حذر عدد من الخبراء من محاولات جماعة الإخوان الإرهابية استهداف الأجيال الجديدة، خاصة «جيل زد»، عبر منصات التواصل والألعاب الإلكترونية، مشيرين إلى أن التنظيم يسعى لإعادة إنتاج خطابه بعد تراجع تأثيره الشعبى فى أعقاب ثورة ٣٠ يونيو.
وأوضح الخبراء، لـ«الدستور»، أن الجماعة تعتمد على أدوات رقمية حديثة وخطابات تستند إلى المظلومية والتشكيك فى مؤسسات الدولة، بهدف خلق حالة من التعاطف لدى الشباب الذين لم يعاصروا أحداث العنف والاضطرابات المرتبطة بالتنظيم الإرهابى.
قال حسام الغمرى، باحث متخصص فى شئون الجماعات المتطرفة، إن جماعة الإخوان الإرهابية أدركت مبكرًا فشلها فى التأثير على الشارع المصرى عقب ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، موضحًا: «المشهد المهيب للملايين فى الميادين، والرفض الشعبى العارم للجماعة، إلى جانب الممارسات التى أعقبت عام ٢٠١١، أسقطت قناع التدين وكشفت عن حقيقتهم أمام المواطنين، ما دفعهم للرهان على جيل جديد لا يحتفظ بذاكرة حية عن جرائمهم السابقة».
وأوضح: «الجماعة بدأت فى التجهيز لمرحلة جديدة تستهدف الشباب الذين كانوا أطفالًا حتى عام ٢٠١٥ (ما يُعرف بجيل زد)، مستغلة عدم معايشتهم أحداث تفجير أبراج الكهرباء، واغتيال الشهداء، والأداء المهين لمحمد مرسى، الذى تسبب بصدمة شعورية للمصريين»، مشيرًا إلى أن الهدف من استقطاب هذا الجيل هو استخدامه كأداة لنشر الفوضى، وإرهاق الأجهزة الأمنية، ومنح العدو الإسرائيلى فرصة للتوغل فى سيناء، وفقًا لما ورد صراحة فى إصدارات ما تسمى ـ«جبهة ميدان».
ولفت إلى محاولات تصعيد المدعو أنس حبيب؛ ليكون أيقونة لهذا الجيل، موضحًا: «بمجرد خروج حبيب من مصر فى سن الـ١٥ عامًا، صدرت توجيهات من القيادى فى التنظيم الدولى عزام التميمى، لمحمد ناصر، باستضافته فى قناة (الشرق) بهدف حفر اسمه فى ذاكرة الشباب».
وواصل: «جرى توجيه أنس حبيب لارتكاب جريمة خيانة عظمى عبر استهداف السفارات المصرية فى الخارج، لتأكيد سردية رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بأن مصر هى التى تحاصر قطاع غزة، وجاء هذا التحرك بتنسيق كامل مع منصات ولجان الإخوان الإلكترونية لتسويق المخطط لدى الشباب عديمى الخبرة السياسية».
وأشار إلى الرابط بين حركة «زد» وحركة «ميدان»، التى تمثل النظام الخاص والعمليات النوعية مثل «حسم»، مؤكدًا أن القيادى الإخوانى رضا فهمى هو المسئول المباشر عن توجيه ودعم أنس حبيب ماليًا.
واستشهد بالخلافات والبيانات المتبادلة بين حركة «ميدان» وجبهة لندن عقب اعترافات الإرهابى على عبدالونيس؛ ما يثبت أن الجماعة تتلون كالحرباء وتغير مسمياتها للهروب من الملاحقة.
وكشف عن ارتباط وثيق بين تحركات الجماعة وتوجيهات المتحدث الإسرائيلى إيدى كوهين، إحدى أذرع الوحدة ٨٢٠٠ بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
وأوضح أن أنس حبيب حرّض المصريين على سحب مدخراتهم من البنوك فورًا بعد إطلاق «كوهين» هذه الشائعة، بهدف ضرب الاقتصاد المصرى، كما هاجم الدور المصرى الصادق فى حماية الأمن الخليجى بناءً على ذات الأجندة الإسرائيلية.
وأكد أن التضييقات الأمريكية الأخيرة، والقرارات المرتقبة باعتبار الإخوان جماعة إرهابية وحصار أموالها، ستدفع عناصرها لبيع أنفسهم للشيطان بصورة أكثر فجاجة، لا سيما بعد أن أدرك «المُشغّل الأمريكى» أن الجماعة ورقة محترقة؛ لفشلها على مدار عامين فى حشد الشارع المصرى واستغلال أحداث غزة لزعزعة الاستقرار.
وشدد على أن «معركة الوعى» مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، لأن احتلال العقول يسبق احتلال الحدود.
ولفت إلى أن محاور المواجهة تشمل تطوير الأدوات الإعلامية الوطنية، عبر الوجود المكثف على المنصات الأكثر رواجًا بين الشباب، مثل «تيك توك وديسكورد وتليجرام»، باستخدام تقنيات بصرية وألوان جاذبة تخاطب ذوقهم الحالى، وشرح المسار التاريخى للتنظيم من خلال إعادة كشف تاريخ الجماعة منذ تأسيسها على يد حسن البنا وعلاقته بأجهزة الاستخبارات الأجنبية لتفتيت الجبهة الداخلية، وصولًا إلى جرائم عام ١٩٤٨ واغتيال النقراشى باشا، ثم دور الإرهابى سيد قطب، وصولًا لمؤامرة يناير.
ونوّه بأن المسار الجنائى مهم أيضًا، من خلال توثيق العمليات الإرهابية ومحاولات الجماعة تمكين العدو من سيناء منذ عهد مرسى وبديع عبر ملف توطين الفلسطينيين، وتعرية الرموز الإعلامية، من خلال كشف التناقض والكذب فى خطاب أبواق الإخوان، وضرب مثالًا بمحمد سعد خير الله، الذى لمعته قنوات الجماعة بطلب من القيادى الإخوانى عزام التميمى، لينتهى به المطاف كإحدى أذرع إيدى كوهين، كاتبًا فى الصحف العبرية ومستضيفًا له فى «بودكاست» يمتدح فيه الاستخبارات الإسرائيلية.
وأشار إلى محاولات الإخوان المستمرة لضرب الاقتصاد عبر نشر الرؤى التشاؤمية، والمضاربة بالدولار وتهريبه، فضلًا عن محاولات عزل مصر عن محيطها العربى والدولى، من خلال عناصرهم المتغلغلة فى المنظمات الحقوقية الدولية، مثل «هيومن رايتس ووتش»، والتى تشترى مساحات فى الصحافة الغربية لتشويه مؤسسات الدولة.
وشبه المشهد الحالى بما حدث فى مايو ١٩٧٠، مستحضرًا تسجيلًا شهيرًا للرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى ذروة حرب الاستنزاف، عندما انتقد متاجرة الإخوان بالشعارات وتلقيهم تمويلات خارجية جعلتهم يمتلكون العقارات فى جنيف تحت دعوى معارضة النظام، معلقًا: «ما أشبه الليلة بالبارحة.. إعلاميون بلا تعليم مناسب تحولوا إلى أصحاب فيلات وعقارات.. إنها ببساطة عملية خيانة بالأجر».
من جهته، أكد الباحث والخبير فى شئون الجماعات الإرهابية طارق أبوالسعد، أن جماعة الإخوان الإرهابية تعتمد فى إعادة تقديم نفسها على محورين أساسيين، هما: المظلومية وغفلة المجتمع عن جرائمها، مشددًا على أن التنظيم يركز حاليًا على استقطاب الأجيال الجديدة التى لم تعاصر جرائمه. وأوضح أن الجماعة تروج لفكرة تعرضها للظلم والإقصاء، وتستهدف بهذا الخطاب الأطفال والشباب الذين لم يشهدوا الوقائع المرتبطة بتاريخ التنظيم، مؤكدًا أن خطورة الأمر تكمن فى تعاقب الأجيال وغياب الوعى التاريخى لدى بعض الفئات الأصغر سنًا.
ولفت إلى أن التنظيم يستخدم أدوات حديثة تتناسب مع طبيعة جيل «زد»، موضحًا أن وسائل الاستقطاب لم تعد تقتصر على المساجد أو الأشرطة كما كان الحال فى السبعينيات، بل امتدت إلى «سيرفرات الألعاب الإلكترونية» وغرف الدردشة، حيث يجرى التواصل مع الشباب تدريجيًا ومحاولة التأثير على وعيهم وأفكارهم.
وأضاف أن الجماعة تسعى حاليًا إلى «التمهيد» أكثر من التجنيد المباشر، عبر بناء حالة من التعاطف الشعبى لدى الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الخطر الحقيقى يتمثل فى تكوين «وعى زائف» تجاه المجتمع والدولة وتاريخ الجماعة.
وشدد «أبوالسعد» على أن الإخوان لا يشغلهم الاعتراف القانونى بقدر اهتمامهم بالحصول على «شرعية شعبية» وتعاطف مجتمعى، مؤكدًا أن التنظيم ظل لسنوات طويلة يعمل دون شرعية قانونية، لكنه كان يركز دائمًا على كسب التأييد الشعبى.
وفيما يتعلق بآليات المواجهة، دعا إلى توثيق جرائم الجماعة عبر متحف أو جناح خاص داخل متحف الشرطة أو أى موقع وطنى آخر، إلى جانب إنتاج أفلام تسجيلية قصيرة تتناول جرائم التنظيم مدعومة بالصور والاعترافات.
كما طالب بإعادة تدريس مفاهيم الوطنية والانتماء داخل المناهج الدراسية منذ المراحل الأولى، بالتعاون مع خبراء علم النفس والاجتماع والتربية، بهدف بناء حصانة فكرية لدى الأطفال ضد الأفكار المتطرفة.
وأكد أهمية تطوير الخطاب الإعلامى، بحيث لا يقتصر على وصف الجماعة بالإرهابية، بل يتضمن شرحًا وتوثيقًا لأسباب تصنيفها، مع تضمين الأعمال الفنية والدرامية رسائل توعوية تكشف عن طبيعة التنظيم وأفكاره القائمة على السرية والعمل التنظيمى المغلق.
وشدد على أن جماعة الإخوان تمثل حاليًا «ظاهرة صوتية»، محذرًا من أن الخطر الحقيقى يكمن فى نجاحها فى استقطاب عناصر جديدة من الشباب، وهو ما يتطلب استمرار جهود التوعية والتحصين الفكرى لمنع تكرار التجربة مرة أخرى.




