن تطويرا بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن التطوير الذي يهين الإنسان ويعطل حقوقه ويتسبب في تعذيبه لا يمكن اعتباره نجاحا مهما كانت الشعارات التي ترفع فوقه.
المشكلة أن بعض المسؤولين يتعاملون مع الأرقام والبرامج باعتبارها الهدف النهائي، بينما الحقيقة هي أن البرامج مجرد أدوات، أما الهدف فهو خدمة البشر، وعندما يتحول البرنامج إلى عبء على المواطن، وعندما يصبح صاحب الحق هو الضحية، فإن هناك خللا كبيرا يجب الاعتراف به قبل البحث عن تبريرات له.
لقد قيل الكثير عن النظام الجديد، وقيل إنه سيحدث نقلة نوعية، وقيل إنه سيقدم عشرات الخدمات الجديدة، وقيل إنه سيحل المشكلات المزمنة، لكن ما الذي رآه الناس على الأرض؟ رأوا تأخيرا في إنجاز المعاملات، وتعطلا في صرف مستحقات، وحالات لا تجد من يجيب عنها، ومواطنين يدورون في حلقة مفرغة بين المكاتب والشكاوى والوعود.
وأنا هنا لا أتحدث عن قصة سمعتها من الآخرين، بل عن تجربة شخصية عشتها بكل تفاصيلها المؤلمة.
أنا واحد من هؤلاء الذين أعطوا عمرهم للدولة المصرية، سنوات طويلة قضيتها في العمل الصحفي، كتبت آلاف المقالات والتقارير والتحقيقات، شاركت في الحياة العامة والسياسية، انشغلت بالأدب والشعر والثقافة، كنت دائما مؤمنا بأن خدمة الوطن ليست مجرد وظيفة بل رسالة، دفعت من عمري وصحتي وجهدي ما يكفي لأشعر أن لي حقا محترما عند هذه الدولة عندما أصل إلى سن المعاش.
لكنني وجدت نفسي فجأة أقف في موقع مختلف تماما، وجدت نفسي أبحث عن حقي المشروع وكأنني ألتمس صدقة، أتابع الإجراءات وأنتظر الردود وأصطدم بالعقبات، أشعر بالعجز وقلة الحيلة، أشعر أن سنوات الكفاح كلها تتراجع أمام شاشة كمبيوتر لا تستجيب أو إجراء لا يكتمل أو وعد يتأجل يوما بعد يوم.
إن القضية هنا ليست مجرد مبلغ مالي متأخر، رغم أهمية المال في حياة أي متقاعد يعتمد على معاشه لتدبير احتياجاته اليومية، القضية أعمق من ذلك بكثير،
القضية هي الكرامة.
قبل حقي المالي أطالب بحقي في الاحترام، أطالب بأن تنظر الدولة لي باعتباري مواطنا أدى ما عليه من واجبات، أطالب بأن أشعر أن السنوات التي قضيتها في خدمة المجتمع لم تذهب هباء، أطالب بأن أجد مؤسسة عامة تعتبرني إنسانا له قيمة وليس رقما في قاعدة بيانات، أي مسؤول يستطيع أن يتحدث عن اللوائح والبرامج والإجراءات، لكن من يتحدث عن الإحساس القاسي الذي يعيشه صاحب المعاش عندما يتأخر حقه؟ من يتحدث عن الرجل الذي ينتظر معاشه ليشتري دواءه؟ من يتحدث عن الأسرة التي تعتمد على هذا الدخل المحدود؟ من يتحدث عن الإحباط الذي يتسلل إلى النفوس عندما يشعر المواطن أن الدولة التي خدمها طويلا لا تسمعه ولا تراه؟.
إن أخطر ما تسببه هذه الأزمة ليس الضرر المالي وحده، بل الضرر المعنوي، عندما يشعر المواطن بالإهانة تتآكل الثقة، وعندما يشعر بالعجز تتراجع قيمة الانتماء، وعندما يشعر بأن حقه البسيط يحتاج إلى معركة طويلة للحصول عليه، فإن العلاقة بين الدولة والمواطن تتعرض لجرح عميق.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينتظر المصريون سماعه تحت قبة البرلمان ليس: كم جهازا تم تركيبه؟ ولا كم برنامجا تم تشغيله؟ ولا كم تقريرا فنيا تم إعداده؟
السؤال الحقيقي هو: متى ستعود الحقوق إلى أصحابها؟ ومتى ستنتهي معاناة المتضررين؟ ومتى ستتم محاسبة من تسبب في هذه الفوضى إن ثبت وجود تقصير؟ ومتى ستدرك الإدارة أن نجاح أي نظام لا يقاس بعدد الشاشات المضيئة، بل بعدد المواطنين الذين خرجوا من المؤسسة وقد حصلوا على حقوقهم كاملة وفي الوقت المناسب؟
إن البرلمان أمام فرصة مهمة لكي يمارس دوره الرقابي الحقيقي، ليس المطلوب جلسة علاقات عامة، وليس المطلوب عرضا دعائيا جديدا عن مزايا النظام، المطلوب كشف الحقائق كاملة أمام الشعب، المطلوب جدول زمني واضح لإنهاء المشكلات، المطلوب تعويض الثقة التي تآكلت، المطلوب قبل كل شيء الاعتراف بأن هناك أزمة حقيقية يعيشها الناس يوميا.
أما أصحاب المعاشات، فهم لا يطلبون المستحيل، لا يطلبون امتيازات خاصة،
لا يطلبون منحا أو هبات، إنهم يطلبون فقط ما كفله لهم القانون وما دفعوا ثمنه من أعمارهم وجهدهم واشتراكاتهم، يطلبون حقهم، ويطلبون الاحترام. وهذان مطلبان لا يجوز لأي دولة تحترم نفسها أن تتأخر في تلبيتهما.




